مساحة إعلانية
عم الجفاف والجفاء جنبات حياته وهو على مشارف السبعين، غاص في بحر ذكرياته باحثا عن شيء جميل يؤنس وحدته، أدهشه ما مر به في رحلة الغوص من أفراح وأتراح ومشاهد ومواقف وأماكن وأشخاص اندثروا جميعا وغاصوا في بحر الذكريات، لاحت له القيعان، مشاهد من الطفولة غير واضحة المعالم، عاود الطفو قليلا.. لمحها، أدهشه ما رأى، فهي بنفس الثوب البسيط والملامح الساحرة بلا تصنع أو افتعال، مازالت ضفائرها التي اختلط فيها الأسود بالبنى منسابة في تلقائية وبساطة على ظهرها، الابتسامة السحرية التي لا تغادر طلعتها، العيون بنظراتها الحانية التي تصيب كل من تقع علية بالدوار وتصعد به إلى السماء.
هو في الخامسة عشر، على وشك الالتحاق بالصف الأول الثانوي، هي في الثامنة عشر وقد تركت الدراسة منذ عدة سنوات، لا يدري لماذا يبحث عنها دائما، لماذا يتمنى أن يجدها في كل الدروب؟ وما سر هذا الشعور الذي يكتنف خلاياه كلما رآها أو حتى سمع صوتها؟ جدته العجوز -التي جاوزت التسعين- تسير متكئة بيسارها على عصاها العتيقة وتلف يمينها على كتفيه محتضنة عنقه، خطاها ثقيلة متعثرة، تلمحهما نادية فتتجه إليهما في خفة ودلال، تصيبه نظراتها فلا يكاد يرى من الكون سواها، تصافح العجوز وتطيب خاطرها بكلمات رقيقة صادقة، تمضي من حيث أتت، العجوز تحتضن الحفيد بعينيها الملونتين بالزرقة.. تفاجئه: البنت دي بتحبك!
اهتز كيانه، لم يكن يدري أن العجائز يعرفون شيئا اسمه الحب، الآن فقط عرف لشعوره اسما، إنه الحب، كهذا الذي يراه في أفلام سعاد حسنى ونادية لطفي التي يشاهدها في سينما توفيق الصيفي.
عندما حضرت نادية إلى بيتهم ناقلة رسالة من أمها لأمه، طلبت من الأم طلبا تعرف أنها سوف تغيب لدقائق حتى تعده لها، هو أمامها وجها لوجه دون شريك لأول مرة، عقد الصمت لسانه، تصفحت قلبه بعينيها، قالت في دلال: مش اللي بيحب واحد يلاغيه؟ ازداد صمته صمتا.
تزوجها سعيد الأعرج ابن الحاج دسوقي البقال، هذا الأعرج ذو الوجه الكشر ماذا يفعل بها؟!
لم يكن له فيها أملا سوى أن يراها أو حتى يسمع صوتها، وعندما احتجزها الأعرج في بيته ندرت رؤيتها، وغاب صوتها، ولكنها كانت رابضة هناك ... في قلبه وخياله.
عاود الطفو حتى بلغ السطح، ولكنه لم يعد خاليا، شوق شديد لرؤيتها، أكثر من خمسين عاما بين القاع والسطح، وهي مازالت في خياله صبية.
تحايل ليراها ويعرف أخبارها، سافر إلى البلدة التي شهدت الحب والصبا، سيزور شقيقته التي استوطنت البلدة ولم تبرحها، سيستدرجها في الحديث عن الذكريات والجيران حتى يصيب هدفه وكأنه لا يقصد نادية بالذات، وليحاول أن يراها ولو خلسة، تدفق حديث الذكريات وتواردت الأسماء والروايات، قبل أن يدرك غايته قطع حديثهما صوت مكبر الصوت في المسجد: توفيت إلى رحمة الله السيدة نادية أحمد الصياد زوجة الحاج سعيد الأعرج وشقيقة فلان وفلان، انخلع من الوجود، ساد الصمت.. لم يعد يدرك شيئا مما حوله، تدفقت دموعه حتى بللت لحيته، اخته تربت على كتفيه وتواسيه: كلنا يعلم أنك كنت تحبها وهي كانت تحبك، إنها من فجرت فيك الحب.
غفا.. عاود الغطس، وجدها كما هي، طفا على السطح مبتسما وقد لحق بها.