مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قصة قصيرة : الوعدة ...بقلم فتحية دبش - تونس

2026-07-21 03:54 PM  - 
قصة قصيرة : الوعدة ...بقلم  فتحية دبش  - تونس
القاصة فتحية دبش - تونس

 لابد من دم ديك أسود لا أمارة عليه ...

قال ذلك و هو يملي علينا قائمة بالعقاقير التي يتوجب احضارها لنبلغ المراد...

تحسس شاربه و زاغت عيناه في المكان قبل أن تقعا عليَّ...

تراءت لي في عينيه بعض رقرقة و تنازعتني هواجس شتى...

خفضت بصري،بانت قدماه... بشرة رطبة، مثله لا يفلح أرضا و لا تلمس قدماه التراب!

على التابوت غطاء يشبه الأغطية التي في ضريح القرية التي ، صغارا، كنا نتسابق للمس الحرير الذي ينسدل على الضريح . فتثنينا عيون الجدات متوعدات بخروج صاحبه معاقبا..

-" إنكم تدنّسونه!"

تنهرنا  الكبرى..

-" تعالوا نتوضأ ثم نعود، لعله سيرضى بذلك!"

نهرول جماعة إلى خلفية مبنى الضريح و ننتشر على المراحيض ذات الأحواض التركية،  ثم نشطف بقليل الماء المتبقي أيدينا و رؤوسنا و نعود إلى الغطاء الأخضر متمسّحين به...

-"سيعاقبكم أشد العقاب! "

هكذا تنتهي محاولاتنا في كل مرة..

لم أعد لزيارة الضريح منذ غادرنا القرية و لم تدخر أمي جهدا في تذكيري أن نجاحاتي المهنية من فضائله و أن شكواي اليوم لن يحلها إلا تلك (الوعدة) التي بخلت بها بعد تخرجي...

-"لابد من ديك أسود لا أمارة عليه"

هززت رأسي موافقة بدون أن يصدر عني صوت.

و وجدتني مرة أخرى أنظر إلى غطائه الأخضر و إلى طاقيته البيضاء الناصعة و الشموع و البخور و الصرائر العديدة المرمية هنا و هناك...

أمي التي تتملكها الرهبة و الرغبة و يعشش الألم في دواخلها منذ احرزتُ على لقب الأستاذة العانس، سرعان ما كلفت عجائز الحي بالبحث عن الديك الأسود الذي لا أمارة عليه، و استحثتني حالما صاح في بيتنا ذات صباح...

في الطريق سألتها إن كانت حقا تعتقد في كراماته،  لم تجبني، عادت تتمتم كما سالف عهدها... "ما اضرّ بك غير كفرك ... و يا ليت العناء يقتصر عليك وحدك..."

مشينا صامتتين في جنازة بلا ميت، لم ترفع فيَّ عينيها و لم أستمع إلى دعائها متوسلة أن يحظى الديك بالقبول...

 يصيح الديك و كأنه عارف بريشه الذي سيتطاير بعد لحظات تحت سكين صاحب الكرامات و أصحابه.

بابتسامته الهادئة استقبلنا و بدا عليه الرضا، همست أمي إليّ أن أخفض بصري و أن أنحني إجلالا له لعل صاحبته، الجنية اليهودية التي تتملك به تشفق لحالي و تغير من تفاصيلي قليلا...

تقدم مني ببطء، مسح على رأسي، ابتعدتُ قليلا، اقترب و هامسا أمرني أن أهدأ حتى يتم كل شيئ على خير...

وراء الباب توجد الخلوة،اكتشفت أخيرا ما تحت الرداء الحريري الأخضر: كثيرا من دماء الصبايا اللواتي يسوقهن القدر إلى هنا قبل أن يغادرن الدنيا...

مساحة إعلانية