مساحة إعلانية
يطرح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء في مقاله "دليل المؤمن" رؤية تقوم على فكرة جوهرية، مفادها أن الإيمان بالله لا يمكن أن يبقى مجرد اعتقاد أو كلمات تردد، وإنما لا بد أن يظهر أثره في سلوك الإنسان وطريقة تعامله مع الحياة، مستندًا إلى قوله تعالى: "إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله".
ومن هذه النقطة ينطلق المقال ليضع مفهوم محبة الله أمام اختبار عملي، فالمحبة الحقيقية، كما يعرضها الكاتب، لا تقاس بما يقوله الإنسان عن نفسه وإنما بما يترجمه من التزام واستقامة واتباع لهدي الرسول، وبذلك يصبح الإيمان علاقة تقوم على الاعتقاد والعمل معًا وليس مجرد موقف ذهني منفصل عن الواقع.
ويركز الشرفاء على أن الإيمان بالله يعني إدراك عظمته ووحدانيته، والإيمان بقدرته ورحمته ومغفرته ورزقه، لكنه في الوقت نفسه يحمّل الإنسان مسؤولية تجاه ما يؤمن به، إذ إن الاعتقاد يحتاج إلى سلوك يعكسه، والاستقامة تصبح المؤشر الأوضح على صدق هذا الإيمان.
ويستحضر المقال الآية الكريمة "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا" ليؤكد أن الإيمان لا تكتمل دلالته عند حدود القول، فهناك مرحلة أخرى أكثر أهمية تتمثل في الاستقامة، وهي المرحلة التي ينتقل فيها الإنسان من إعلان قناعته إلى ترجمتها في حياته اليومية.
كما يقدم المقال رسالة الرسول باعتبارها دعوة إلى الرحمة والمغفرة والهداية، ويفتح من خلالها الباب أمام الإنسان لاختيار طريق يحقق له الطمأنينة في الدنيا والنجاة في الآخرة، وفي المقابل يحذر من تجاهل هذه الدعوة وما قد يترتب على الإعراض عنها من خسارة، مستشهدًا بالمشاهد القرآنية التي تصف موقف الإنسان يوم الحساب حين لا يعود هناك مجال لتدارك ما فات.
وتبدو الفكرة المحورية في المقال قائمة على مسؤولية الإنسان عن اختياراته؛ فطريق الإيمان والاستقامة يقابله طريق آخر يقوم على الانحراف وراء الشيطان والنفس الأمارة بالسوء، وبين الطريقين يظل الإنسان صاحب قرار، وهو ما يجعل الإيمان في التصور الذي يقدمه الكاتب اختبارًا مستمرًا وليس مجرد انتماء أو شعار.
ويحاول "دليل المؤمن" أن يعيد تعريف العلاقة بين الإيمان والسلوك، مؤكدًا أن الحديث عن محبة الله ينبغي أن يكون مرتبطًا بأفعال الإنسان ومواقفه، وأن اتباع الرسول يمثل، وفق الرؤية المطروحة، الدليل العملي على صدق هذه المحبة.
وفي النهاية، يضع المقال القارئ أمام سؤال أكثر عمقًا من مجرد الاعتراف بالإيمان: ماذا يفعل الإنسان بهذا الإيمان؟ فالقيمة الحقيقية للعقيدة كما يخلص المقال، تظهر عندما تتحول إلى استقامة وسلوك ومسؤولية، وعندما يصبح الإيمان حاضرًا في تفاصيل الحياة لا مجرد كلمات تُقال عند الحديث عن الدين.