مساحة إعلانية
الأدب يحتاج إلي مسؤولية أخلاقية وعلمية لتجاوز أزماته
النقد الأدبي لا مكان له دون أسس علمية وموضوعية
المسؤولية الوطنية في الأدب تقتضي تقديم ثقافة تشرف المجتمع
من الجندي المجهول إلي الأساتذة الكبار: أوجه الشكر لكل من دعم مسيرتي
مصر تحتاج إلي حركة ثقافية قوية لاستعادة مكانتها الأدبية
الشعور بالمسؤولية تجاه الأجيال الشابة هو ما ينقص المشهد الأدبي
الثقافة الأدبية يجب أن تكون بعيدة عن الأيديولوجيات السياسية والمجاملات الشخصية
نحن نشهد تراجعًا حقيقيًا في ترسيخ الهوية اللغوية لدي الطلاب
المجاملات في الأدب تضر أكثر مما تنفع.. ويجب أن يكون النقد قائمًا علي أساس علمي
حاورته: همت مصطفي
في عالم اللسانيات وتحقيق التراث العربي، يبرز بعض الأسماء التي لا تكتفي بالإسهام العلمي، بل تمتد أياديها لدعم المواهب الناشئة ونشر المعرفة بلا تردد. من بين هذه الأسماء اللامعة، يأتي الأستاذ الدكتور خالد فهمي، أستاذ علم اللسانيات بجامعة المنوفية، الذي أثري المكتبة العربية بعشرات المؤلفات، وتبوأ مناصب علمية مرموقة، ليصبح أحد أبرز الباحثين في مجال المعاجم والتراث اللغوي.

لم يكن دوره مقتصرًا علي التدريس الأكاديمي، بل امتد ليشمل الإرشاد والتوجيه، سواء من خلال محاضراته المميزة أو عبر منصة «شيخ العمود»، حيث كان مرجعًا أساسيًا للكثير من الشباب الباحثين عن الفكر المستنير. ما يميزه ليس فقط علمه العميق، بل قدرته النادرة علي تبسيط المعارف الجادة وإيصالها إلي القلوب والعقول بأقرب الطرق. فهو لم يكن ناقدًا أكاديميًا فحسب، بل كان داعمًا حقيقيًا لكل موهبة أدبية تحتاج إلي عين خبيرة ونقد عادل. ورغم مسؤولياته الكبيرة، لم يتردد يومًا في قراءة عمل جديد، أو تقديم نصيحة لكاتب ناشئ دون مقابل، ليصبح بذلك نموذجًا متفردًا يجمع بين الصرامة العلمية والاحتواء الإنساني.
في هذا الحوار، نقترب أكثر من رؤيته الفكرية وتأثيره العميق في الأوساط الأدبية والعلمية، مستكشفين رحلته الحافلة بين تحقيق النصوص، ودراسة المعاجم، ودعم الأجيال الجديدة من المبدعين. كيف يري مستقبل اللغة العربية؟ وما التحديات التي تواجه المعاجم والتراث في عصر الحداثة؟ وكيف يوازن بين دوره الأكاديمي والتزامه الأخلاقي تجاه الأجيال الشابة؟
كل هذا وأكثر، نكتشفه في حديثنا مع الدكتور خالد فهمي، الإنسان قبل الأكاديمي، والمرشد قبل الناقد.
المحور الأول: البدايات والتكوين العلمي
* كيف كانت رحلتك الأولي مع اللغة والتراث؟ وما الذي جذبك إلي عالم المعاجم وتحقيق النصوص؟
فيما يتعلق برحلة التكوين والبدايات العلمية الأولي مع اللغة والتراث، فقد بدأت مبكرًا نوعًا ما، إذ شاء القدر الجميل أن ألتقي مدرسًا في مرحلة مبكرة جدًا من الابتدائية، وهو الأستاذ محمد الحبشي عبد المنعم، الذي أشعل أول شمعة في طريق طويل. كان يدرّس اللغة العربية في مدرسة الوادعة الابتدائية. ثم مرت الأيام وتكرر القدر الجميل معي، فرُزقت في السنة الأولي من المرحلة الثانوية بمدرس آخر، هو الأستاذ خيري عبد الجليل.
في هذه المرحلة، شجعني علي أن أشاركه إعداد إجابات لاستفسارات الطلاب في ما كان يسمي «صندوق الفتاوى»، حيث كان يستقبل أسئلتهم أمام مسجد المدرسة الثانوية. في البداية، كان يطلب مني أن أنسخ الإجابات، ثم تطور الأمر وسمح لي بالإجابة عن بعضها، وهنا بدأت عيناي تنفتحان علي التراث الفقهي، لا سيما كتاب «فقه السنة» للشيخ السيد سابق، الذي كان يُنشر آنذاك في أجزاء صغيرة، قبل أن يُجمع لاحقًا في أربعة مجلدات.
منذ تلك اللحظة، بدأت علاقتي بهذا النمط من النصوص والكتابات التراثية، حتي دخلت الجامعة، وانعقدت علاقتي بواحد من أهم اللسانيين العرب المعاصرين، وهو الأستاذ الدكتور رمضان عبد التواب رحمه الله، الذي كان يضرب بقدم ثابتة في جغرافية التراث، وبأخري في اللسانيات المعاصرة. لقد شجعني تشجيعًا بالغًا علي أن أبدأ مسيرتي البحثية بعد الليسانس بتحقيق جزء من النصوص التراثية، فكان ذلك انطلاقي الفعلي في هذا المجال.
* ما التحديات التي واجهتك في مرحلة الدراسات العليا أثناء بحثك في المعاجم الفقهية والجهود اللغوية للثعالبي؟
**استقر رأي أستاذي علي أن أدرس في الماجستير الجهود اللغوية للثعالبي، مشفوعةً بتحقيق كتابه الشهير «فقه اللغة وسر العربية» لأبي منصور الثعالبي، المتوفي سنة 429 هـ. ثم واصلت دراستي في الدكتوراه، حيث تناولت تراث المعاجم الفقهية في العربية من منظور صناعة المعجم الحديث.
في هاتين المرحلتين، واجهت تحديات صعبة للغاية؛ فقد دخلت مجال الفيلولوجيا (دراسات النصوص القديمة والتحقيق)، في وقت لم يكن تحقيق النصوص مقررًا أكاديميًا في أي جامعة مصرية أو عربية. وكان عليّ أن أتحمل تحديًا كبيرًا في تكوين نفسي ذاتيًا، مستندًا إلي ما تعلمته من أستاذي الدكتور رمضان عبد التواب، حتي أصبحت خبيرًا في هذا المجال. لاحقًا، في العام 2015، تأسس «دبلوم علم المخطوط العربي» لأول مرة في تاريخ اللسان العربي، بفضل الجهود الحثيثة للصديق العزيز الدكتور فيصل الحفيان، الذي كان مديرًا لمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة، وقاد نقلة نوعية في هذا المجال.
أما التحدي الآخر، فكان في مرحلة الدكتوراه، حيث انتقلت إلي دراسة المعاجم الفقهية، وهو مجال لم يكن مألوفًا في الدراسات الأدبية التقليدية. لم أكن أزهريًا بحكم الدراسة، لكن كان عليّ أن أتعمق في المدارس الفقهية وقراءة المتون والشروح الفقهية القديمة، وهو أمر لم يكن مألوفًا لخريجي كليات الآداب، خصوصًا في جامعة عين شمس، التي كانت آنذاك تميل إلي الدراسات الحداثية أكثر من التراثية.
أتصور أن التحديين الأساسيين اللذين واجهتهما هما:
1. بناء التكوين الذاتي في مجال التحقيق، مع الاستفادة من خبرة أستاذي الدكتور رمضان عبد التواب.
2. الانتقال إلي دراسة المعاجم الفقهية، وهو ما تطلب عقودًا من التعمق في التراث الفقهي واللغوي، بعيدًا عن المسار التقليدي لخريج كلية الآداب.
لقد كانت معركة صعبة، لكنها في النهاية كانت تجربة ثرية خرجت منها بالكثير، بفضل توفيق الله ودعمه.
المحور الثاني: تحقيق التراث والمعاجم

* هل تري أن التراث العربي في مجال المعاجم واللغة ما زال يحمل كنوزًا لم تُكتشف بعد؟
**الحقيقة أن الإجابة عن هذا السؤال تتوزع علي نقطتين.
النقطة الأولي متعلقة بتحقيق التراث بشكل عام، إذ ما زال أمامنا وقت طويل جدًا قبل أن نقول إننا أسهمنا إسهامًا معقولًا أو شبه معقول في خدمة هذا التراث العربي بالنشر النقدي أو بالتحقيق، كما يقول العرب المعاصرون.
وأدلل علي ذلك من المنظور الكمي، فإذا كانت التخمينات الحدسية المشهورة لعدد نصوص التراث تتراوح بين مليوني مخطوطة إلي ثلاثة ملايين مخطوطة، أستطيع أن أقرر أن ما حُقِّق منها تحقيقًا جيدًا لا يتجاوز العشرة بالمئة، ومن ثم فإن التسعين بالمئة أو ثمانين بالمئة علي أقصي تقدير لم يُخدَم تحقيقًا علميًا.
وفي قلب هذا التراث غير المحقق تأتي نصوص اللغة، وأخص منها بالذكر المعاجم، حتي إنني أستطيع أن أقرر أن عددًا كبيرًا جدًا من المعاجم الموجودة الآن تحتاج إلي تحقيق حقيقي.
فمثلًا، إذا نظرنا إلي معجم العين، وهو أول المعاجم العربية اللغوية التي صُنعت علي يد الخليل بن أحمد (المتوفي سنة 175هـ)، أو إلي المخصَّص لابن سيده—وأنا أختار نصوصًا معجمية بالغة الأهمية والقيمة—أستطيع أن أقول إن نشراتها القائمة الآن لا تعبِّر تعبيرًا حقيقيًا عن هذه النصوص المعجمية.
فضلًا عن عدد كبير جدًا من النصوص اللغوية التي لم ترَ النور تحقيقًا، ومن ثم لا يزال أمامنا أشواط ممتدة من الزمان قبل أن نقرر أن التراث اللغوي، وفي قلبه التراث المعجمي، قد خُدِم خدمة جليلة. بيننا وبين هذا الإقرار مسافات زمنية واسعة.
* التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي، كيف يمكن أن تستفيد المعجمية العربية من هذه الطفرة التقنية؟
** التقنية الرقمية والذكاء الاصطناعي يمكن أن يفيدا المعجمية العربية بطبيعة الحال، لا سيما أنه حتي الآن ليس لدينا مدونات لغوية جامعة تضم ملايين النصوص التي يمكن أن نجمعها.
ومن ثم، يمكننا عن طريق التقنية الرقمية أو اللسانيات الحاسوبية تقديم خدمات جليلة جدًا لصناعة المعجمات والموسوعات العربية، إذا استطعنا أولًا أن نقيم مدونات (Corpus) تجمع ملايين النصوص.
نحن في هذا متأخرون جدًا، فإذا قارنا أعمالنا باللغة الصينية أو الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية أو الإسبانية، نجد أن هذه اللغات استطاعت أن تُنشئ مدونات كبري تجمع ملايين النصوص.
ومما يميز اللغة العربية أنها ممتدة علي مدار سبعة عشر قرنًا—خمسة عشر قرنًا في ظل الإسلام، وقرنان علي الأقل في ظل الجاهلية—بلغة واحدة، رغم ما بينها من فروق تطورية، لكنها في النهاية لغة واحدة هي الفصحى، فضلًا عن مئات الآلاف، بل ملايين النصوص اللهجية.
وبالتالي، نستطيع عن طريق التقنية الرقمية إحداث انتقالة هائلة في هذا المجال، مما يمكن اعتباره بالفعل طفرة تقنية حقيقية كما سميتها أنتِ.
المحور الثالث: قضايا لغوية معاصرة
*كيف يمكننا تحقيق التوازن بين الحفاظ علي الفصحي وتطويرها لتناسب العصر الحديث؟
**الحقيقة أن هذا سؤال مهم، أحييكِ عليه، لأن اللغة دائمًا ما تختبر في سياق مطالب التحديث، حيث تسعي الجماعة اللغوية إلي استخدام لغة تعبر عن وجدانها وهويتها، وفي الوقت نفسه تكون قادرة علي مواكبة العصر الذي تعيشه.
لقد أحرزت العربية عبر تاريخها الطويل نجاحات كبيرة في هذا المجال، بفضل النخب الثقافية والمبدعين العرب علي امتداد العصور. فالعربية لم تقتصر علي الشعر التقليدي أو الكلاسيكي فقط، بل ولّدت عشرات الفنون الأدائية والقولية التي ظهرت استجابةً للتطور الحضاري والتغيرات الاجتماعية.
وفي العصر الحديث، استطاعت العربية أن تستوعب فنونًا أدبية عالمية، مثل الرواية، وبرز في هذا السياق أسماء كبري مثل نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، وغيرهما ممن تمكنوا من تحقيق نوع من التوازن—كما ذكرتِ في سؤالك—بين الأصالة والمعاصرة، مما يثبت أن العربية قادرة علي التطور دون فقدان هويتها.
* برأيك، هل تسهم المناهج الدراسية الحالية في ترسيخ الهوية اللغوية لدي الطلاب؟ وما التعديلات التي تقترحها؟
** أما من حيث دور المناهج الدراسية في التعليم العام في ترسيخ الهوية اللغوية، فأستطيع أن أقول لا، نحن نشهد تراجعًا حقيقيًا في هذا الباب. نحن في زمن يشهد انحدارًا ملحوظًا مقارنة بما كان عليه الحال قبل 75 عامًا، حيث كانت المناهج أكثر عُمقًا وثراءً.
فالكتاب المدرسي اليوم يعاني من تغييبٍ لأسماء كبري في تاريخ الشعرية العربية، والسرد العربي، بل حتي في مجال الأخبار والتاريخ الأدبي، مما يضعف ارتباط الطلاب بتراثهم اللغوي.
أستطيع أن أقول إن الهوية اللغوية تعاني سيولة خطيرة في هذا السياق. ولذلك، إذا استطعنا إصلاح مناهج التعليم وإعادة الاعتبار للكتاب المدرسي، فيمكننا تقديم خدمات جليلة للهوية اللغوية العربية، مما يساعد الشبيبة والناشئة علي التمسك بلغتهم وتقديرها كجزء أساسي من ثقافتهم وحضارتهم.
المحور الرابع: الجانب الثقافي والإنساني
*إلي جانب بحوثك اللغوية، لديك اهتمام بالأدب، بل ونشرت مجموعات قصصية مثل «الدقيقة الخامسة والأربعون»، كيف تجد التداخل بين الأدب واللغة؟
** الحقيقة أن سؤالكِ عن اهتمامي بالأدب له بعدان رئيسيان:
الأول: البعد المهني
الدراسات اللغوية تعتمد بشكل أساسي علي النصوص، ومنها النصوص الأدبية التي تمدنا بشواهد متعاقبة علي حيوية اللغة العربية وتطورها عبر الزمن. فالأدب هو أحد الميادين التي تُختبر فيها اللغة، ويتجلي فيها مدي قدرتها علي التعبير عن مختلف الأبعاد الإنسانية والثقافية.
الثاني: البعد الإنساني
اللغة ليست مجرد أداة تحليل، بل هي تعبير عن وجدان الإنسان ومشاعره وطموحاته. ومن هنا، أجد في السرد القصصي مجالًا واسعًا يعبر عني شخصيًا. لدي شغف عميق بالسرد والرواية، وقد خضت تجربة الكتابة الأدبية في أكثر من مناسبة، كما في «الدقيقة الخامسة والأربعون» و»مرت نصف الساعة».
فضلًا عن ذلك، أؤمن بأن الكتابة العلمية ذات الطابع المهني لا يجب أن تكون جافة، بل ينبغي أن يكون فيها روح الأدب ووجدان الكاتب، حتي لا تتحول إلي نصوص ميتة تحت ذريعة الموضوعية والحياد.
*كيف أثر عملك في المؤسسات الثقافية، مثل مجمع اللغة العربية ودار الكتب المصرية، في رؤيتك لقضايا التراث والثقافة؟
** تأثيري في هذه المؤسسات جاء من خلال عدة مسارات متوازية:
1- الثقافة الجماهيرية والمجتمع
منذ بداية الألفية الثالثة، اختارني عدد من المثقفين لعضوية نادي الأدب المركزي بالقاهرة، ضمن ما يُعرف بـ»شخصيات العام».
كان للأستاذ محمد زغلول عبد الحليم، مدير هيئة قصور الثقافة، دور بارز في دعمي، وأسند إليّ إدارة التمكين الثقافي لذوي الاحتياجات الخاصة، حيث عملت فيها لمدة عشر سنوات وكتبت أبحاثًا في مؤتمرها السنوي.
بعد وفاته، توقفت عن هذا المسار، لكن ظلت فكرة الثقافة الجماهيرية راسخة لدي: يجب أن تكون الثقافة متاحة للناس، وألا تظل محصورة في النخبة.
2- دار الكتب المصرية
علي الرغم من قصر فترة رئاستي لـدار الكتب المصرية، إلا أنني حاولت ترك بصمة واضحة، فقمت بتأسيس سلسلة النهضة التحديثية، والتي كان أول إصداراتها كتابًا عن استصلاح الأراضي الزراعية، تأكيدًا علي الهوية الزراعية لمصر.
كتبت مقدمة هذا الإصدار، مركّزًا علي الدور الذي لعبه المترجمون المصريون الأوائل في نقل مصطلحات العلوم الزراعية إلي العربية.
3- مجمع اللغة العربية
انتُخبت خبيرًا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة منذ عام 2016، ومنذ ذلك الوقت وأنا أتحرك بجناحين:
الأول: الجانب اللغوي من خلال لجنة المعجم الكبير، حيث أساهم في إعداد المعجم التاريخي للعربية.
الثاني: الجانب العلمي من خلال لجنتي النفط والجيولوجيا، حيث أعمل علي ضبط الأداء اللغوي للمصطلحات العلمية بالتعاون مع خبراء الجيولوجيا وعلوم البترول.
4- الندوات العامة والتفاعل مع الشباب
لدي اهتمام خاص بالمشاركة في الندوات الثقافية، والتواصل مع الشباب، وأري أن هذا جزء مهم من دوري في نشر الوعي اللغوي والثقافي.
في مسيرتي، كانت هناك لحظات ألهمتني لأستمر، حين وجدت أن كلماتي وأفكاري تلقي صدي لدي الأجيال الجديدة.
* ما اللحظة التي شعرت فيها أن جهودك العلمية أثمرت بشكل واضح؟
* هناك العديد من اللحظات المؤثرة، حيث أجد امتنانًا من الزملاء والطلاب والمثقفين الذين يعبرون عن تقديرهم لما أقدمه، سواء في مجال الدراسات اللغوية أو الندوات الثقافية. كما أن دعوتي للمشاركة في فعاليات علمية وأدبية كبرى، وحصولي علي ثقة مؤسسات أكاديمية وثقافية، يؤكد لي أنني أسير في الطريق الصحيح، وأن ما أفعله يترك أثرًا ملموسًا.
* كيف تري مستقبل البحث اللغوي والمعجمي في الوطن العربي؟
** الحقيقة أن السؤال عن مستقبل البحث اللغوي والمعجمي في الوطن العربي سؤال صعب ومحفوف بالمخاطر، وأخشي أن يكون جوابي محبطًا، لأن الواقع الحالي رديء جدًا، ويعاني من مشكلات حقيقية واجترار للأفكار المكرورة. لو حكمنا علي الأمر بواقعيته، فقد تكون الإجابة سلبية، لكن هناك مجموعة من شباب العلماء الذين يتلمسون طريقهم بإيجابية. من ثم، وبنظرة متفائلة، يمكننا القول إن هناك مساحات قابلة للتطور في هذا المجال.
* ما النصيحة التي تقدمها للباحثين الشباب المهتمين باللسانيات وتحقيق التراث؟
** فكرة النصيحة من الأفكار الحضارية في الأمة، كما أن لها مشروعية دينية، فقد قال النبي ﷺ: «الدين النصيحة». ومن بين الفئات التي تتوجب تقديم النصيحة لها، المختصون والباحثون. أستطيع أن أقول لأبنائي الشباب، أو أصدقائي من شباب العلماء، إن عليهم التحرك في مسارين:
1. مسار قراءة التراث قراءة حقيقية ومتعمقة.
2. مسار التعمق في اللسانيات الحديثة، وذلك من خلال دراستها عبر إحدي اللغات الأجنبية المتقدمة في هذا المجال.
بهذين الجناحين، إلي جانب دراسة الشكل اللغوي والتشكل اللغوي والبنية اللغوية، إضافة إلي فهم المدارس التي تتناول استعمال اللغة ووظائفها، يمكن للباحثين تحقيق تقدم حقيقي، مما ينعكس إيجابيًا علي مستواهم العلمي والبحثي.
*لو أتيح لك توجيه رسالة إلي المجتمع العربي حول اللغة والتراث، فماذا ستقول؟
** لو أُتيح لي توجيه رسالة إلي المجتمع العربي حول اللغة والتراث، فسأقول وأنا أتابع هنا أحد كبار العلماء، الأستاذ الدكتور سعد مصلوح: دراسة اللغة أصبحت الوريث الشرعي لدراسة الفلسفة.
لقد أصبحت اللسانيات وعلوم اللغة «أمّ العلوم»، إذ لا يمكن لأي شخص أن يحقق تقدمًا حقيقيًا في أي مجال علمي—سواء في القانون أو الطب أو الهندسة أو غيرها—إلا إذا امتلك مهارة لغوية متقدمة وتفوق في فهم اللغة واستخدامها.
لذلك، أتصور أن المجتمع العربي بحاجة إلي مشروعات قومية ووطنية جادة للنهوض باللغة ودراستها، حتي لا تفقد دورها المحوري في التطور العلمي والثقافي.
شيخ العمود وتأثيره في الشباب
* كيف بدأت رحلتك مع «شيخ العمود»، وما الذي جذبك للمشاركة فيه؟
** هذا سؤال يعيد الإنسان إلي حالة من الحزن لما كان. مدرسة «شيخ العمود» تمثل نموذجًا عبقريًا لجهود الشباب في إحياء ثقافة هذه الأمة. أما عن جذبي للمشاركة فيه، فكان الأمر تلقائيًا؛ إذ أقبل الناس عليّ، وفي مثل هذه اللحظات، لا يمكن للإنسان أن يرد من يسعي إليه بصدق.
* ما الذي كنت تسعي لتقديمه من خلال محاضراتك هناك؟
** الدافع الأخلاقي والوجداني كان المحرك الأساسي، إذ يدفعك الحب لمن يبادرونك به، خاصة عندما يكونون شبابًا، ونحن مأمورون بخدمتهم وتقديم العون لهم. كنت أسعي إلي تحقيق بعدين مهمين:
1. بعد ذاتي: حيث كنت أتعامل مع الأمر كتعويض عما فاتني من أيام شبابي.
2. بعد موضوعي: فالشباب بحاجة إلي آباء روحيين يرعونهم ويمدون لهم يد العون.
إن تقليل الفجوة بين الأجيال لا يكون إلا بالتواصل والحوار، وهذا ما دفعني إلي تقديم المحاضرات هناك.
* لاحظنا تأثيرًا كبيرًا لمحاضراتك علي الشباب، ما السر وراء هذا التفاعل العميق؟
** أتصور أن السر يكمن في كوني أعيش همومهم، وأعترف بقدراتهم وطاقاتهم، وأحاول أن أقدم لهم ما كنت أتمني أن يُقدَّم لي في مثل سنهم. لقد سعيت إلي الاندماج مع مشكلاتهم الحقيقية، وكنت بالنسبة لهم نموذجًا للأب الذي يعوض غياب الدور الأبوي في حياتهم، حيث يعيش كثير منهم حالة من اليُتم الحقيقي، ليس بالضرورة فيزيائيًا، بل معنويًا وفكريًا.
* كيف تري دور المؤسسات غير التقليدية مثل «شيخ العمود» في تشكيل الوعي الفكري؟
** لقد أسهمت هذه المؤسسات، مثل «رؤية» و»شيخ العمود» و»وحي» و»قرطبة»، إلي جانب العديد من المبادرات الشبابية الأخري داخل الجامعات وخارجها، في خلق نمط من المقاومة الثقافية في مواجهة موجات التغريب. كما أنها أسهمت في تعزيز التواصل بين الأجيال، في وقت تسعي فيه بعض الجهات غير المسؤولة إلي إذكاء الصراع بين الأجيال بدلًا من تقريبه.
* هل تري أن هناك فرقًا بين الطلاب الذين تلقوا العلم في الأماكن الأكاديمية وبين من تلقوه في بيئات حرة مثل «شيخ العمود»؟
** نعم، هناك فارق جوهري بين الطلاب الذين تلقوا العلم في المؤسسات الأكاديمية التقليدية وبين من تلقوه في بيئات حرة مثل «شيخ العمود». الفارق الأساسي يكمن في الدافع الشخصي والشغف؛ ففي المحاضن الحرة، مثل «شيخ العمود»، يأتي الطالب بدافع ذاتي ورغبة صادقة في التعلم، مع وعي شبه مكتمل بما يحتاج إليه وما سينفعه.
النقد الأدبي ودعم المواهب
* بصفتك ناقدًا كبيرًا، كيف تري دور النقد في تطوير المشهد الأدبي العربي؟
** أري أن هناك تراجعًا حضاريًا أثر بشكل مباشر علي المشهد الأدبي العربي، مما أدي إلي حالة من التراجع في القيم والمعايير النقدية. أصبح هناك اندفاع نحو...
*ما الذي تعتقد أنه ينقص المشهد الثقافي والأدبي في الوقت الحالي؟
** المشهد الثقافي والأدبي في الوقت الحالي ينقصه الشعور بالمسؤولية. هناك ثلاثة أبعاد أساسية لهذه المسؤولية:
1. المسؤولية الأخلاقية تجاه الأجيال الشابة، من خلال تقديم الدعم والتوجيه الحقيقي بعيدًا عن المجاملات أو التحامل.
2. المسؤولية العلمية والمهنية، بحيث يكون النقد والتحليل الأدبي قائمًا علي أسس موضوعية لا تخضع للمجاملات أو العداوات الأيديولوجية.
3. المسؤولية الوطنية، لأن مصر تستحق أن تستعيد مكانتها الحقيقية في المشهدين الثقافي والأدبي، وهذا يتطلب عملاً جادًا يضع المصلحة الثقافية فوق أي اعتبارات شخصية أو سياسية.
هذا ما ينقصنا الآن، وهو ما ينبغي أن نعمل جميعًا علي استعادته.
تلغراف
* إذا طلبنا من حضرتك إرسال «تلغراف» إلي شخص ترك أثرًا طيبًا في حياتك، وكان له دور في تشكيل رحلتك الإبداعية والعلمية أو الإنسانية، لمن ستوجه الرسالة؟ وماذا ستقول له؟
** فكرة البرقيات فكرة جميلة، وأجد نفسي مدينًا بالكثير من الشكر والعرفان لعدد من الأشخاص الذين أسهموا في تشكيل حياتي العلمية والإنسانية.
-برقية شكر وتقدير أوجهها أولًا إلي ذلك الجندي المجهول في رحلتي المبكرة، محمد الحبشي عبد المنعم، الذي كان له أثر في مرحلتي الابتدائية، ثم إلي خيري حسني الذي كان له دور في المرحلة الثانوية.
-برقية تقدير وامتنان بحنو وعطف خاص أرسلها إلي أستاذي الجليل الدكتور رمضان عبد التواب، الذي لم يكتفِ باحتضاني علميًا في المرحلة الجامعية، بل ظل معي حتي مراحل الماجستير والدكتوراه، وكان له الأثر العميق في مسيرتي. ثم يأتي الدكتور سعد مصلوح، الذي له بصمته الكبيرة في مساري الأكاديمي.
-برقية عرفان ومحبة لكل الأصدقاء الذين أمدوني بالزاد الإنساني في رحلتي، وهم كُثر لدرجة يصعب ذكرهم جميعًا، لكن من بينهم وحيد الدهشان، ناصر صلاح، محمد جودة، وسيد عبد الستار المليجي، وغيرهم كثيرون ممن أثروا حياتي بوجودهم ودعمهم.
لكل هؤلاء، أقول: شكرًا لكم، فقد كنتم علامات مضيئة في دربي، وكان لكلٍّ منكم فضل لا يُنسي في رحلتي العلمية والإنسانية.
في ختام هذا اللقاء الثري، نتوجه بخالص الشكر والتقدير للأستاذ الدكتور خالد فهمي، الذي أتاح لنا فرصة الغوص في رحلته الفكرية والأدبية. بين محطات البحث والتدريس، وبين رؤيته النقدية ودعمه للمواهب الصاعدة، يظل اسمه علامة مضيئة في عالم اللسانيات والأدب. نتمني له مزيدًا من العطاء والتأثير، ونترقب دائمًا جديده، علمًا وفكرًا وإبداعًا.