مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

ياسر القاضي يكتب:"حاول تفهم" سكوت.. هتكلم ..أيوه..أنا هتكلم.

2026-07-13 09:07 AM  - 
ياسر القاضي يكتب:"حاول تفهم" سكوت.. هتكلم ..أيوه..أنا هتكلم.
ياسر القاضي

hyasser10@yahoo.com

تعبت من الصمت، فقد صار أثقل من الكلام، ومن حمل الحروف وهي حبيسة الصدر، حتي أوشكت أن تتحول إلي ندوبٍ لا تُرى.
تمر بنا الأيام تباعًا، كعقارب ساعةٍ صُنعت من فولاذ؛ لا تعرف التوقف، ولا تعبأ بمن تسحقه في طريقها. وتنطوي صفحات العمر صفحةً بعد أخرى، وأنا أقف متسائلًا: ماذا صنعت في هذا العمر؟ بل ماذا صنع العمر بي؟
عشت وهمًا حتي ألفته، ثم تعايشت معه حتي حسبته حقيقة. سجنت نفسي سجن يوسف بضع سنين، ثم ألقيت بها في الجب بإرادتي، ظانًّا أن هناك من سيمد إليها يدًا، أو يشتريها ولو بثمنٍ بخس. لكنني لم أجد سوي صدي انتظاري، وبئس الظن ما ظننت.
وفكرت أن ألقي نفسي في اليم؛ لعل حوت يونس يبتلعني، لا هربًا من الحياة، بل فرارًا من نفسي. غير أن التيار كان أسبق من أمنيتي، فجرفني إلي موطنٍ كنت أهرب منه، فإذا به نفسي... تلك الغريبة التي طال الفراق بينها وبيني.
أضربت عن الطعام كما يفعل السجين حين يضيق به السجن، فإذا بي أكتشف أن في الصيام حريةً لم أعرفها من قبل. وشربت من كؤوس الحياة حتي حسبت أن السكر سيغيبني عن وجعي، لكنه لم يمنحني حتي غفوةً عابرة؛ فبعض الآلام لا تُسكر، بل تزيد صاحبها يقظة.
مرهقٌ أنا... بعدد ساعات العمر التي قاربت مائتين وواحدًا وثلاثين ألفًا وخمسمائةٍ وأربع ساعات. أحملها علي كتفي كأنها أعوامٌ فوق أعوام، لا ساعاتٌ مضت وانقضت.
محصورٌ بين قضبان الفضيلة، وموثقٌ بحبالٍ نسجها وهم البراءة والطفولة. فلا أنا استطعت أن أتحرر، ولا أنا رضيت بقيودي. أقف في المنتصف، لا أنتمي تمامًا إلي النور، ولا أستسلم كليًّا للعتمة.
اشتقت إلي نفسي اشتياق الغريب إلي وطنه. منذ زمنٍ طويل لم ألتقها، ولم أجلس إليها، ولم أسمع صوتها كما كان. كلما اقتربت منها، وجدتها تختبئ خلف وجوهٍ صنعتها الأيام، وخلف ابتساماتٍ لم تكن يومًا تعبر عنها.
أسقط في اختبارات الحياة واحدًا تلو الآخر، إلا اختبارًا واحدًا لا أزال أخوضه كل يوم؛ اختبار الوقوف أمام نفسي. هناك لا مجال للكذب، ولا مكان للتجميل، ولا مهرب من الحقيقة. هناك فقط أعرف من أكون.
وسأظل أتكلم... لأن الصمت لا يشفي الجراح، بل يعلمها كيف تنزف في هدوء. وسأظل أكتب، لعل حرفًا واحدًا ينجح في إنقاذ ما عجزت عنه الحياة كلها. فإن لم يسمعني أحد، يكفيني أن تسمعني نفسي، بعد طول غياب.

مساحة إعلانية