مساحة إعلانية
يقول ابن مالك في الألفية :
ولا يجوز الابتدا بالنكرة ............مالم تُفِدْ ، ك : " عند زيدٍ نَمِرَة ! "
وقد عثرتُ على نظم لشاعر من النحاة المتأخرين هو تاج الدين أبو محمد النحوي (ت 749هـ) أجمل فيه حالات تسويغ الابتداء بالنكرة فجعلها ثلاثاً وثلاثين حالة حيث يقول في مقدمة نظمه ذاك:
إذا ما جعلت الاسم مبتدأ فقل .... بتعريفه إلا مواضع نكرا
بها وهي إن عدت ثلاثون بعدها .....ثلاثتها عد امريء قد تمهرا
ومرجعها لاثنين منها فقل هما ..... خصوص وتعميم أفاد وأثرا
أي أن هذه المسوغات الثلاثة والثلاثين تؤول في حقيقتها إلى حالتين كبيرتين هما التخصيص والعموم.
فمن هذه المسوغات التي تسوغ الابتداء بالنكرة:
أن تكون مضافة مثل: مشاهدة جلسات البرلمان متعة.
أن تكون موصوفة مثل: مذيع عاقل خير من مذيع جاهل.
أن يتقدم عليها خبرها وهو ظرف مثل: عندك بطاقة تموين؟.
أو هو جار ومجرور مثل: في صحافتنا جهابذة.
أن تقع بعد نفي: مثل: ما نائبٌ كسول.
أن تقع في أول الجملة الحالية مثل: جاء زيد وكتاب معه.
أن تكون مصغرة مثل: كتيب في حقيبتك.
أن تكون دعاء مثل: سلام على إبراهيم أو: ويل للمطففين.
أن تكون عاملة في غيرها مثل: رغبة في الخير صدقة.
ومنه قول الشاعر:
تسريحُ كفك برغوثا ظفرتَ به ..... أبرُّ من درهمٍ في كفِّ مسكينِ
أن تقع بعد لولا مثل: لولا سماعة أخفيتها ما نجحت.
أن يعطف عليها موصوف مثل:
كتاب ومجلة جديدة عند زيد.
وغير ذلك من مسوغات، أما الكوفيون فإنهم يرون أن المبتدأ قد يكون معرفة أو نكرة ودليلهم قول الشاعر القديم:
خبيرٌ بنو لهبٍ فلا تك ملغيا..... مقالة لهبي إذا الطير مرت
فهذه الجملة تعرب عند البصريين هكذا :
خبير: خبر مقدم، بنو: مبتدأ مؤخر.
وهم بذلك يناقضون أنفسهم لأنهم يشترطون أن يتطابق المبتدأ والخبر نوعًا وعددًا. وهما هنا غير متطابقين لأن (خبير) مفرد، و (بنو) جمع. ولذلك التمسوا لهذا مخرجًا في قوله تعالى: (والملائكة بعد ذلك ظهير) فالملائكة جمع وظهير مفرد، ولا حجة لهم في هذا لأن القرآن الكريم استخدم المفرد بمعنى الجمع كثيرًا والعكس. أما الكوفيون فيعربون المثال السابق هكذا.
خبير: مبتدأ، بنو: فاعل لخبير أغنى عن الخبر.
ولعل ابن مالك حين قال : ( " عند زيدٍ نَمِرَة ! " ) كان يقصد شيئا آخر