مساحة إعلانية
هذه هي المرة الأولى التي أسعد فيها بقراءة عمل للكاتبة هويدا طه وقد كنت سعيدًا وأنا أتصفح روايتها عبور لأنني وجدت نفسي منذ الصفحات الأولى أمام عمل استطاع أن يجذبني إلى عالمه بهدوء ثم يأخذني بعيدًا في رحلة لم تكن رحلة في الزمن فقط وإنما رحلة إلى الإنسان وإلى مصر وإلى ذلك التاريخ الذي نظنه محفوظًا في الكتب بينما هو في الحقيقة كان يومًا حياة كاملة عاشها أناس أحبوا وخافوا وحلموا ودافعوا عن أرضهم
تبدأ عبور من فكرة تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى الخيال العلمي وهي فكرة السفر عبر الزمن لكن هويدا طه لا تستخدم هذه الفكرة لمجرد الإدهاش أو صناعة المغامرة وإنما تجعل منها مدخلًا إلى سؤال أكبر وهو كيف يمكن للإنسان أن يرى تاريخه بعينيه بدلًا من أن يقرأه في الكتب
ومن هنا يأتي رَيّان بطل الرواية باحثًا في التاريخ المصري القديم ومفتونًا بما تركه المصريون من آثار وبرديات وحكايات حتى يصبح التاريخ بالنسبة إليه شيئًا حيًا يلاحقه في كل مكان وكأن الماضي يمد يده إلى الحاضر ويطلب منه أن يسمعه وقد عبرت الرواية عن ذلك بصورة راقية حين جعلت رَيّان يستمع إلى صوت الزمن الصادر من المنحوتات وجدران المعابد والبرديات
وهذا الصوت هو الذي يقوده إلى تجربة العبور بمساعدة صديقه مصطفى الذي يعمل على الكبسولة التي ستكسر حدود الزمان والمكان وهنا تبدو العلاقة بين الاثنين علاقة إنسانيًا فمصطفى يمثل العلم والتجربة بينما يمثل رَيّان المعرفة والرغبة في اكتشاف الحقيقة وبينهما يقف خوف الأم شريفة التي ترى في المشروع مغامرة قد تخطف ابنها منها ولهذا تأتي عبارتها البسيطة إوعى يا مصطفى محملة بكل خوف الأم المصرية على ابنها
لكن رَيّان يعبر فعلًا ويجد نفسه أمام مصر القديمة التي طالما قرأ عنها في الكتب وفجأة تتحول السنوات والتواريخ إلى بشر وبيوت وأسواق وقلق وخوف وحروب ويكتشف أن التاريخ الذي ندرسه ببرود كان بالنسبة إلى أصحابه حياة لا تحتمل البرود
وهنا تكمن واحدة من أهم جماليات الرواية فحين يصل رَيّان إلى مصر القديمة عام 525 قبل الميلاد لا يرى مجرد صفحة من صفحات التاريخ وإنما يرى المصريين وهم يعيشون خوف اقتراب الجيش الفارسي ويقرأ القلق في الوجوه ويدرك أن الاحتلال لم يكن بالنسبة إليهم عنوانًا في كتاب وإنما كان جوعًا وخوفًا وسياطًا وسيوفًا
ومع استمرار العبور تتسع دائرة الرواية ويصبح رَيّان جزءًا من حياة شخصيات مصرية قديمة مثل ناخت وميريت وباخردي وحور فنحن لا نعود أمام تاريخ بعيد وإنما أمام بشر لهم ملامحهم ومشاعرهم وأحلامهم ولذلك تصبح علاقته بهذه الشخصيات من أكثر أجزاء الرواية دفئًا
وحين يعود رَيّان إلى بيت ناخت بعد سنوات يجد الطفل الذي كان في السابق مجرد جنين في بطن أمه وقد أصبح موجودًا أمامه وهنا يبدو الزمن في الرواية كأنه شيء يمكن لمسه ورؤيته فالزمن لا يمر فقط على رَيّان وإنما يمر على البيوت والأطفال والنساء والرجال وعلى مصر كلها
وتتجاوز الرواية فكرة الاحتلال العسكري إلى سؤال الإنسان عن وطنه ولذلك تأتي المقاومة في الرواية باعتبارها فعلًا إنسانيًا قبل أن تكون فعلًا سياسيًا وعندما يرى رَيّان المصريين وهم يقاومون المحتل يشعر أن التاريخ ليس مجموعة من الملوك والمعارك وإنما حكاية الناس الذين ظلوا متعلقين بأرضهم رغم كل ما مر بهم
ولذلك كانت جملة تسقط الدول.. وتبقى الأرض والناس من أكثر الجمل التي تلخص روح الرواية
فالكاتبة هنا لا تتحدث عن مصر القديمة وحدها وإنما تفتح بابًا للتأمل في مصر عبر الزمن وكأن الأرض المصرية هي الشخصية الأوسع التي تتحرك داخل الرواية بينما تتغير الدول والملوك والجيوش وتبقى الأرض ويبقى الإنسان
ومن أجمل ما فعلته هويدا طه أنها لم تجعل الماضي مثاليًا فقدمت لنا أيضًا أسئلة السلطة والدين والكهنة وكيف يمكن للإنسان أن يخسر حريته حين يصبح التفكير نفسه خاضعًا للوصاية وفي واحدة من أكثر العبارات دلالة تقول الرواية إن المصريين تعلموا كيف يحصنون الثغور ويبنون القواعد العسكرية لكنهم لم يتعلموا بعد كيف يحمون عقولهم من ذوي الجلد الأملس.. الكهنة
وهنا تخرج الرواية من حدود التاريخ إلى الحاضر دون أن تقول ذلك مباشرة وتصبح الأسئلة القديمة أسئلة معاصرة عن الحرية والعقل والسلطة والهوية
أما عنوان الرواية عبور فهو عنوان موفق جدًا لأنه لا يشير فقط إلى عبور رَيّان من زمن إلى زمن وإنما إلى عبور الإنسان من المعرفة إلى الفهم ومن الحاضر إلى الماضي ومن الماضي إلى الحاضر وربما إلى عبور مصر نفسها من مرحلة إلى أخرى وهي تحمل في داخلها ذاكرة طويلة من المقاومة والانكسار والأمل
وقد أعجبتني في الرواية تلك القدرة على جعل التاريخ قريبًا من القلب فحين يتأمل رَيّان ميريت وهي تعمل في السوق والحقل وترعى زوجها الجريح وطفلتها وحملها لا تعود المرأة المصرية القديمة صورة أثرية وإنما تصبح امرأة حقيقية نراها أمامنا ونشعر بتعبها وقوتها وهو ما يجعل التاريخ في عبور تاريخًا للناس وليس للملوك فقط
وفي النهاية أستطيع القول إن عبور عمل جعلني أقرأ التاريخ بطريقة مختلفة فقد دخلت الرواية وأنا أظن أنني أمام حكاية عن السفر عبر الزمن ثم وجدتني أمام حكاية عن مصر وعن الإنسان وعن الذاكرة وعن الوطن
وربما تكون قيمة الرواية الحقيقية في أنها تجعل القارئ يسأل نفسه بعد إغلاق صفحاتها سؤالًا بسيطًا وصعبًا في الوقت نفسه
ماذا لو استطعنا أن نعبر الزمن فعلًا ونرى تاريخنا بأعيننا هل سنظل نراه كما كتبته الكتب أم سنكتشف أننا كنا نقرأ حكايات البشر دون أن نرى البشر؟
وهنا تحديدًا نجحت هويدا طه في أن تجعل من روايتها الأولي عبور أكثر من رواية عن الماضي فقد جعلتها رواية عن الحاضر أيضًا وعن الإنسان الذي مهما ابتعد به الزمن يظل يبحث عن نفسه في الأرض التي ينتمي إليها.