مساحة إعلانية
صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالأمس أنه يرغب في الاستيلاء على نفط إيران، كما استولى عليه في فنزويلا، في حديث اعتبره كثيرون جهرًا بارتكاب ما يشبه السطو على دولة ذات سيادة وسرقة ثرواتها.
كما أن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن عبّر عن معنى قريب عندما برّر غزو العراق بقوله: "لقد قمنا بذلك للحفاظ على النمط الاستهلاكي للمواطن الأمريكي"، في إشارة واضحة إلى أولوية المصالح الاقتصادية، حتى وإن كان الثمن فادحًا على دول أخرى.
يمكن القول إن هناك قرارات نابعة من قناعات شخصية تختلف من رئيس إلى آخر، خاصة بحسب انتمائه الحزبي، وقد بدت هذه الفروقات واضحة خلال فترة حكم ترامب. وفي المقابل، هناك قرارات تخضع للسياسة الأمريكية العامة، وهي التي لا يختلف عليها الرؤساء، لأنها تمثل جوهر الاستراتيجية الأمريكية.
ومنذ بداية انخراط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ارتبطت سياستها بالمصالح الأمنية والاستراتيجية، والهيمنة، وحماية أمن إسرائيل، إضافة إلى المصالح الاقتصادية المرتبطة بالنفط والموارد الطبيعية.
وإذا نظرنا إلى التاريخ، نجد أن الرؤساء الأمريكيين، رغم اختلافهم، اجتمعوا حول أهداف متقاربة، وإن اختلفت الوسائل. فقد أعلن أيزنهاور دعمه لدول الشرق الأوسط لمواجهة الشيوعية، بينما جاءت اتفاقية كامب ديفيد في عهد كارتر لتعزز الاعتراف بإسرائيل وتضمن أمنها. أما عملية "عاصفة الصحراء" في عهد جورج بوش الأب، فهدفت إلى إنهاء غزو العراق للكويت، مع التأكيد على حماية مصادر النفط. كما شهد عهد جورج بوش الابن غزو العراق، في حين دعمت إدارة أوباما ما عُرف بالربيع العربي، وسعت إلى توقيع الاتفاق النووي مع إيران، قبل أن ينسحب منه ترامب لاحقًا، ما أثار انتقادات دولية واسعة.
المقال المعاد صياغته:
مقدمة: تصريح يعيد الجدل
أعاد تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن رغبته في "الاستيلاء على نفط إيران" فتح باب الجدل حول طبيعة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وحدود ما يمكن أن تفعله القوى الكبرى لتحقيق مصالحها. ورغم الجدل الواسع الذي أثاره هذا التصريح، فإنه لا يبدو منفصلًا عن سياق تاريخي طويل من السياسات التي وضعت المصالح الاقتصادية والاستراتيجية في صدارة الأولويات.
ثوابت لا تتغير
عبر العقود، حافظت الولايات المتحدة على مجموعة من الثوابت في تعاملها مع المنطقة، أبرزها ضمان تدفق الطاقة، والحفاظ على التفوق العسكري لإسرائيل، ومنع بروز قوى إقليمية منافسة، إلى جانب حماية مصالحها الاقتصادية.
هذه الثوابت لم تتغير بتغير الإدارات، بل ظلت حاكمة لقرارات الرؤساء، سواء كانوا ديمقراطيين أو جمهوريين.
من بوش إلى ترامب: اختلاف الأسلوب لا الهدف
عندما برر جورج بوش الابن غزو العراق بالحفاظ على "النمط الاستهلاكي للمواطن الأمريكي"، كان يعبر بوضوح عن أولوية المصالح الاقتصادية. واليوم، يأتي تصريح ترامب ليعكس ذات الفكرة ولكن بأسلوب أكثر صراحة وحدّة.
فبينما استخدمت بعض الإدارات خطابًا دبلوماسيًا مغطى بشعارات الديمقراطية، اختار ترامب لغة مباشرة، تكشف جوهر التفكير الاستراتيجي دون مواربة.
النفط في قلب المعادلة
يبقى النفط عنصرًا محوريًا في صياغة السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. فمنذ عقود، ارتبطت التحركات الأمريكية بالحفاظ على استقرار إمدادات الطاقة، ومنع أي طرف من السيطرة على منابعها بشكل يهدد المصالح الغربية.
هذا العامل يفسر الكثير من التدخلات، سواء العسكرية أو السياسية، التي شهدتها المنطقة.
بين الخطاب والممارسة
رغم رفع شعارات الحرية والديمقراطية، فإن الواقع يكشف عن فجوة واضحة بين الخطاب والممارسة. وهو ما أدى إلى تراجع الثقة في السياسات الأمريكية لدى قطاعات واسعة من الرأي العام في المنطقة.
نحو رؤية عربية مستقلة
في ظل هذه المعطيات، تبرز الحاجة إلى بناء موقف عربي موحد، يقوم على التعاون الاقتصادي والدفاعي، وتعزيز القدرات الذاتية. إن إقامة مشروعات صناعية كبرى، وتوطين التكنولوجيا، وتفعيل اتفاقيات دفاع مشترك، قد تمثل خطوات عملية نحو تقليل الاعتماد على الخارج.
خاتمة
تصريحات ترامب، مهما بدت صادمة، ليست سوى انعكاس لنهج طويل في السياسة الأمريكية، يقوم على تغليب المصالح الاستراتيجية. وبينما تستمر هذه السياسة، يبقى التحدي الحقيقي أمام دول المنطقة هو القدرة على بناء قوة ذاتية تحمي مصالحها وتضمن مستقبلها.