مساحة إعلانية
لؤة الشريف ليست القضية بل الحرية هي القضية
ليست لؤة الشريف هي التي تجلس اليوم على مقعد الاتهام بل الحرية نفسها هي التي تُسأل إلى أي مدى يسمح لها أن تعيش بيننا دون وصاية ودون محاكم تفتيش جديدة ترتدي ثياب العصر
قد نختلف مع لؤة الشريف وقد نتفق معها وقد يعجبنا لباسها أو لا يعجبنا لكن منذ متى أصبح الذوق الشخصي مادة للعقاب ومتى تحولت المهنة إلى وصي على تفاصيل الحياة الخاصة للإنسان
المحامي يُحاسب على أمانته ونزاهته واحترامه للقانون وكفاءته في الدفاع عن موكليه أما أن يمتد الجدل إلى ما يرتديه خارج إطار الزي المهني أو إلى اختياراته الشخصية فهنا تبدأ الأسئلة الكبيرة التي يجب ألا يخاف المجتمع من طرحها
أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس اختلاف الناس وإنما أن يظن فريق منهم أنه يمتلك حق توزيع صكوك الفضيلة على الآخرين وأن يجعل من نفسه رقيبًا على الضمائر والأفكار والملابس والوجوه
إن الظلامية لا تبدأ بإغلاق كتاب بل تبدأ بإقناع الناس أن الحرية تهمة وأن الاختلاف جريمة وأن الفرد لا يملك جسده ولا قراره ولا مظهره إلا بإذن الجماعة
ولأن التاريخ لا يكذب فإن كل المجتمعات التي انتصرت للعلم والثقافة والإبداع بدأت من احترام الإنسان بوصفه إنسانًا لا بوصفه نسخة مكررة من الآخرين فالإبداع لا ينمو تحت الخوف والعقول لا تزدهر تحت الوصاية
لسنا في معركة حول فستان أو لون أو هيئة وإنما في معركة حول فكرة أكبر بكثير هل يملك الإنسان حق أن يكون مختلفًا ما دام لم يعتد على أحد ولم يخالف القانون أم أننا نريد مجتمعًا لا يرى في الناس إلا قوالب متشابهة
إن الدفاع عن لؤة الشريف اليوم ليس دفاعًا عن شخص بعينه ولا عن اختيار فردي في الملبس وإنما هو دفاع عن حق كل إنسان في أن يعيش حياته بعيدًا عن محاكم التفتيش الاجتماعية والفكرية
الحرية لا تتجزأ فإذا صمت الناس اليوم لأن الضحية لا تشبههم فسيأتي يوم يصبح فيه كل مختلف متهمًا وكل صاحب رأي مطلوبًا للمساءلة وكل صاحب شخصية مستقلة هدفًا لحملة جديدة
المجتمعات القوية لا تخاف من اختلاف أبنائها بل تخاف من الذين يريدون اختزال الوطن كله في نسخة واحدة وصوت واحد وشكل واحد
يبقى القانون هو الفيصل ويبقى احترام المهنة واجبًا على الجميع لكن الدفاع عن القانون لا يكون بتوسيع دائرة الوصاية على الحريات الشخصية وإنما بتطبيق النصوص بعدالة ومن دون أن تتحول القيم الشخصية إلى أحكام عامة يفرضها البعض على الجميع
ولؤة الشريف ستبقى فردًا في قضية قد تنتهي اليوم أو غدًا أما معركة الحرية فستبقى أطول من أي قضية وأكبر من أي اسم لأنها معركة مجتمع يريد أن يتقدم إلى النور لا أن يعود بخطواته إلى عصور كان الإنسان فيها يُحاكم لأنه اختار أن يكون مختلفًا