مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

الشاعر والباحث درويش الأسيوطي يكتب:(من تلك الأيام ) "عزت الطيري"

2024-07-11 14:37:13 - 
الشاعر والباحث درويش الأسيوطي يكتب:(من تلك الأيام )  "عزت الطيري"
الشاعر والباحث درويش الأسيوطي

من أدب السيرة الذاتية 
 الشاعر (عزت الطيري) علامة من العلامات البارزة في حياتنا الثقافية، في العقدين الأخيرين من القرن العشرين وحتى الآن، متعه الله بالعافية ومتعنا به. وهو رغم انتشاره على الساحة المصرية والعربية إلا أنه يحس أنه من مظلومي الحياة الثقافية. فكثيرا ما تتخطاه الجوائز الرسمية إلى غيره ومن هم أقل منه قيمة إبداعية ، من وجهة نظره على الأقل ،وهو يجأر بالشكوى العلنية، ويعمد إلى نشر آراء المنصفين في أعماله تدليلا على استحقاقه. وهو لم يقتنع بعد؛ أن الجوائز لا تصنع شاعرا ولا قيمة لمبدع  ولا تخلده،  وإنما يخلد المبدع ما قدمه لناسه ووطنه.   
      يقفز إلى ذهني كلما جاء ذكر الشاعر عزت الطيري تعبير الشاعر عبد الستار سليم مستعيرا لغة الشاعر نزار قباني (عزت الطيري .. لو لم نجده عليها لاخترعناه ... ). فقد كان وما يزال عزت الطيري نسمة لطيفة تروح عنا في صهد الجهامة التي نتعامل بها، وتتعامل بها معنا حياتنا الثقافية العبثية ... 
 لا استطيع استدعاء صورة عزت الطيري إلى ذهني إلا ضاحكا أو مبتسما على الأقل، فهو لا يكف عن إثارة البهجة في أي تجمع يحل به. يروي النكتة بحرفية المضحكين العظام، وربما ألفها أيضا، وما رواه عن محمود ابن عمه المخترع طبعا ككثير من الاشياء التي يخترعها عزت الطيري، ونصدقها أحيانا، يدل على أن الرجل يمتلك من القدرة على السرد الكوميدي ما لا يمتلكه كثير من كتاب الكوميديا العربية . وما استقر لدي أنه ورث هذا الحس المبهج عن أبيه الشيخ عبد الحافظ الطيري رحمه الله. فقد حكى لي عزت الطيري أنه حين تخرج من الجامعة وعين مدرسا بمدرسة الزراعة بنجع حمادي، اشترى دراجة بخارية ليذهب بها من قريتهن (نجع قطية) إلى عمله في نجع حمادي. وكان والده الشيخ الناظر عبد الحافظ الطيري  ما يزال يذهب إلى عمله راكبا حماره. وحينما ناقش الناس الشيخ في المفارقة كيف أنه يذهب إلى عمله وهو ناظر المدرسة على حمار.. ويركب ولده المدرس ( موتسيكل) ..!!  قال لهم ببساطة : ولدي أبوه ناظر ... أنا أبوي ناظر ؟!! .
     وقد نصحته أن يكتب المسرح الفكاهي ( الكوميدي)،  وكنت أظنه حين فعل سيتحفنا بواحدة من النصوص الكوميدية التي تمتعنا، لكنه حين كتب المسرح سألني عن المصادر التي يمكن أن يجد فيها تيمة سيتناولها في عمل مسرحي ، فأشرت عليه بكتاب ( التيجان في ملوك حمير). ولم يتردد كتب نصا مسرحيا مستعينا بما ورد في الكتاب؛ كتب المسرح التاريخي الشعري الجاد ولم يستفد بما فطره الله عليه من صياغة البهجة ، وجاء النص الذي حصل به على جائزة الدولة التشجيعية في الآداب، رغم أن كل دواوينه تستحق الجائزة أكثرمن النص الشعري اليتيم.
 . ولا أدري هل ذاكرة عزت الطيري ليست على ما يرام ، أم أنه يتناسى أنه استمع منك إلى النكته ، فيعيد تشكيلها بطريقته يلقيها عليك ببراءة ؛ فيميتك من الضحك كما يقولون. وتظن أن الرجل نسي أنك من قلتها له. وهذا حدث معي أكثر من مرة . 
 عزت الطيري (يحب الطراوة) بالتعبير الشعبي، أي أنه يميل إلى الاحتكاك بالجنس اللطيف بأي شكل وبأي وسيلة. ربما لأنه أمضى جزءا من طفولته يعامل كأنثى خوفا من أن  يميته الحسد، كمن سبقه من أطفال أمه. ولكن علاقاته مع النساء علاقة شفاهية. فهو لا يطور علاقاته بالأخريات أكثر من المراسلات التي يستخدم فيها خطه الجميل، والأوراق الملونة، وربما المعطرة، وربما استجمع شجاعته فعلق بعض التعليقات التي يراها البعض خارجه، لكنه لا يستخدمها لأنها جزء من ثقافته، بل هو يستخدمها لمجرد لفت الانتباه.  وأذكر أنه قرأ  لشاعرة من أسيوط ظهرت بالنادي بعد أن غادره إلى نجع حمادي، فراح يلاحقها بخطاباته المنمقة، وبأوراقه الملونة، وبعطوره الفواحة، حتى ملت الفتاة الشاعرة الجادة. وجاءت إلى تشكو إلى عمها درويش  ما يفعله صديقه عزت الطيري .. فقلت لها لا تقلقي، هوه عزت كدا .. ( زي البرص .. يبخ وما يموتش ) ، وحينما زارنا ورأى الشاعرة - التي لم تكن كما تخيلها – تعامل معها كأنه لا يعرفها ، وكف عن مراسلتها. ولم أفاتحه في الآمر حتى الآن . 
 عزت الطيري نبتة شعرية متميزة في حقل الشعر العربي، ذات مذاق خاص، يمتلك معجما رقيقا، وحسه الفكه الفطري؛ يمكنه من صياغة بعض أعماله الشعرية التي تتناول المواقف البسيطة الطريفة بشكل لافت، وله جمهوره العريض الذي يحرص على حضور ندواته. وهو رغم حسه الوطني لا يحب أن يخوض في القضايا الوطنية والسياسية إلا مجاملة لبعض من يتحكمون في الدعوات إلى المهرجانات العربية التي يسعى لحضورها، وهو لا يحب أن يأخذ تلك المواقف الحدية القاطعة التي قد تحسب عليه.  وقليل من قصائده ما يشير إلى موقف سياسي أو اجتماعي. بل هو لا يأخذ موقفا قاطعا من أي حدث أو خلاف في الحياة العامة وربما الخاصة أيضا . وليس من السهل عليه أن يخاصم أحدا مهما تجاوز في حقه، قد يغضب ـ ويشكو لطوب الأرض ، لكنه لا يقاطع الشخص كما نفعل نحن . 
   ما يزال عزت الطيري يفرح كطفل حين يرى عملا له منشورا ولو في مجلة لا يقرأها كثيرون. وشعر عزت الطيري سهل القراءة والاستيعاب، فهو غير معقد التركيب، لذلك يغري المبتدئين ومحبي الظهور إدعاء قصائده  وكثيرا ما يحدث . ويحرص عزت الطيري على حضور الندوات ويكلف نفسه ما لا يطيق في سبيل الحضور الجماهيري ، لكنه تقليدا لبعض شعراء  القاهرة ، فهو متى ألقى قصيدته انصرف عن المهرجان، لملاحقة فتاة، أو الجلوس على مقهى قريب ليدخن الشيشة ويتابع العابرات، فهو لا يستمع إلى من استمعوا إليه من الشعراء عادة وهذا يحنقهم.

مساحة إعلانية