مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

علاء عبدالله يكتب: قراءة في فلسفة الثروة والإنفاق عند علي محمد الشرفاء الحمادي

2026-09-01 01:54 PM  - 
علاء عبدالله يكتب: قراءة في فلسفة الثروة والإنفاق عند علي محمد الشرفاء الحمادي
علي محمد الشرفاء الحمادي
إعلان بنك saib

يفتح مقال مجدي طنطاوي حول رؤية المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي في فلسفة المال والإنفاق بابًا يتجاوز الحسابات الاقتصادية المباشرة، ليضع قضية الثروة في إطار أكثر اتساعًا يرتبط بالإنسان والعدالة والأخلاق، فالسؤال المطروح هنا ليس كم يمتلك الإنسان من مال، وإنما ماذا يفعل بما يملك، وهل تتحول الثروة إلى وسيلة لبناء المجتمع أم إلى أداة للهيمنة وتحقيق المصالح الخاصة.

الفكرة الأساسية التي يقوم عليها الطرح هي أن القرآن لا ينظر إلى المال باعتباره غاية نهائية للإنسان، وإنما وسيلة لتحقيق حياة كريمة وإقامة العدل وتحقيق التكافل، ومن هذا المنظور تصبح المشكلة الحقيقية ليست في وجود الأغنياء أو تراكم الثروات في حد ذاته، وإنما في الطريقة التي يدار بها المال ومدى ارتباطه بمسؤولية صاحبه تجاه المجتمع.

وهنا يبرز مفهوم "الاستخلاف" باعتباره أحد المفاتيح الرئيسية لفهم فلسفة المال في الرؤية التي يعرضها المقال، فالإنسان لا يمتلك المال بصورة مطلقة وإنما يتعامل معه باعتباره أمانة ومسؤولية، وهو ما ينقل العلاقة بالثروة من مفهوم الملكية المجردة إلى مفهوم المسؤولية عن كيفية استخدامها، وهذه الفكرة تضع صاحب المال أمام سؤال مختلف: ليس فقط ماذا أملك، وإنما كيف أدير ما أملك، وما الأثر الذي يتركه هذا المال في حياة الآخرين.

ومن هذه الزاوية، يعيد المقال النظر في مفهوم الإنفاق أيضًا فلا يجعله مجرد مبادرة اختيارية يقوم بها الغني بدافع الشفقة على الفقير، وإنما يربطه بفكرة "الحق" الموجودة في المال، وهذه النقلة الفكرية شديدة الأهمية لأنها تغير طبيعة العلاقة بين الطرفين؛ فالمحتاج لا يصبح متلقيًا لمنحة، والغني لا يصبح صاحب فضل مطلق، وإنما يصبح الإنفاق جزءًا من منظومة اجتماعية تحفظ التوازن وتصون كرامة الإنسان.

وتتضح أهمية هذه الرؤية أكثر عند الانتقال إلى قضية تركز الثروة، التي يقدمها المقال باعتبارها واحدة من أبرز مصادر الاختلال داخل المجتمعات، فالمال عندما يتحرك في دورة اقتصادية واجتماعية واسعة يمكن أن يصبح محركًا للإنتاج والعمل والاستقرار، لكن عندما ينحصر في أيدي فئة محدودة ويتحول إلى وسيلة للنفوذ، فإنه قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين طبقات المجتمع، ويزيد الشعور بالحرمان والظلم.

وهنا تأتي الإشارة إلى قوله تعالى: "كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم" باعتبارها أساسًا لرؤية تمنع احتكار دورة الثروة داخل دائرة ضيقة، فالقضية وفق هذا الطرح، ليست محاربة الغنى، وإنما منع تحول المال إلى قوة منفصلة عن المسؤولية الاجتماعية، أو إلى أداة تمنح أصحابها قدرة غير متوازنة على التأثير في المجتمع.

واللافت كذلك أن المقال يميز بين امتلاك المال وبين الوقوع تحت سلطته. فالثراء في حد ذاته ليس المشكلة، وإنما المشكلة عندما يصبح الإنسان أسيرًا لما يملك، ويقوده الخوف من فقدانه إلى البخل والاحتكار وتعطيل حقوق الآخرين، ولذلك فإن مواجهة "الشح" لا تبدو في المقال قضية مالية فقط، بل قضية تتعلق ببناء الإنسان من الداخل وتحريره من الخوف والأنانية.

ومن هنا يأخذ الإنفاق بعدًا يتجاوز مساعدة المحتاج؛ فهو في التصور المطروح وسيلة لتحرير صاحب المال نفسه من سيطرة المادة. فالإنسان الذي يعطي لا يحقق منفعة للآخر فقط، وإنما يعيد ضبط علاقته بثروته، ويدرك أن المال الذي بين يديه ليس مصدر أمان مطلقًا ولا معيارًا لقيمته الإنسانية.

ويضع المقال هذه الأفكار في مواجهة واقع عالمي شديد التناقض؛ فالبشرية حققت تقدمًا علميًا واقتصاديًا هائلًا، لكنها ما زالت تواجه مشكلات الفقر والجوع والتشرد والحرمان، وهذا التناقض يدفع إلى سؤال جوهري حول معنى التقدم نفسه: هل يكفي أن تتطور وسائل الإنتاج وتتضاعف الثروات، بينما يظل جزء من البشر عاجزًا عن الوصول إلى الحد الأدنى من الحياة الكريمة؟.

وفق الرؤية التي يقدمها المقال، فإن الإجابة ترتبط بوجود البعد الأخلاقي إلى جانب القدرة الاقتصادية. فالموارد وحدها لا تصنع العدالة، والثروة وحدها لا تضمن الاستقرار، والتقدم التكنولوجي لا يستطيع بمفرده معالجة خلل ناتج عن الأنانية وغياب المسؤولية، ولذلك تصبح العدالة الاجتماعية في هذه الرؤية ليست نتيجة تلقائية للنمو الاقتصادي، وإنما اختيارًا أخلاقيًا يحتاج إلى وعي وإرادة.

كما يربط المقال بين مفهوم الإيمان والسلوك الاجتماعي، فالعبادة لا تنفصل عن رعاية الضعفاء وحماية اليتيم وإطعام المحتاج والتعاون على الخير. وهذه الرؤية تجعل الدين حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية وليس محصورًا في الشعائر والممارسات الفردية، لأن صلاح المجتمع يصبح جزءًا من مسؤولية الإنسان تجاه إيمانه.

وفي هذا السياق، تبدو فكرة الإنفاق باعتبارها استثمارًا في المجتمع أكثر من كونها مجرد إخراج للمال من يد صاحبه، فالمال الذي يصل إلى المحتاج قد يتحول إلى غذاء أو علاج أو تعليم أو فرصة عمل، وكل هذه النتائج لا تخدم الفرد وحده، وإنما تساهم في تقليل أسباب اليأس والاحتقان، وتعزيز الشعور بالانتماء والثقة والتكافل.

ومن أهم ما يثيره المقال كذلك إعادة تعريف النجاح، فالثروة لا تصبح المقياس النهائي لقيمة الإنسان ولا يكون معيار النجاح الحقيقي هو حجم ما جمعه الفرد وإنما مقدار ما تركه من أثر نافع، وبهذا المعنى تتحول الثروة من رصيد شخصي إلى مسؤولية اجتماعية، ويتحول النجاح من سؤال "كم أملك؟" إلى سؤال "ماذا صنعت بما أملك؟".

وفي النهاية، يقدم المقال رؤية متكاملة تجعل فلسفة المال جزءًا من فلسفة أوسع للإنسان والحضارة، فالمال في هذه الرؤية ليس عدوًا ولا هدفًا مقدسًا وإنما أداة تتحدد قيمتها بالطريقة التي يستخدمها بها الإنسان، فإذا ارتبطت الثروة بالعدل والرحمة والتكافل أصبحت عنصرًا في البناء، وإذا تحولت إلى احتكار وهيمنة وانفصال عن حقوق الآخرين أصبحت سببًا من أسباب الخلل.

وهنا تكمن الرسالة الأبرز التي يطرحها المقال: أن أزمة المال قد لا تكون دائمًا أزمة نقص في الموارد بقدر ما تكون أزمة في طريقة توزيعها والنظر إليها وإدارتها، فالعدالة لا تبدأ من خزائن الدولة أو الأسواق وحدها وإنما تبدأ من تصور الإنسان لما يملكه، ومن إدراكه أن الثروة مسؤولية قبل أن تكون امتيازًا وأن قوة المجتمع لا تقاس بحجم الأموال الموجودة فيه فقط، وإنما بقدرته على تحويل هذه الأموال إلى حياة أكثر كرامة وعدلًا واستقرارًا للجميع.

مساحة إعلانية