مساحة إعلانية
كانت "الضاوية" تؤمن أن الطفل لا يأتي إلى البيت وحده، بل يحمل معه الحياة كلها.
كانت تتخيل ضحكاته في الممرات، وخطواته الصغيرة، وبكاءه الذي كانت تراه أجمل من الموسيقى.
لكن زوجها "العربي" كان يرى الأمر بطريقة مختلفة تمامًا.
كلما فتحت معه حديث الأمومة، أغلقه ببرود: — لسنا بحاجة إلى طفل.
لم يكن يشرح كثيرًا، فقط يرفض.
يرفض بحزمٍ قاسٍ، كأن القرار يخصه وحده.
مرت السنوات، وتحول البيت شيئًا فشيئًا إلى مكانٍ بارد، يخلو من الدفء والمشاعر.
هي تحاول أن تصنع حياة من أبسط التفاصيل، وهو يهدم كل شيء بصمته ونرجسيته.
كانت تخافه أحيانًا…
ليس لأنه يصرخ أو يضرب، بل لأن بروده كان مرعبًا.
ذلك النوع من الرجال الذين يقتلون من حولهم بهدوء.
وحين شعرت أن عمرها يضيع، تمسكت بحقها في الأمومة، وحملت دون علمه.
كانت ترتجف وهي تخبره، لكنها كانت تنتظر، ولو للحظة، أن ترى فرحة الأب في عينيه.
إلا أن "العربي" لم يفعل شيئًا.
نظر إليها طويلًا، ثم غادر الغرفة دون كلمة.
ومنذ ذلك اليوم، صار أكثر صمتًا من أي وقت مضى.
كانت تحدثه عن الطفل، عن اسمه، عن ملابسه الصغيرة، فيشيح بوجهه وكأن الأمر لا يعنيه.
ومع ذلك، كانت تقنع نفسها أن قلبه سيلين عندما يحمل ابنه بين يديه.
وفي ليلة شتوية عاصفة، جاء المخاض.
أوصلها إلى المستشفى بصمت، ثم بقي خارج غرفة العمليات تحت المطر، يدخن بوجه جامد كأن شيئًا لا يحدث.
وبعد ساعات طويلة، خرجت الممرضة تحمل رضيعًا صغيرًا ملفوفًا بغطاء أزرق.
قالت مبتسمة: — مبارك… لقد رزقت بولد جميل.
حمل "العربي" الطفل بين ذراعيه، وحدق فيه طويلًا.
كان صغيرًا جدًا… دافئًا… ضعيفًا.
ابتسم.
لكنها لم تكن ابتسامة أب.
كانت ابتسامة رجلٍ قرر شيئًا مخيفًا.
حين استعادت "الضاوية" وعيها بعد يومين، عادت إلى البيت بقلبٍ مشتعل شوقًا لطفلها.
لكن البيت كان خاليًا.
لا بكاء.
لا مهد.
لا طفل.
سألته بقلق: — وينو عمار؟
أجابها ببرود قاتل: — مات.
انهارت باكية، تصرخ وتتوسل إليه أن يخبرها الحقيقة، لكنه ظل يراقبها بعينين خاليتين من الرحمة.
ومع الأيام، أقنع الجميع بأنها فقدت عقلها بسبب الصدمة، حتى أمها بدأت ترى كلماتها مجرد هذيان أمٍ مكلومة.
لكن "الضاوية" لم تكن مجنونة.
كانت تشعر أن طفلها حي.
وفي إحدى الليالي، بينما كان "العربي" نائمًا، سمعت هاتفه يهتز.
ظهرت رسالة قصيرة على الشاشة:
"لا تقلق… الطفل بخير."
تجمدت أنفاسها.
أعادت قراءة الرسالة مرارًا، ثم انفجرت بالبكاء.
لقد كان حيًا طوال الوقت.
أخفاه والده… فقط لينتقم منها لأنها خالفت رغبته.
في تلك اللحظة، سقط "العربي" من عينيها إلى الأبد.
لم يعد زوجًا… ولا أبًا… بل رجلًا حطم أسرته بيده، فقط لأن نرجسيته لم تحتمل أن تشاركه زوجته قرارًا لا يريده.
وفي الصباح، فعلت "الضاوية" شيئًا لم يتوقعه.
جمعت أغراضها بصمت، وتركت البيت.
لم تصرخ.
لم تنتقم.
لم تبكِ أمامه.
بل ذهبت إلى الشرطة، وقدمت كل الرسائل والمكالمات التي تثبت أن طفلها حي.
وبعد أيام، عُثر على "عمار" عند امرأةٍ عجوز في قرية بعيدة، كان "العربي" قد أخفاه عندها سرًا.
انتشر الخبر بين الناس كالنار.
الرجل الهادئ الوقور… لم يكن سوى أبٍ سرق طفله من أمه، وحطم زوجته بدمٍ بارد.
خسر عمله، وابتعد عنه الجميع، حتى صار يعيش وحيدًا داخل بيتٍ فارغ، لا يسمع فيه سوى صدى صمته القديم.
أما "الضاوية"، فاحتضنت طفلها أخيرًا، وهي تدرك أن أسوأ أنواع الرجال ليس العنيف أو الصاخب…
بل ذلك النرجسي البارد، الذي يقتل الحب والأسرة ببطء، ثم يتظاهر دائمًا بأنه الضحية.