مساحة إعلانية
الحياة ليست مجرد سلسلة من الأيام العابرة، بل هي حلبة كبرى تصنعها الاختيارات وتحدد ملامحها المواقف التي تتعرض لها ممن حولك، في كل منعطف في الحياة يواجه فيه الإنسان خياراً بين الصمت والمواجهة، أو بين الراحة والمبدأ، يكتشف حقيقة كبرى ، أن لكل موقف ثمناً يجب أن يُدفع ، قد يكون الثمن خسارة مادية، أو عزلة مؤقتة ، أو مواجهة مع الأقارب والاصدقاء، ولكن البديل غالباً ما يكون أغلى بكثير؛ وهو خسارة الذات وكما قال الأديب الألماني غوته: «الجبن الأخلاقي هو عدم القدرة على الدفاع عن مواقفنا»
في هذا المقال عزيزى القارى ، نبحر سويا في معرفة لماذا تظل المواقف الشجاعة هي العملة الوحيدة التي يشتري بها الإنسان كرامته وكبريائه مهما كان المقابل الذى سيدفعه من اسمه وسمعته ، لكن قيمته تكمن في أنه يعكس أصالة مبادئك وصدق انحيازك للحق التي تربيت عليها
إن المبادئ والتدين سهلة النطق، والجميع يملك القدرة على التغني بالحق والعدالة والدين في أوقات الرخاء ، لكن الاختبار الحقيقي للمعدن البشري لا يحدث إلا في لحظات الحزن والأزمات المالية ؛ والمواقف الاسرية المفصلية ، حينها يصبح للكلمة ثمن، وللموقف عواقب ، في تلك اللحظة الفاصلة، يتجرد الإنسان من الأقنعة، ويتحول الموقف من مجرد فكرة نظرية إلى معركة أخلاقية مع من حوله ، إن اتخاذ موقف حقيقي يعني أن تنحاز لما تؤمن أنه الحق ، ان كان ميراث او موقف او خصومة او ما شابه حتى لو كان ذلك يعني السير عكس رغبة من حولك ، ومواجهة الأغلبية الصامتة على الظلم وعدم قول كلمة الحق ؛ فالإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يوضح خطورة هذا الصمت بقوله: «حين سكت أهل الحق عن الباطل، توهم أهل الباطل أنهم على حق».
العبارة الشهيرة 'للمواقف ثمن' ليست مجرد شعار رنان، بل اصبحت واقع يعيشه كل من رفض الانحناء أو التنازل عن الحق لأجل إرضاء الاخرين بعدم قول كلمة حق ،
فهل تساءلت يوماً عن الفارق بين إنسان يمر في الدنيا كظل عابر، وآخَر يترك خلفه أثراً لا يمحوه الزمن؟ الفارق يكمن في كلمة واحدة: 'الموقف'. المبادئ لا تُختبر في أوقات الرخاء، بل تظهر قيمتها عندما تطلب للشهادة في موقف لا يختلف عليه اثنان هنا يصبح للكلمة الصادقة ثمن
وعندما نقول "للمواقف ثمن"، فإن هذا الثمن ليس مجرد مجاز لغوي، بل هو واقع ملموس ؛ حيث يجد صاحب الموقف نفسه وحيداً في بعض الأحيان، يبتعد عنه المقربون خوفاً من زعل الاخرين ، فضلاً عن ذلك، غالباً ما يتعرض أصحاب المواقف إلى الهجوم والتشويه، وقطع الرحم وحملات التشكيك من أولئك الذين يزعجهم وجود احد يدافع عن حق له ولاسرته او ذويه ويكشف نكرانهم ،أمام هذه الفاتورة الباهظة، قد يبدو صاحب الموقف في أعين المتبطبطية خاسراً ، فقد ضحى براحته واستقراره من أجل موقف ، ولا يعلمون ان شعاره إذا كان للموقف ثمن، فإن للكرامة ثمناً أعظم،
عزيزى القارئ إن القلوب النقية قد تتألم كثيرا، وتخذل كثيرا، وتمر بها عواصف الخيبات فتخدش جدرانها الرقيقة، لكنها أبدا لا تعرف الانطفاء ، هي كالنجوم التي كلما اشتدت حولها عتمة الليل، تباهت بالضياء، وكالأرض الطيبة التي لا تنبت إلا الزهر مهما سقاها العابرون بمرارة الجفاء ، إن نقاءها ليس ضعفا كما يظن النفعيون، ولا هو خيار يمكن التخلي عنه في لحظة غضب، بل هو هوية معجونة بالكرامة، وفطرة سماوية لا تصدأ ، وفي نهاية المطاف، لا تخسر هذه القلوب أبدا؛ إذ يكفيها ربحا أنها تعبر الدنيا بثياب بيضاء، لم تلوثها أطماع المصالح، ولم تدنسها خيانة المبادئ ،فلا توجد وسادة في العالم أنعم من ضمير مرتاح، والنوم بلا ندم على خيانة المبدأ مكسب لا يُقدر بمال.
وكما صاغها الشاعر نزار قباني باختصار: «هِيَ الحَياةُ مَواقِفٌ.. فإمَّا أَنْ تَكونَ أَو لا تَكونْ»
قد يكون ثمن الموقف غالياً، لكن الصمت على ضياع حقك وان تكون بلا موقف هو الإفلاس الحقيقي والوقوف في المنطقة الرمادية لا يحمي صاحبه، بل كما قال الأديب دانتي: «إن أشد الأماكن ظلمة في الجحيم شُقت لأولئك الذين يقفون على الحياد في معارك الأخلاق »