مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قصة قصيرة : رسائل .. بقلم مرفت صابر – نادي أدب نجع حمادي

2026-07-29 11:56 PM  - 
قصة قصيرة : رسائل  .. بقلم  مرفت صابر – نادي أدب نجع حمادي
مرفت صابر

جلستُ أنتظر الجواب القادم، كما أفعل كل يوم، لم تكن حرارة الشمس تعنيني؛ فقد كانت مجرد نقطةٍ في بحر الشوق الذي يغمرني.

كانت تعرف كيف ترسل إليَّ، في رسائلها، كل ما تعجز المسافات عن قوله، كلماتها، رغم الغياب، تهزم صرامة الأوامر، وتتجاوز كل القواعد التي أرادوا أن يحاصرونا بها.

ارتجف قلبي قبل أن تقع عيناي على السطور، كنت أقرأ رحيق كلماتها، لكن شوقي إليها كان أكبر من أن ترويه الرسائل، حديثها اليومي يمدُّ ضلوعي بالحياة، بينما كانت تخفي بين السطور مرارة ما تعانيه، في محاولةٍ لحمايتي من الألم، رغم سعي من حولنا إلى تمزيق روحَينا وإطفاء ذلك النور الذي جمعنا.

مرت الأيام، وتراكمت الرسائل، حتى صار العجز ينهش روحي.

جاء يوم النفي... نُفينا إلى بلادٍ بعيدة، وافترقت بنا الطرق، وسافرت هي بعيدًا عني.

لكن قلبها لم يحتمل الفراق، فعادت... عادت إليَّ، كما يعود الضوء إلى نافذته بعد ليلٍ طويل.

في ذلك اليوم، وقفت إلى جوارها لنروي للعالم حكاية حبٍّ ظنه الجميع مستحيلًا. حبٌّ عاش سنواتٍ طويلة، قاوم الغياب والمؤامرات، ولم يُهزم.

كنت أنظر إليها وهي تتحدث بثقة وهدوء، تبتسم، وتروي الحقيقة، كانوا يسألون، وهي تجيب، وكانوا يوثقون حكايتنا بالأختام، بينما كانت هي توثقها بنظرةٍ من عينيها وابتسامةٍ من قلبها.

كلما اقتربت مني، وعانقتني بعطرها، وارتسمت ابتسامتها على شفتيها، كانت تثبت أن العشق بريء من كل الاتهامات، وأن حبنا أطهر من القيود التي أرادوا أن يكبلونا بها.

كان ذلك آخر أيام الشهادة، لكنها لم تتوقف عن مغازلتي، ولا عن تقبيلي، وكأنها تعلن انتصار الحب على كل ما عداه؛ يومها شعرت أن الشمس تشرق من جديد، وأن الحياة بدأت مرة أخرى.

جلست إلى جواري، وأمسكت يدي، ولم تفارقني عيناها لحظة.

ثم...

فتحتُ عيني.

بحثت عنها.

لم أجد سوى الصمت.

انسابت دمعةٌ على خدي، ومددت يدي إلى الصندوق... أغلقت غطاءه ببطء، وضممت الرسائل إلى صدري، مدركًا أن بعض قصص الحب لا تنتهي، بل تعيش إلى الأبد بين أوراقٍ عتيقة، وعطرٍ لا يغادر الذاكرة.

مساحة إعلانية