مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

الرحمة كطريقة في الوجود .. بقلم زينب طارق - العراق

2026-08-31 12:59 PM  - 
الرحمة كطريقة في الوجود .. بقلم زينب طارق - العراق
القرآن الكريم
إعلان بنك saib

 قراءة فلسفية مقارنة في ضوء الأخلاق المعاصرة والنموذج النبوي
تمهيد: من فضيلة عابرة إلى طريقة في الوجود
تُذكر الرحمة غالبًا بوصفها شعورًا رقيقًا تجاه المتألم، أو سلوكًا كريمًا تجاه الضعيف، أو فضيلةً يستحسنها الناس في أوقات الصفاء. غير أن هذا الفهم، على أهميته، يظل محدودًا؛ لأنه يجعل الرحمة حادثةً نفسية أو مبادرةً اختيارية، لا بنيةً عميقة تحدد طريقة الإنسان في رؤية نفسه والآخر والعالم.
أما النظر إلى الرحمة بوصفها طريقة في الوجود، فيعني أنها ليست مجرد انفعال يطرأ علينا حين نرى ألمًا، ولا مجرد تنازل نقدمه حين نملك القدرة على المنع أو العقاب. إنها نمط من الحضور الإنساني: أن ترى الآخر كائنًا ذا كرامة وهشاشة، وأن تدرك أن ضعفه ليس سببًا لإسقاط قيمته، وأن تحول هذا الإدراك إلى انتباه ومسؤولية وفعل مناسب.
بهذا المعنى، لا تسأل الرحمة فقط: «ماذا أشعر تجاه ألم الآخر؟» بل تسأل: «أي عالم أشارك في بنائه حين أستجيب لهذا الألم أو أتجاهله؟». فاللامبالاة ليست غيابًا للموقف؛ إنها موقف أخلاقي سلبي يسمح للألم بأن يستمر، ويجعل الإنسان يرى معاناة غيره كأنها تقع خارج دائرة الاعتبار.
تنبع أهمية هذا المفهوم من أنه يضع الأخلاق في منطقة تتجاوز التعارض التقليدي بين القانون والعاطفة. فالرحمة تحتاج إلى شعور، لكنها لا تكتفي به؛ وتحتاج إلى عقل، لكنها لا تتحول إلى حساب بارد؛ وتحتاج إلى مبدأ، لكنها لا تنفصل عن خصوصية الشخص والموقف. إنها محاولة للجمع بين رؤية الألم، واحترام الكرامة، وتحمل المسؤولية، واختيار الفعل الملائم.
ما الرحمة؟ وما الذي ليست عليه؟
الرحمة ليست هي الشفقة تمامًا. الشفقة قد تنظر إلى الآخر من أعلى، فتراه موضوعًا للعطف لا شريكًا في الكرامة. أما الرحمة الناضجة فتقترب من الآخر دون أن تسلبه إنسانيته أو استقلاله. وهي ليست هي التعاطف أيضًا؛ فالتعاطف قد يعني فهم مشاعر الآخر أو مشاركته بعض انفعاله، بينما تتطلب الرحمة خطوةً إضافية هي الرغبة في تخفيف المعاناة والاستجابة لها.
وقد تُفهم الرحمة كذلك على أنها تساهل أو تنازل عن الحق، وهذا فهم ناقص. فالرحمة لا تلغي الحدود، ولا تمنع المحاسبة، ولا تجعل الظالم والضحية في مرتبة أخلاقية واحدة. قد تكون الرحمة أحيانًا في العفو، وقد تكون في المنع، وقد تكون في قول الحقيقة، وقد تكون في حماية الضعيف من شخص يطلب أن يُعفى من نتائج أفعاله.
تتضمن الرحمة، فلسفيًا، أربعة عناصر مترابطة. أولها الإدراك: أن نرى الألم بدل أن ننكره أو نختزله. وثانيها الاعتراف: أن نعترف بأن المتألم ليس رقمًا ولا حالةً مجردة، بل شخص له قيمة. وثالثها الاستجابة: أن نبحث عن فعل يخفف الألم أو يمنع امتداده. ورابعها الحكمة: أن نعرف أي استجابة تصلح، لأن النية الحسنة لا تضمن دائمًا نتيجةً حسنة.
فالرحمة ليست مجرد إحساس لطيف، بل علاقة أخلاقية كاملة بين الوعي والانفعال والفعل. إنها تبدأ من رؤية الألم، لكنها لا تنتهي عند التأثر به؛ إذ لا تكتمل إلا حين تتحول المشاعر إلى موقف، والموقف إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى فعل يحفظ للإنسان كرامته.
الرحمة بوصفها طريقة في الوجود
حين نقول إن الرحمة طريقة في الوجود، فنحن نعني أنها تغيّر هيئة حضور الإنسان في العالم. الإنسان الرحيم لا يرى الآخرين بوصفهم أدواتٍ لمشروعاته، ولا عقباتٍ أمام رغباته، ولا أرقامًا داخل نظام. إنه يراهم كذواتٍ لها تجاربها وخوفها وحقها في الاحترام.
الرحمة هنا طريقة في الإدراك قبل أن تكون طريقة في التصرف. إنها تعيد تدريب النظر: بدل أن ترى الفشل دليلًا نهائيًا على انعدام القيمة، تراه واقعةً تحتاج إلى فهم؛ وبدل أن ترى الخطأ هويةً كاملة، تراه فعلًا ينبغي نقده دون اختزال الشخص كله فيه؛ وبدل أن ترى الضعف مبررًا للإقصاء، تراه جزءًا من الشرط الإنساني الذي يمكن أن يصيب أي أحد.
لكن الرحمة لا تعني أن الإنسان يتماهى مع الآخر حتى يفقد حدوده. فالرحمة السليمة لا تقول: «أنت وأنا شيء واحد تمامًا»، بل تقول: «أنت مختلف عني، لكن اختلافك لا يخرجك من دائرة الاعتبار». وهذا التمييز يحمي الرحمة من الذوبان العاطفي، ويحميها أيضًا من تحويل الآخر إلى نسخة من الذات.
إنها طريقة في الوجود لأنها لا تظهر في اللحظات الكبيرة فقط. تظهر في نبرة الكلام، وفي تأجيل الإدانة، وفي الإصغاء، وفي احترام خصوصية الضعيف، وفي الامتناع عن استخدام معرفة ضعف الآخر ضده. وقد تكون الرحمة فعلًا صامتًا لا يعرفه أحد، لأنها لا تبحث بالضرورة عن صورةٍ أخلاقية لصاحبها.
الرحمة والواجب: بين قانون الأخلاق ودفء الإنسانية
تقيم الأخلاق الواجبة قيمة الفعل على احترام المبدأ أو القاعدة الأخلاقية، لا على مقدار المنفعة الناتجة عنه وحدها. ومن هذا المنظور، لا ينبغي أن نعامل الإنسان مجرد وسيلة، بل بوصفه غايةً في ذاته. ويحتل احترام الشخص وكرامته موقعًا مركزيًا في كثير من النظريات الأخلاقية الحديثة.
تلتقي الرحمة مع أخلاق الواجب في رفضها اختزال الإنسان إلى منفعة. فالرحمة ترى المتألم شخصًا لا حالة، وتحميه من أن يصبح مجرد رقم في قرار إداري أو إحصائي. كما أن الرحمة لا ينبغي أن تعتمد فقط على مزاج الفاعل؛ إذ لا يجوز أن نرحم من نحب ونحرم من نختلف معه من الحد الأدنى من الكرامة.
لكن الرحمة تضيف إلى الواجب ما قد ينقصه أحيانًا: الحساسية تجاه خصوصية الموقف. فالقاعدة العامة تقول إن الناس متساوون في الكرامة، أما الرحمة فتسأل: ما الذي يحتاجه هذا الشخص الآن؟ وكيف أطبّق المبدأ دون أن أحوّله إلى إجراء أعمى؟
في المقابل، تحتاج الرحمة إلى الواجب حتى لا تتحول إلى محاباة. فإذا اقتصر الفاعل على من يثيرون عاطفته، فقد يهمل البعيد أو المختلف أو غير المحبوب. لذلك يمكن القول إن الواجب يحمي الرحمة من الانتقائية، بينما تحمي الرحمة الواجب من الجمود.
الرحمة والمنفعة: هل قيمة الرحمة في نتائجها؟
تنظر الأخلاق النفعية إلى القيمة الأخلاقية للفعل من خلال نتائجه، ولا سيما مقدار ما يحققه من رفاه أو يقلله من ألم. ومن هذه الزاوية يمكن الدفاع عن الرحمة لأنها تقلل المعاناة وتزيد من رفاه الأفراد والمجتمعات.
غير أن اختزال الرحمة في نتائجها يظل غير كافٍ. فقد ينتج عن فعل قاسٍ منفعةٌ جماعية، وقد يفشل فعل رحيم في تحقيق نتيجة ظاهرة، مع بقائه مهمًا في حفظ الكرامة والثقة. ولو عُدّت الرحمة مجرد أداة لتحسين الأرقام، لفقدت جانبها الإنساني، ولأصبح الإنسان جديرًا بالاهتمام فقط عندما تكون مساعدته مربحةً أو مؤثرةً حسابيًا.
تضيف الرحمة إلى المنفعة سؤالًا لا تجيب عنه الحسابات وحدها: كيف نعامل الشخص أثناء سعينا إلى النتيجة؟ فقد نحقق منفعةً عامة بطريقة تهين فردًا أو تستعمله وسيلةً. الرحمة لا ترفض النظر إلى النتائج، لكنها ترفض أن تكون النتيجة مبررًا لإلغاء الشخص.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول الرحمة إلى تجاهل للنتائج. قد يكون قصد الفاعل طيبًا، لكن تدخله يزيد الضرر أو يرسخ التبعية أو يمنع الشخص من استعادة استقلاله. لذلك تحتاج الرحمة إلى تقدير العواقب، وإلى سؤال عملي: هل ما أفعله يخفف الألم حقًا، أم يخفف شعوري أنا تجاه ألم الآخر؟
الرحمة وأخلاق الفضيلة: من الفعل الواحد إلى تكوين الشخصية
تركز أخلاق الفضيلة على نوع الإنسان الذي نصبحه، لا على الفعل المنفرد أو النتيجة وحدهما. فالفضيلة ليست قرارًا عابرًا، بل ملكة تتكون بالتدريب والعادة والحكم السليم. وتعد الرحمة، في هذا الإطار، صفةً في الشخصية تجعل الإنسان حساسًا لمعاناة الآخرين ومستعدًا للاستجابة لها.
تلتقي فكرة الرحمة كطريقة في الوجود مع أخلاق الفضيلة أكثر من التقائها بأي تصور يجعل الأخلاق قائمةً على الامتثال الخارجي وحده. فالإنسان الرحيم لا ينتظر دائمًا أمرًا أو عقوبةً أو مكافأة؛ لقد أصبحت الرحمة جزءًا من طريقته في استقبال العالم.
لكن الفضيلة لا تعني الانفعال الدائم. فالإنسان لا يستطيع أن يحمل آلام الجميع بالطريقة نفسها، وقد تتحول الحساسية غير المنضبطة إلى إنهاك أو عجز. لذلك تحتاج الرحمة إلى فضائل مرافقة، مثل الحكمة والشجاعة والعدل وضبط النفس. فالرحمة بلا حكمة قد تضر، وبلا شجاعة قد تبقى شعورًا، وبلا عدل قد تصبح منحازة، وبلا حدود قد تتحول إلى استنزاف.
ومن هنا يمكن فهم الرحمة بوصفها إيقاعًا أخلاقيًا لا لحظةً عابرة: أن يتكرر الانتباه، ويتكرر الإصغاء، وتتكرر الاستجابة، حتى يصبح حضور الإنسان أقل قسوةً وأكثر قدرةً على رعاية الحياة من حوله.
الرحمة وأخلاق الرعاية: مركزية العلاقة والهشاشة
تؤكد أخلاق الرعاية أن الإنسان لا يوجد بوصفه فردًا مستقلًا مكتفيًا بذاته، بل داخل شبكة من العلاقات والاعتماد المتبادل. وهي تنتقد النماذج الأخلاقية التي تتخيل الفاعل عقلًا مجردًا يطبّق قاعدةً على حالات متشابهة، وتلفت الانتباه إلى السياق، والاحتياج، والإنصات، والعمل الفعلي من أجل الآخر.
تقترب الرحمة من أخلاق الرعاية في اهتمامها بالهشاشة والعلاقة. فالرحمة لا تبدأ من سؤال: ما القاعدة التي أطبقها؟ بل قد تبدأ من سؤال: من أمامي؟ ماذا يمر به؟ وما الذي يتطلبه هذا الموقف؟ إنها تعيد الأخلاق من مستوى التجريد إلى مستوى العلاقة الحية.
لكن الرحمة أوسع من الرعاية من جهة، وأقل تحديدًا منها من جهة أخرى. فالرعاية تتضمن غالبًا عملًا مستمرًا ومسؤوليةً عملية تجاه شخص أو جماعة، بينما قد تكون الرحمة استجابةً لموقف ألم عابر أو بعيد. وفي المقابل، قد تمنح الرحمة للرعاية دافعها الأخلاقي، فتمنعها من التحول إلى وظيفة تقنية باردة.
تظهر هنا أهمية التمييز بين الرعاية والعاطفة. قد يرعى الإنسان شخصًا لأنه ملتزم بدوره، حتى في يوم لا يشعر فيه بالتعاطف. وقد يشعر بالرحمة ثم لا يفعل شيئًا. والأخلاق الناضجة تحتاج إلى وصل الشعور بالاستمرارية، وتحويل الانفعال إلى بنية رعاية لا تعتمد على الحماس وحده.
الرحمة والاحترام والاعتراف
الاحترام يعني الاعتراف بالإنسان بوصفه صاحب كرامة وحق في أن يُرى كما هو، لا كما تلائم رغباتنا. وترتبط الفكرة الحديثة عن احترام الأشخاص بالكرامة والمساواة والاستقلال وعدم استخدام الإنسان مجرد وسيلة.
الرحمة والاحترام متداخلان، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالرحمة تستجيب غالبًا للألم والهشاشة، أما الاحترام فيحمي كرامة الشخص حتى عندما لا يكون متألمًا أو محتاجًا إلى المساعدة. لذلك قد نحتاج إلى احترام إنسان قوي ومستقل، بينما نحتاج إلى الرحمة حين يظهر ضعفه أو معاناته.
الرحمة بلا احترام قد تتحول إلى أبوية؛ أي أن يتصرف شخص باسم مصلحة الآخر دون أن يصغي إليه أو يعترف باستقلاله. وقد تقول الرحمة للضعيف: «سأفعل ما أراه مناسبًا لك»، بينما يقول الاحترام: «سأساعدك دون أن ألغي صوتك». لهذا ينبغي أن تكون الرحمة رحمةً مع الآخر لا رحمةً عليه.
أما الاحترام بلا رحمة فقد يتحول إلى علاقة رسمية باردة: نعترف بحقوق الإنسان نظريًا، لكننا لا نرى معاناته بما يكفي كي نستجيب لها. ومن ثم فإن العلاقة الأصح هي أن يمنح الاحترام الرحمة حدودها وكرامتها، وتمنح الرحمة الاحترام حرارةً وحضورًا وفعلًا.
الرحمة والعدالة: هل الرحمة نقيض الإنصاف؟
قد يبدو أن الرحمة تنحاز إلى الفرد والحالة الخاصة، بينما تنحاز العدالة إلى المساواة والقواعد العامة. وإذا بالغنا في الرحمة الفردية، فقد ننتهي إلى محاباة القريب أو المؤثر أو من يشبهنا، وننسى من لا يملك القدرة على استدعاء التعاطف.
لهذا لا يمكن بناء أخلاق عامة على الرحمة وحدها. فالعدالة ضرورية لتوزيع الحقوق والفرص، وحماية الضعفاء من المزاج الشخصي، ومنع أن يصبح العطف امتيازًا تمنحه السلطة لمن تشاء. الرحمة التي لا تحترم العدالة قد تسكن ألم فردٍ وتترك نظامًا كاملًا ينتج الألم لآلاف الآخرين.
لكن العدالة بدورها تحتاج إلى الرحمة حتى لا تختزل الناس في ملفات وقواعد. فالإنصاف لا يعني التطابق الميكانيكي بين الحالات؛ فقد يتطلب العدل أن ننتبه إلى اختلاف الاحتياجات والظروف. والرحمة هنا لا تلغي المبدأ، بل تساعد على تطبيقه بما يحفظ الإنسان الذي وُضع المبدأ من أجله.
يمكن تلخيص العلاقة في العبارة الآتية: العدالة تمنع الرحمة من أن تصبح محاباة، والرحمة تمنع العدالة من أن تصبح قسوةً منظمة.
النموذج النبوي والرحمة بوصفها حياة
في السياق الإسلامي، لا تظهر الرحمة بوصفها عاطفةً هامشية، بل بوصفها مبدأً واسعًا يصف الرسالة ويؤثر في علاقة الإنسان بالناس والعالم. يصف القرآن النبي محمدًا ﷺ بقوله: «وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين» [الأنبياء: 107]. ودلالة الآية، في سياق المقال، أن الرحمة ليست صفةً نفسية خاصة، بل أفقًا رساليًا يتجاوز الفرد إلى العالمين.
وتتجلى قيمة النموذج النبوي في أن الرحمة لم تبقَ مفهومًا تجريديًا. لقد ظهرت في التعامل مع الضعف، وفي رعاية الفقير، وفي احترام الإنسان، وفي ضبط القوة، وفي تحويل القدرة على العقاب إلى فرصة للإصلاح حين يكون الإصلاح ممكنًا. والمهم فلسفيًا ليس تعداد المناقب، بل فهم البنية الأخلاقية التي تجعل الرحمة فعلًا مسؤولًا لا مجرد رقة.
فالرحمة النبوية — كما يقدمها التصور الإسلامي — لا تعني إلغاء الحق أو تسوية الخطأ والصواب، بل تعني أن الإنسان لا يفقد كرامته بسبب ضعفه، وأن العقوبة لا تتحول إلى تشفٍّ، وأن القوة لا تتحول إلى إذلال، وأن الإصلاح يظل مقصدًا حاضرًا في التعامل مع الخطأ.
من هنا يصبح النبي ﷺ نموذجًا حيًّا للرحمة الحَقّة؛ رحمةً لم تبقَ معنىً مجردًا، بل تحولت في سيرته إلى فعلٍ وموقف، وإلى عيشٍ كريم وفق مبادئ إنسانية سامية.
خاتمة: الرحمة ليست ما نشعر به فقط، بل من نصير حين نشعر
تكشف المقارنة مع الأخلاق المعاصرة أن الرحمة لا ينبغي أن تُفهم بديلًا عن الواجب أو المنفعة أو الفضيلة أو الرعاية أو العدالة. إنها تتقاطع معها وتصحح اختلالاتها. فالواجب يمنحها الثبات، والمنفعة تذكّرها بالعواقب، والفضيلة تحولها إلى عادة في الشخصية، والرعاية تمنحها سياقًا وعلاقة، والاحترام يحمي كرامة من تتجه إليه، والعدالة تمنعها من الانتقائية والمحسوبية.
لكن الرحمة تضيف إلى هذه المفاهيم سؤالًا إنسانيًا لا غنى عنه: هل ما زلت أرى الإنسان داخل القاعدة، والرقم داخل الإحصاء، والخصم داخل الخلاف، والمخطئ داخل إمكان الإصلاح؟
الرحمة كطريقة في الوجود تعني أن الإنسان لا يكتفي بأن يعرف الخير، بل يدرّب نظره على رؤية من يحتاج إليه. لا تعد بإلغاء الألم من العالم، ولا تمنح صاحبها حق التدخل في حياة الآخرين بلا حدود؛ لكنها تجعل حضور الإنسان أقل إيذاءً وأكثر انتباهًا، وتحوّل الأخلاق من قانون يطبّق على الناس إلى علاقة تحفظ إنسانيتهم.
ولهذا فإن السؤال الأعمق ليس: «هل أنت رحيم؟» بل: «كيف يتغير العالم الصغير من حولك لأنك رأيت ألمه، واعترفت بكرامته، واخترت ألا تزيده قسوة؟»
إن الرحمة، في أرقى صورها، ليست ضعفًا أمام الألم، ولا هروبًا من العدل، ولا زينةً في الخطاب؛ إنها شجاعة أن تظل إنسانًا حين تمنحك القوة مبررًا للقسوة، وأن ترى في الآخر كرامةً لا تسقط، حتى حين يسقط هو.

مساحة إعلانية