مساحة إعلانية
لم أعد أُجيد فهم الوجوه، ولا أُحسن قراءة ما خلف الكلمات؛
فالناس اليوم يقلّبون أقنعتهم كما يُقلب الورق،يبتسمون وفي القلب شوك، ويصافحون وفي النية خنجر، ويُنادونك بأخوتهم، ثم يتركونك تتعثر وحدك على أول حجر.
كنت أحسب أن صفاء القلب حصن، فإذا به بابٌ مشرع لكل عابر لا يعرف قدر النُبل. وكنت أظن أن الطيبة لغة يفهمها الجميع،لكن يبدو أن بعض القلوب أمّية، لا تقرأ إلا مصلحتها،
ولا تحفظ من الأبجدية إلا أول حرف من كلمة “أنا”.
ومع ذلك…
لا ألوم قلبي حين يحسن الظن، فهو يتصرف بطبيعته،
ولا ألوم الناس حين يسيئون، فهم يتصرفون بطبيعتهم أيضًا.
ربما لهذا قال الحكماء:
ما خرج من القلب عاد إليه… وما خرج من الطبع عاد إليه.
أدركت أن الإنسان لا ينكشف عند العطاء، بل عند الامتحان؛
عند أول موقف يُطلب فيه صدق، أو أول لحظة تحتاج فيها إلى سند،أو عند ضيق يعرّي معدن الرفاق…عندها تعرف أن بعضهم كان ظلًا لا جسدًا، وآخرون كانوا طينًا لا طهرًا،وثلة قليلة فقط كانت جبالًا…جبالًا تشبه تلك التي صمتّ عنها كثيرًا،
وتحملتَ أنت عنها أصوات البرق والرعد.ولأنني آمنت أن الأيام مدرسة قاسية،فإن درسي الأخير كان واضحًا:
كُن حسنًا… لكن لا تكن ساذجًا.سامح… لكن لا تسمح بتكرار الجرح.أعطِ… لكن لا تُسلم مفاتيح روحك لكل يد.وابتعد بهدوء، فالشكوى لا تُعيد من سقط،ولا تُهذّب من كان قلبه حجَرًا.
ويا أيها الواقفون على جبل الكراهية،الذين ظنوا أن العلو في الارتفاع على الناس لا في الارتفاع على النفس، اعلموا أنكم كلما أصعدتم أنفسكم على رقاب غيركم سقطتم من حيث لا ترون، وسيسمع الناس صوت ارتطامكم قبل أن تشعروا بالألم.
أما نحن…
فنمضي كمن يحمل جرحًا يعرف أنه لن يندمل،لكن يعرف أيضًا أن الجرح نفسه هو ما أبقاه إنسانًا.نمضي وقد تعلّمنا:
أن الخير لا يضيع، وأن الله يُري الإنسان الناس ليفهم نفسه،
ويكشف له ظلال طريقه،حتى إذا مشى… مشى بعين بصيرة،
وقلبٍ لا يَلدغ مرتين ونَفْسٍ – كما قال المتنبي –
لا تشيب بشيب الجسد،
ولا تُطفئها خيبات الأنام.
فهي أيام… نعم.لكنها تكفي لتعلّمنا كيف نقف،وكيف نرى،وكيف نُبقي على الإنسان فينا حيًّا…بين ذئابٍ كثيرة،
ووجوهٍ قليلة تشبه الضوء.