مساحة إعلانية
القسم الثقافي
مقابلة مع عبد اللطيف مبارك (مصر)
المحرر: أهلاً بك السيد عبد اللطيف مبارك، يسعدنا أن تكون ضيفنا في عدد مارس من مجلة "LITTERATEUR: إعادة تعريف العالم". لقد وُلدت في مدينة السويس عام 1964، وهو عام محوري لمصر وللقناة. كيف أثرت أجواء الأزمات والتوترات المستمرة خلال طفولتك في مصر على مسارك ككاتب؟
عبد اللطيف مبارك: ولادتي في السويس عام 1964 تعني أن أنفاسي الأولى كانت في قلب "جغرافيا قلقة". ورغم أن ذلك العام مثل فترة استقرار نسبي لمصر بعد أزمة 1956، إلا أن هواء السويس ظل مثقلاً برائحة الترقب وصمود البحر. لقد تشكل وعيِي الأول من خلال قصص المقاومة الشعبية، وشاهدت كيف يحفر الصراع ندوبه في نفوس النساء والأطفال.
هذه البيئة علمتني أن الكلمة هي "خط الدفاع الأخير". وبدلاً من الاستسلام لليأس، لجأت إلى القصيدة لبناء وطن من الكلمات لا تصل إليه نيران الحروب. الكتابة بالنسبة لي كانت فعل مقاومة لتأكيد الوجود الإنساني وسط الفوضى، ومحاولة لترميم أرواح أولئك الذين همشهم الصراع.
المحرر: متى بدأت رحلتك ككاتب؟ وهل كانت هناك لحظة حاسمة شعرت فيها أنك ولدت لتكون شاعراً؟
عبد اللطيف مبارك: بدأت علاقتي بالكلمة كنوع من "الدهشة المبكرة". كانت مدينة السويس تملي عليّ قصائدها قبل فترة طويلة من إتقاني حرفة الكتابة. اللحظة الحاسمة التي همست فيها لنفسي "أنا شاعر" كانت عندما اكتشفت أن اللغة هي جسري الوحيد لترميم كسور الواقع وتوثيق صمود الناس من حولي.
بدأت محاولاتي الأولى في شبابي، مسكونة بتفاصيل البحر والسفن العابرة للقناة وصور المقاومة المحفورة في ضميرنا الجمعي. ورغم الأزمات، كانت السويس نافذة ثقافية مفتوحة؛ التهمتُ أعمال العمالقة مثل نجيب محفوظ، والعقاد، وطه حسين، كما قرأت لسادة الأدب العالمي مثل ناظم حكمت وبابلو نيرودا. نُشر أول عمل إبداعي لي في عام 1984 في جريدة "صوت السويس" المحلية، ورؤية اسمي مطبوعاً لأول مرة شعرت وكأنه طقس عبور حقيقي، حيث تحولت أفكاري الخاصة إلى صوت عام.
المحرر: كيف أثرت دراستك للقانون في جامعة عين شمس على انضباطك الأدبي ومنظورك للعدالة في شعرك؟
عبد اللطيف مبارك: دراسة القانون في جامعة عين شمس لم تكن مجرد تحصيل أكاديمي، بل كانت تمريناً على "هيكلة الفكر". القانون يبحث عن العدالة في نصوص جامدة، بينما يبحث الشعر عن العدالة في جوهر الروح البشرية.
القانون منحني "الانضباط"؛ فعلمني أن للكلمة وزناً ومسؤولية، وأن الصياغة الدقيقة يمكن أن تغير مصيراً. أما في شعري، فقد انعكس ذلك من خلال انحيازي الدائم للمهمشين والمظلومين. أنا أكتب لأحاكم القبح في هذا العالم ولأنتصر للجمال والحق. القصيدة بالنسبة لي هي "مرافعة قانونية" بلسان عاطفي، تسعى لتحقيق توازن مفقود في الواقع.
المحرر: لقد كنت عضواً في اتحاد كتاب مصر منذ عام 1991. كيف رأيت تطور المشهد الأدبي المصري على مدار العقود الثلاثة الماضية؟
عبد اللطيف مبارك: المشهد الأدبي المصري هو "نهر دائم التجدد". منذ انضمامي للاتحاد في التسعينيات، شهدت تحولات كبرى؛ من هيمنة الجيل الستيني والسبعيني إلى انفجار الأصوات الشابة مع ظهور النشر الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي.
أهم ما رصدته هو "التحرر من القوالب الجامدة". القصيدة المصرية اليوم أكثر انفتاحاً على التجريب، وتتداخل فيها الفنون من سينما وتشكيل. ورغم التحديات الاقتصادية، يظل الكاتب المصري حارساً للذاكرة الوطنية ومستشرفاً للمستقبل. التطور الحقيقي هو انتقال الأدب من "النخبوية" إلى "الفضاء المفتوح"، مما خلق حواراً أوسع بين الكاتب والقارئ.
المحرر: ما هي الرسالة التي تأمل أن تتركها من خلال قصائدك للأجيال القادمة من الشعراء؟
عبد اللطيف مبارك: رسالتي بسيطة: "كن صادقاً مع جرحك، وكن مخلصاً لجمالك". أريد للأجيال القادمة أن تدرك أن الشاعر ليس مجرد صانع قوافٍ، بل هو "ضمير حاسم". أتمنى أن يجدوا في قصائدي دعوة للتمسك بالإنسانية في وجه الآلة، وأن يؤمنوا بأن الكلمة الصادقة لا تموت، بل تسكن في وعي الزمن لتزهر حين يحين وقتها. الكتابة هي الأثر الوحيد الذي لا تمحوه رياح التغيير.
المحرر: بصفتك شاعراً غنائياً أيضاً، كيف توازن بين عمق القصيدة الفصحى وبساطة وجاذبية الأغنية؟
عبد اللطيف مبارك: التوازن يكمن في "الصدق". القصيدة الفصحى هي محرابي الخاص، حيث أغوص في الفلسفة والتأمل واللغة الجزلة. أما الأغنية فهي الجسر الذي أعبر من خلاله إلى قلوب الناس العاديين في الشارع. في الأغنية، أبحث عن "السهل الممتنع"؛ أي الكلمة التي يفهمها الجميع لكنها تحمل في طياتها دهشة الشعر. الأغنية بالنسبة لي هي "شعر مُجنّح" يصل إلى المتلقي دون حواجز، بينما تظل قصيدة الفصحى هي الجذور التي تغذي هذا الإبداع.
المحرر: كيف ترى دور التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي في تغيير علاقة القارئ بالشعر اليوم؟
عبد اللطيف مبارك: التكنولوجيا سلاح ذو حدين. لقد كسرت احتكار النشر الورقي وجعلت القصيدة تسافر عبر القارات في ثوانٍ، وهذا أمر عظيم للانتشار. لكنها في المقابل، خلقت نوعاً من "الاستسهال" و"السرعة" على حساب الجودة. أصبح القارئ يميل للنصوص القصيرة والومضات السريعة. التحدي أمام الشاعر اليوم هو كيف يحافظ على عمق تجربته في عصر "التريند"، وكيف يطوع الأدوات الرقمية لخدمة الفن الحقيقي لا لخدمة الاستعراض الزائف.
المحرر: أخيراً، ما هي مشاريعك الأدبية القادمة التي يمكن أن ينتظرها القراء؟
عبد اللطيف مبارك: أعمل حالياً على ديوان شعري جديد يستكمل تجربتي في رصد التحولات الإنسانية الكبرى التي نعيشها. كما أنني أعكف على تجميع بعض دراساتي النقدية حول "شعر المقاومة" في الوطن العربي. طموحي دائماً هو أن أقدم نصاً يضيف شيئاً جديداً لمدونة الشعر العربي، ويلامس جراح الإنسان وأحلامه في كل مكان.
كلمة ختامية من المحرر:
"شكراً لك السيد عبد اللطيف مبارك. لقد كانت رحلة ملهمة عبر كلماتك التي تجسد صمود السويس وعمق الثقافة المصرية. قصيدتك تظل شاهداً على أن الفن هو الأبقى."
