مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

الإنسان بين ما يعرفه وما يُفرض عليه أن يصدقه .. بقلم :شحاته زكريا

2026-05-03 12:46 PM  - 
الإنسان بين ما يعرفه وما يُفرض عليه أن يصدقه .. بقلم :شحاته زكريا
شحاتة زكريا

لم تعد معركة الإنسان المعاصر تدور فقط حول امتلاك المعرفة بل حول القدرة على التمييز بين ما يعرفه حقا وما يعاد تشكيله أمامه حتى يبدو كأنه حقيقة مكتملة. إنها معركة خفية لا تُخاض في ساحات السياسة أو الاقتصاد وحدها بل في أعمق نقطة من الوعي الإنساني: كيف تتكون القناعة؟ ومن يصنعها؟ وعلى أي أساس نُسلم بما نراه ونسمعه كل يوم؟في الأزمنة السابقة كانت المعرفة تُكتسب عبر مسار واضح: تجربة، تعليم، قراءة، ثم تراكم بطيء يقود إلى يقين نسبي. أما اليوم فقد تغيّر المشهد جذريا إذ لم تعد المعرفة تبنى فقط بل تصاغ أحيانا وتعاد هندستها وتقدم للإنسان في صورة جاهزة مغلفة بالإلحاح والتكرار حتى تختلط عنده الحدود بين ما توصّل إليه بالعقل وما تم فرضه عليه عبر التدفق المستمر للمعلومات.. المشكلة ليست في كثرة المعلومات بل في غياب القدرة على فرزها. فالعقل البشري رغم قوته لم يُصمم للتعامل مع هذا السيل غير المنقطع من الرسائل والتفسيرات والروايات المتضاربة. وهنا يبدأ التداخل الخطير: تتحول المعلومة المتكررة إلى حقيقة ويتحول الصوت العالي إلى دليل ويصبح الانتشار معيارا للصدق لا القيمة ولا البرهان.. في هذا السياق يُعاد تشكيل وعي الإنسان دون أن يشعر. فهو يظن أنه يختار ما يقتنع به بحرية بينما كثير مما يراه ويعيد تداوله هو في الحقيقة نتاج منظومات إعلامية أو منصات رقمية أو حتى جماعات مصالح تدرك جيدا كيف تدار العقول عبر العاطفة لا المنطق. وهنا تنشأ المفارقة الكبرى: الإنسان يعتقد أنه أكثر حرية من أي وقت مضى بينما هو في أحيان كثيرة أكثر قابلية للتوجيه من أي زمن سابق.. الخطورة لا تكمن في وجود التأثير فهذا أمر طبيعي في الحياة الاجتماعية بل في تحوله إلى بديل عن التفكير. حين يتراجع السؤال وتتقدم الإجابة الجاهزة يصبح الوعي نفسه عرضة لإعادة التشكيل. ومع الوقت لا يعود الإنسان يميّز بين ما توصّل إليه عبر الفهم وما تم ترسيخه عبر التكرار.. إن ما نعيشه اليوم هو انتقال تدريجي من عصر المعرفة إلى عصر الانطباع. في الأول كانت الفكرة تختبر قبل أن تقبل أما في الثاني فهي تقبل أولا ثم يبحث لها لاحقا عن مبرر. وهذا التحول الدقيق هو ما يجعل كثيرا من القناعات قابلة للانهيار السريع بمجرد تغير السياق أو تبدل المزاج العام.. وفي قلب هذا المشهد يظهر سؤال جوهري: هل لا يزال الإنسان صاحب قرار معرفي مستقل؟ أم أنه أصبح يعيش داخل دائرة من التأثيرات المتداخلة التي تُعيد تشكيل وعيه بشكل مستمر دون توقف؟
الإجابة ليست مطلقة. فالإنسان لم يفقد قدرته على التفكير لكنه بات في حاجة مضاعفة إلى وعي نقدي يحميه من الذوبان داخل ما يُفرض عليه. وهذا الوعي لا يعني الشك الدائم، بل يعني التحقق وإعادة السؤال وعدم الاكتفاء بما يقدم باعتباره بديهيا أو مسلما به.. التاريخ يُخبرنا أن أخطر التحولات لم تكن نتيجة قوة الفكرة وحدها بل نتيجة ضعف القدرة على نقدها. فالأفكار مهما كانت سطحية يمكن أن تصبح سائدة إذا لم تجد عقلا يواجهها بالسؤال. وهنا تحديدا تتشكل الفجوة بين الإنسان وما يعرفه وبين ما يُراد له أن يصدقه.. ولعل المفارقة الأعمق أن كثيرا من الناس لا يدركون أنهم داخل هذه الدائرة أصلا. فهم يظنون أنهم يختارون مواقفهم بحرية بينما جزء كبير من هذه المواقف هو نتاج سياق عام تم بناؤه بعناية عبر الإعلام والسوشيال ميديا وخطابات متكررة تُعيد صياغة الواقع أكثر مما تصفه.
لكن رغم هذا التعقيد يظل هناك دائمًا هامش للنجاة: لحظة توقف، لحظة سؤال لحظة مراجعة. تلك اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن يفصل بين ما يشعر به وما يثبته الدليل بين ما يقال له وما يتأكد منه بنفسه. في هذه اللحظة فقط يبدأ استعادة قدر من الاستقلال المعرفي.. إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يُخطئ بل أن يظن أن ما يُفرض عليه هو الحقيقة الكاملة دون أن يترك لنفسه مساحة للتأمل أو المراجعة. فالمعرفة الحقيقية لا تبنى على التلقين بل على التجربة الواعية وعلى القدرة الدائمة على إعادة النظر فيما نظنه ثابتا.. وفي النهاية يبقى السؤال مفتوحا أمام كل فرد:
هل ما أؤمن به اليوم هو ما فهمته بعقلي فعلا… أم ما تكرر أمامي حتى صدقته دون أن أشعر؟

مساحة إعلانية