مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

حارس الكلمات... بقلم تسنيم الأمير

2026-09-11 10:34 PM  - 
حارس الكلمات... بقلم  تسنيم الأمير
من احتفالية تكريم صلاح الجعفري
إعلان بنك saib

*مهداة للأستاذ صلاح الجعفرى مدير مكتبة رفاعة الطهطاوي

كَانَتْ شَمْسُ الصَّعِيد تُرْسِلُ خُيُوطَهَا الذَّهَبِيَّةَ الدَّافِئَة، لِتُضِيءَ لَافِتَةً عَرِيقَةً تَحْمِلُ اسْمًا يَهْتَزُّ لَهُ التَّارِيخ: «مَكْتَبَة رِفَاعَة رَافِع الطَّهْطَاوِيّ». هُنَاكَ، بَيْنَ تِلْكَ الجُدْرَان المملوءة بِرَائِحَةِ الوَرَق، لَمْ تَكُنِ الكُتُبُ مُجَرَّدَ صَفَحَاتٍ مَرْصُوصَة، بَلْ كَانَتْ كَائِنَاتٍ حَيَّةً تَتَنَفَّس، وَكَانَ يوجد بين أَرْجَائِهَا رَجُلٌ أَحَبَّهُ الصَّغِيرُ قَبْلَ الكَبِير، هُوَ الأُسْتَاذ «صَلاح الجَعْفَرِي». بِالنِّسْبَةِ لَنَا، لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ مُدِيرٍ لِلْمَكْتَبَة، بَلْ كَانَ «خَازِن بَيْتِ الحِكْمَة»؛ هَذَا اللَّقَبُ الَّذِي أَطْلَقْنَاهُ عَلَيْهِ بِحُبٍّ وَفَخْر، لِأَنَّهُ كَانَ يَفْتَحُ لَنَا أَبْوَابَ المَعْرِفَةِ كَـ مَنْ يفتح خَزَائِنَ الجَوَاهِرِ وَالكُنُوز. وَكَمْ تَغْمُرُنِا الفَرْحَة كلما لَمَحْنَا وَجْهَهُ السَّمْح، فَقَدْ كَانَ وُجُودُهُ يَبُثُّ فِي المَكْتَبَةِ رُوحًا مِنَ البَهْجَةِ، وَيُحول جِدِّيَّةَ الرُّفُوفِ إِلَى مَحْفَلٍ مِنَ السُّرُورِ وَالأَمَل. أَنَا تَسْنِيمُ الأَمِير، وَكَمْ يَمْلَأُنِي الفَخْرُ وَالِاعْتِزَازُ اليَوْمَ عِنْدَمَا أَلْتَفِتُ إِلَى الوَرَاءِ، لِأَتَذَكَّرَ أَنَّنِي كُنْتُ مِنْ أَوَائِلِ الأَطْفَالِ الَّذِينَ خَطَتْ أَقْدَامُهُمْ عَتَبَاتِ هَذِهِ المَكْتَبَةِ فِي عَهْدِهِ الذَّهَبِيِّ. أَتَذَكَّرُ خُطْوَتِي الأُولَى، كَيْفَ كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى الرُّفُوفِ العَالِيَةِ برهبة، وَكَيْفَ تَبَدَّدَ ذَلِكَ الخَوْفُ كُلُّه إلى فَرَحًا غَامِرًا بِابْتِسَامَةٍ أبوية مِنَ الأُسْتَاذِ صَلَاح. لَقَدْ كَانَ يَمْلِكُ عَيْنًا ثَاقِبَةً تَلْتَقِطُ شَغَفَ القِرَاءَةِ فِي قُلُوبِ الأَطْفَالِ. لَمْ يَكُنْ يَكْتَفِي بِأَنْ يَعْرِضَ عَلَيْنَا الكُتُب، بَلْ كَانَ يَقْرَأُ فِي عُيُونِنَا مَا نَحْتَاجُهُ مِن مَعْرِفَةٍ وَأَحْلَام. عِنْدَمَا كُنْتُ أَقِفُ حَائِرَةً بَيْنَ العَنَاوِينَ، كُنْتُ أَسْمَعُ صَوْتَهُ الأَبَوِيَّ الحَنُونَ قائلاً: "هَذَا الكِتَابُ يَنْتَظِرُكِ يَا تَسْنِيمُ، اقْرَئِيهِ وَسَيُعَرِّفُكِ عَلَى نَفْسِكِ أَكْثَرَ". كَانَ يَمْلِكُ سِرَّ الخَلْطَةِ السِّحْرِيَّة؛ يَعْرِفُ كَيْفَ يُحَوِّلُ القِرَاءَةَ مِنْ وَاجِبٍ مَدْرَسِيّ إِلَى رِحْلَةٍ مُمْتِعَةٍ فِي بِلَادِ العَجَائِب، فَكُنَّا نَقْصِد المكتبة وَنَحْنُ نَطِيرُ فَرَحًا وَشَوْقًا. لَمْ يَكُنِ الأُسْتَاذُ صَلَاح مُدِيرًا تَقْلِيدِيًّا يَجْلِسُ خَلْفَ مَكْتَبٍ مُغْلَق، بَلْ كَانَ بُسْتَانِيًّا مَاهِرًا يُمَشِّطُ أَرْجَاءَ المَكْتَبَةِ بَحْثًا عَنِ "المَوَاهِبِ الأَدَبِيَّةِ" بَيْنَ الصِّغَارِ. كَانَ يَرْعَانَا كَمَا تَرْعَى الأَرْضُ الطَّيِّبَةُ بُذُورَهَا، يَسْتَمِعُ لِقِصَصِنَا الخَجُولَةِ بِإِصْغَاءٍ تَامٍّ، وَيُقَوِّمُ عِبَارَاتِنَا المُتَلَعْثِمَةَ بِالحُبِّ وَالدَّعْمِ، وَيُصَفِّقُ لَنَا بِحَرَارَةٍ كَأَنَّنَا كِبَارُ الأُدَبَاءِ، فَتَكْبُرُ فِي صُدُورِنَا الثِّقَةُ، وَتَتَّسِعُ الفَرْحَةُ فِي أَرْوَاحِنَا. وَفِي غَمْرَةِ هَذَا الِاهْتِمَامِ البَالِغِ، وُكما ولِدَتْ حِكَايَتِي هنا في نادي الأدب؛ كان هُنَاكَ فِي زَوَايَا مَكْتَبَةِ رِفَاعَةَ حكايةً أخرى، تَحْتَ رِعَايَةِ "خَازِنِ بَيْتِ الحِكْمَةِ" لقد نَضِجَ قَلَمِي وَكَبِرَ شَغَفِي، حَتَّى أَطْلَقَ عَلَيَّ أَسَاتِذَتِي الكِرَامُ فِي نَادِي الأَدَبِ لَقَبًا تَاجِيًّا، مَنَحَنِي إِيَّاهُ الأُسْتَاذُ مَحْمُود الطَّهْطَاوِي رَئِيسُ نَادِي الأَدَبِ؛ تَقْدِيرًا لِحُبِّي العَمِيقِ لِلْقِرَاءَةِ وَالشِّعْرِ وَكِتَابَةِ القِصَّةِ، فَأَصْبَحْتُ «سِنْدِرِيلَا الجَنُوبِ»؛ هَذَا اللَّقَبُ الَّذِي تَوَّجَ عِشْقَ الكُتُبِ فِي قَلْبِي، وَجَعَلَنِي أَعْشَقُ تِلْكَ المَكْتَبَةَ وَتِلْكَ الرُّفُوفَ وَكَأَنَّهَا بَيْتِي الأَوَّلُ وَمَلَاذِي الأَمِينُ. اليَوْمَ، أَكْتُبُ هَذِهِ الكَلِمَاتِ بِمِدَادٍ مِنَ الشُّكْرِ الخَالِصِ وَالِامْتِنَانِ العَمِيقِ لِأُسْتَاذِي الفَاضِلِ صَلَاح الجَعْفَرِيّ. شُكْرًا لِأَنَّكَ لَمْ تَبْنِ رُفُوفًا خَشَبِيَّة بَلْ بَنَيْتَ عُقُولًا بَشَرِيَّة، وَشُكْرًا لِأَنَّكَ جَعَلْتَ مِنْ مَكْتَبَةِ رِفَاعَةَ رَافِعٍ الطَّهْطَاوِيِّ مَنَارَةً تَشُعُّ نُورًا فِي قُلُوبِ أَطْفَالِ الجَنُوبِ، فتحولت طِفْلَةً صَغِيرَةً تَتَرَدَّدُ بخجلٍ عَلَى المَكْتَبَةِ، إِلَى "سِنْدِرِيلَا" تَفْخَرُ بِمُلْهِمِيهَا فِي كُلِّ مَحْفَلٍ أَدَبِيٍّ. سَتَظَلُّ دَائِمًا فِي قُلُوبِنَا وَعُقُولِنَا.. الحَارِسَ الأَمِينَ، وَالأَبَ الحَنُونَ، وَخَازِنَ بَيْتِ الحِكْمَةِ الَّذِي مَلَأَ دُنْيَانَا فَرَحًا وَمَعْرِفَةً. وَالشُّكْرُ مَوْصُولٌ بِكلِ حبٍ، وَبِآيَاتِ الوَفَاءِ، إِلَى جَمِيعِ أَسَاتِذَتِي الأَفَاضِلِ فِي كُلِّ أَنْدِيَةِ الأَدَبِ بِسُوهَاجَ العَرِيقَةِ؛ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يَبْخَلُوا عَلَيْنَا يَوْمًا بِعِلْمِهِمْ، وَوَقَفُوا إِلَى جَانِبِنَا سَنَدًا وَمُرْشِدًا، وَأَخَذُوا بِأَيْدِينَا لِنَعْتَلِيَ مَنَابِرَ الإِبْدَاعِ. أَنْتُمْ النُّجُومُ الَّتِي نَهْتَدِي بِهَا فِي عَتَمَةِ الطَّرِيقِ، وَاليَنَابِيعُ الَّتِي نَرْتَوِي مِنْ فِكْرِهَا. دُمْتُمْ لَنَا مَشَاعِلَ نُورٍ تُضِيءُ الدَّرْبَ، وَحُصُونًا لِلْكَلِمَةِ الصَّادِقَةِ، وَقَامَاتٍ نَفْخَرُ بِهَا جِيلًا بَعْدَ جِيل.

مساحة إعلانية