مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

القانون الدولي في اختبار الشرق الأوسط بقلم الدكتور/ محمد حسين

2026-08-04 02:13 PM  - 
القانون الدولي في اختبار الشرق الأوسط بقلم الدكتور/ محمد حسين
محمد حسين

يُحكى أن القانون هو الحصن الأخير للضعفاء، لكن المنطق الميداني في الشرق الأوسط يبدو وكأنه ينسخ هذه المقولة يوميًا. بين المذابح المشهودة في غزة والعدوان المتواصل على جنوب لبنان، مرورًا بشرارات المواجهة الإقليمية بين التحالف الأمريكي-الإسرائيلي العدواني وإيران، وصولاً إلى حبس أنفاس العالم أمام شلل الملاحة في مضيق هرمز؛ يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: أين يقع القانون الدولي العام في هذه المعمعة؟ هل أصبحت نصوصه مجرد حبر متآكل، أم أنه يمتلك آليات حقيقية لم يستنفدها المجتمع الدولي بعد؟
بعيدًا عن الأسلوب الجاف للمذكرات الأكاديمية، نطرح هنا قراءة تحليلية شاملة للحلول والمسارات القانونية المتاحة لتفكيك هذه الأزمات المتشابكة.
أولاً: دماء غزة ولبنان.. كيف تُسحب الشرعية والقادة إلى ساحات المحاكم؟
الحديث عن العدوان الممتد من قطاع غزة إلى القرى والبلدات في جنوب لبنان ليس مجرد سجال سياسي؛ بل هو توصيف لانتهاكات جسيمة للقانون الدولي العام عمومًا والقانون الدولي الإنساني خصوصًا. أمام هذا الواقع، تبرز مسارات محددة يمكن التحرك عبرها:
طرق أبواب محكمة العدل الدولية (ICJ)
القضية التي رفعتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل رسمت الخطوة الأولى. يعتمد هذا المسار على المبدأ الذي يعطي أي دولة طرف في اتفاقية "منع الإبادة الجماعية لعام 1948" الحق في تقاضي دولة أخرى تنتهك الاتفاقية (Erga Omnes Partes). أقصى ما تملكه المحكمة هنا هو الأوامر بالتدابير المؤقتة، وهي قرارات ملزمة قانوناً لوقف الأعمال العسكرية وتوفير الحماية للمدنيين.
الجنائية الدولية وملاحقة الأشخاص (ICC)
بينما تتعامل محكمة العدل مع الدول، تتولى الجنائية الدولية محاكمة الأفراد. بناءً على نظام روما الأساسي، تملك المحكمة ولاية قضائية لبحث جرائم الحرب وجرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في فلسطين ولبنان. إصدار مذكرات التوقيف بحق القادة السياسيين والعسكريين وتفعيل المادة (86) المعنية بالتزام الدول الأعضاء بالقبض على المتهمين، يشكل أداة خنق سياسي ودبلوماسي حقيقية للملاحقين.
العدالة العابرة للحدود (الاختصاص القضائي العالمي)
المحاكم الوطنية في بعض الدول (مثل ألمانيا أو السويد أو بلجيكا) تملك قوانين تتيح لها محاكمة متهمين بارتكاب جرائم حرب في أي مكان في العالم، استناداً إلى اتفاقيات جنيف لعام 1949. هذا الخيار يجعل الحركة الدولية للمتورطين في هذه الانتهاكات خياراً مليئاً بالمخاطر.
قرار "الاتحاد من أجل السلام".. كسر الفيتو
كلما شُلّ مجلس الأمن بسبب حق النقض (الفيتو)، يبرز قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 377 (د-5) المعروف بـ"الاتحاد من أجل السلام". هذا الخيار يتيح للجمعية العامة الاستئثار بصلاحيات حفظ السلام، وإصدار توصيات جماعية شجاعة تشمل فرض عقوبات اقتصادية أو حظر الشحنات العسكرية، كما فعلت عند حل أزمة السويس (Suez Crisis) المعروفة في الأدبيات المصرية والعربية بالعدوان الثلاثي.
ثانياً: مسؤولية الدول الثالثة.. المساعدة في الجريمة جريمة قائمة بذاتها
القانون الدولي لا يعفي الدول التي تقف على الحياد الظاهري أو تكتفي بتقديم الدعم اللوجستي. وفقاً لمشروع مواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً (2001):
الالتزام بالمنع والتوقف عن التوريد
المادة الأولى من اتفاقية منع الإبادة الجماعية تُعرّض أي دولة تعلم بوجود خطر داكن لارتكاب إبادة أو جرائم حرب، ولا تبذل جهدها لوقفها – ومن ذلك الاستمرار في توريد السلاح – للمساءلة الشديدة بتهمة التواطؤ.
حظر الاعتراف بالأمر الواقع
تنص المادة (41) من مشروع مواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً (2001) على التزام جميع الدول بعدم الاعتراف بشرعية أي وضع ناجم عن انتهاك جسيم لقاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي، مثل الضم القسري للأراضي أو تغيير التركيبة الديموغرافية، مع الامتناع المطلق عن تقديم أي معونة لسلطة الاحتلال.
ثالثاً: الضربات ضد إيران.. بين "الدفاع عن النفس" والعدوان الصريح
في سياق المواجهات والضربات التي تستهدف العمق الإيراني من قِبل واشنطن وإسرائيل، تحاول القوى المعتدية دائماً تسويق منطق "الدفاع الوقائي" أو التدخل لمنع تهديدات مستقبلية. لكن ميزان ميثاق الأمم المتحدة ينظر للأمر بمنظار آخر؛ فالمادة (2/4) من الميثاق تحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد أي دولة حظرًا مطلقًا، والمادة (51) ضمنت حق الدفاع الشرعي شريطة وقوع هجوم مسلح بالفعل (خطر حال).
سقوط نظرية الدفاع الوقائي
على ذلك تنهار فكرة "الدفاع الوقائي" التي تحاول الولايات المتحدة الأمريكية ترسيخها في القانون الدولي منذ حربها العدوانية على العراق عام 2003. فالمادة (51) تحدد حق الدفاع عن النفس بشرط صريح، وهو وقوع هجوم مسلح بالفعل (Armed Attack). أما ضرب المنشآت بناءً على تقديرات استخباراتية أو احتمالات مستقبلية، فلا غطاء قانوني له، ويُصنَّف كعمل من أعمال العدوان طبقاً لقرار الجمعية العامة رقم 3314.
حق الرد المشروع
استناداً للنصوص ذاتها، تحوز الدولة التي تعرضت للعدوان حق رد الهجوم ضمن حدود الضرورة والتناسب، أو الذهاب بالمفاوضات الشاقة إلى المنظمات الدولية.
رابعاً: أزمة مضيق هرمز.. كيف يحمي قانون البحار شريان النفط العالمي؟
تهديد الملاحة أو محاولات إغلاق مضيق هرمز يُدخِل العالم في أزمة اقتصادية وجيوسياسية خانقة. كيف يتعامل القانون الدولي للبحار (UNCLOS 1982) مع هذا الممر الحيوي؟
بدايةً نحن مع حق إيران الكامل في إغلاق المضيق كآلية دفاعية شرعية تجاه العدوان الصهيوأمريكي الغاشم، ولا يُلام هنا إلا واشنطن وتل أبيب، فالبادئ أظلم. لكننا نطرح هنا المعالجة القانونية الدولية للمسألة بعيدًا عما نعتقده من حق إيران الكامل في إغلاق المضيق كآلية دفاعية شرعية مقابل ما تتعرض له من حرب عدوانية من واشنطن وتل أبيب (خطر حال).
فمن الناحية النطاقية ينطبق على مضيق هرمز، كونه يربط بين بحرين مفتوحين، ما ينطبق على البحر الإقليمي للدولة. على ذلك يحظر تعليق المرور، فهو ممنوع تماماً ولا يجوز إيقافه لأي سبب كما هو مقرر بنص المادة (44) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، لكن يجوز تعليقه مؤقتاً لأسباب أمنية مشددة، ونعتقد أن الحالة الحربية العدوانية الماثلة تعد سبباً أمنياً مشدداً.
أسلحة القانون الدولي لضمان فتح المضيق
قواعد "المرور العابر" كقانون عرفي
ينص الجزء الثالث من اتفاقية قانون البحار على أن حركة السفن في المضايق الدولية مكفولة بحكم "المرور العابر". وحتى لو تذرعت بعض الدول بعدم تصديقها على الاتفاقية، فإن هذا الحق أصلته محكمة العدل الدولية كجزء من القانون الدولي العرفي الملزم للجميع، كما في السابقة الشهيرة لمضيق كورفو عام 1949.
المنظمة البحرية الدولية (IMO)
يتيح القانون الدولي للمنظمة وضع نظام لتقسيم الحركة الملاحية (Traffic Separation Schemes)، وإدارة الممرات البحرية بشكل حيادي يضمن سلامة السفن والتجارة العالمية، ويقطع الطريق على التحجج بالمخاطر الأمنية لإغلاق المضيق.
الدبلوماسية القضائية والتسوية السلمية
تتيح المادة (33) من ميثاق الأمم المتحدة والجزء الخامس عشر من اتفاقية قانون البحار اللجوء إلى التحكيم الدولي أو الوساطة لحل النزاعات الأمنية بين الدول المشاطئة والدول المستخدمة للممر، بما يحفظ سيادة دول المنطقة دون تعطيل إمدادات الطاقة العالمية.
الخاتمة
هذا، وبعيدًا عن الآليات القانونية العديدة التي يقدمها القانون الدولي للأزمات المختلفة، فإنه لا بد أن نعلم أن القانون الدولي ليس ساحرًا يملك عصا سحرية لإيقاف المدافع بكلمة، ولكنه يمثل المسطرة الأخلاقية والقانونية الوحيدة التي تمنع الغابة من أن تسود.
الحلول موجودة في النصوص والمحاكم والميثاق، وما ينقصها ليس صياغة نصوص جديدة، بل وجود قوة ووحدة عربية قادرة على أن تدافع عن حقوقها وتفرض كلمتها استنادًا إلى هذا القانون الذي يضمن كل الحقوق العربية المنتهكة.

الدكتور/ محمد حسين -أستاذ القانون الدولي الزائر بجامعة القاهرة –فرع الخرطوم

مساحة إعلانية