مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قصة قصيرة : سريع الندهة.. بقلم إيمان العطيفي

2026-08-02 01:33 PM  - 
قصة قصيرة : سريع الندهة.. بقلم  إيمان العطيفي
المبدعة إيمان العطيفي

(لما تجري جوا دمي ،لما تبقي كل همي،لما اعيش وياكي حلمي ،تبقى بالنسبالي ايه؟)  فى التسعينات ،كان جهاز "الوكمان" اختراع رهيب ،راديو بحجم كف اليد ، تمتد منه سماعة تدس داخل الأذن ،فتخرجك من عالمك الى عالم تعشقه وحدك .

 القطار يشقُّ الطريق وصوت عجلاته يقرع على القضبان إيقاعاً لا ينتهي، كأنه قلبٌ يعدُّ الأنفاس. 

في مقصورة هادئة جلست وحيدة لا تسمع ولا ترى سوى هاني شاكر ،يسرح بها خيالها الخصب ،تجد نفسها برفقة أمير الغناء العربي ،يراقصها ،يطبق كفه على كفها ،دخل المقصورة  شابٌ في أوائل الثلاثينيات، حقيبة كتبه الثقيلة مستندة على كتفه النحيل ، وعلى وجهه سحابة تعبٍ لا يفهمها أحد. حدثها كثيرا ،لم تسمع شيئا ،مما اجبره للمس كتفها على استحياء ،استيقظت من حلم الأمير ،نظرت إليه بعد سحب السماعة من اذنها ، نظرتها الحانية المفعمة بحزن عميق ،اجبرته على الصمت ،أشار إلى المقعد المجاور لها طالبا إذن الجلوس ،تبسمت وأومأت بالموافقة.

الجمال الحزين يجلس بجانبه  حاملً بين يديه كتابا صغيراً،يلسعه هواء نافذة مفتوحة تسرق من الطريق رائحة التراب.

بدأ الحديث صدفة، كما تبدأ كل الأشياء التي قدّر لها أن تترك أثراً. 

سألها بصوت خفيض:  إلى أين؟ 

فأجابت وعيناها على الأفق: إلى أسيوط، وانت؟

قال: إلى سوهاج، للدراسة.  

ضحكا معاً ضحكة خفيفة، على تشابه الطرق وافتراق المحطات.

تحدثا قليلاً. عن الكتب التي يقرآنها وكأنها أوطان بديلة، عن الغربة التي تشبههما رغم ازدحام الناس، وعن أمل صغير يختبئ في الصدور بأن تكون الحياة أرحم مما تبدو، لم يتبادلا أسماء، ولم يعدا, كان الوقت قصيراً، والقطار أسرع من الرغبة في التعمق، وأصدق من الوعود.

وعند اللافتة التي كتب عليها "سوهاج" نهض الشاب. حمل حقيبته، والتفت إليها بابتسامة واحدة فيها كل ما لم يُقَل:  لقاءً طيباً. 

أومأت برأسها وعيناها تقولان ما عجز عنه اللسان: سلام الرب معاك.

مضى وبعد محطتين نزلت هي أيضاً، وذاب كلٌ منهما في زحام أيامه، كأن شيئاً لم يكن. إلا شيئاً  واحدا بقي معلقاً كصفحة لم تُطوَ في كتاب.

مضت السنون ،تغيرت الوجوه، كبرت الأحلام، وبهت بعض الذكريات تحت غبار الأيام. لكن ذلك الحديث القصير ظل حياً في ركنٍ ما من القلب.

في صباح بارد من شهر  "هاتور"  فوق جبل الرزيقات ،حيث يحتفل الدير بيوم تدشين كنيسة مارى جرجس ،المكان  مزدحماً بالمصلين والزوار،  البخور يصعد ببطء كالدعاء، والتراتيل ترفع الروح إلى السماء.

تقدم الكاهن حاملا الصندوق الخشبي المعبق بأطيب الروائح والبخور بين يديه،يخلفه عدد من الصفوف يرددون الترانيم ،ظهر رجل، قد ارتدى ثوب الرهبنة منذ سنوات، يسير في الدير بخطى من عرف الطريق. وجاءت  امرأة،  نذرت حياتها للخدمة، بعد غربة طالت عادت إلى الدير الذي نشأت قربه. التقت أعينهما عند بوابة الكنيسة. لم يتغير فيهما إلا العمق، توقفا. 

قالت  بصوت خافت يرتجف:

-انت... من القطار؟

قال وابتسامة قديمة تعود:

-والكتاب في يدك لا يزال معك، مالذى جاء بكِ هنا ؟

- سألتني منذ زمن إلى اين ؟ ولم تسأل من أين ؟

- من اين يا سيدة القطار ؟

- أرمنت

- الحيط والا البلد؟

- الحيط، وانت ؟

-  الرزيقات

ضحكا ضحكة قصيرة، مبللة بشيء من الدموع وبكثير من الدهشة، لم يكونا ابدا غرباء, جلسا في حديقة الدير تحت شجرة زيتون عتيقة، ظلها يستر سوءة سنوات  الغياب، لم يسألا عن السنوات الضائعة، فالأسئلة أحياناً تقسو، بدءا بما في القلب مباشرة.

 

- كنت أظن أنكَ نسيت, لكنني كلما ركبت قطاراً تذكرت مقعدك الفارغ بجواري، وتذكرت حديثاً لم يكتمل, كنت أشتاق إلى غريبٍ عرفني في نصف ساعة أكثر مما عرفني كثيرون في سنين.

قال:

-وأنا كنت أراكِ في كل محطة و أتساءل: ترى أين استقرت؟ هل وجدت طريقها؟ كنت أشتاق إلى صوتك الهادئ، وإلى الطمأنينة التي تركتها في المقصورة. وعندما دخلت الدير ظننت أنني أهرب من العالم، فإذا بي أجد فيه وجهاً أعرفه، كأن الرب أبقاه لي.

صمتا قليلاً، ثم تابع: 

-الله لا يضيع لقاءً كُتب له أن يكون, التقينا لنصف ساعة على قضبان، ثم التقينا مرة أخرى على أرض مقدسة, وبينهما عمر كامل من الشوق الصموت.

أجابت وعيناها تلمعان:

-ما أغرب الأقدار, كنا نبحث عن السلام كلٌ في طريقه، فجمعنا السلام هنا.

حين ارتفعت أجراس الدير معلنة قداس ماري جرجس،القديس الذى زادت عذاباته عن سبع سنوات ،حتى تجزأ جسده ،وبورك بهذا الجسد عدد لا يحصى من الأماكن ،فرقتهما الظروف، الاماكن، محطات الزمن ،وجمع بينهما سريع الندهة ,

 نهضا معاً لم تعد هناك حاجة للوعود ولا للعتاب, كان اللقاء الثاني كافياً ليختم الأول، ويباركه.

ومضيا في طريق الخدمة، كلٌ إلى عمله، ولكن هذه المرة وهما يعلمان يقيناً أن بعض الأرواح، حتى وإن افترقت محطاتها، تلتقي دوماً حيث يُذكر اسم الله.

 

مساحة إعلانية