مساحة إعلانية
" الشيخ محمد " من أبناء قرية شطورة بسوهاج ، مساعد شرطة بالمعاش ، كان قبل نحو ستين عاما يعمل بمركز شرطة أبو تيج بمحافظة أسيوط ، كان الرجل قرويا ،بسيطا ، متصوفا ، زاهدا ، معروفا بين زملائه ورؤسائه بالعفة والترفع والقناعة ، فلم ينجح أحد طوال خدمته في " تحيته" ولو بسيجارة أو ثمن كوب شاي ، وكان من لوازمه مداومة ذكر الله بمسبحة لا تفارق يده ، وحدث ذات يوم أن جاء إلى المركز مأمور جديد صارم الملامح ، وفيما كان المأمور يتفقد مواقع العمل بالمركز وحوله الضباط ، رأى عم محمد واقفا في خدمته أمام غرفة السلاح ، وبيده المسبحة ، فشخط فيه بصوت غليظ : " أنت يا راجل أنت ارمي السبحة دي من ايدك ، ما عندناش دراويش في البوليس" ، كان يتوقع من هذا " الصول" أن تنتفض عروقه، وترتعش يداه ، وتصطك أسنانه ، وتختلف ركبتاه ، وتصطفق ضلوعه، ويتلعثم لسانه ، وتختلج عيناه ، وينحني ذليلا ، ويقذف بالمسبحة أدنى الأرض ، ويرزع حاجبه بجنب كفه علامة الامتثال وال" تمام يأفندم !!" ، لكنه فوجئ بالرجل ذي الخمسين عاما يقول له بصوت هادئ واضح النبرات لكنه ثابت : " سيادتك اطلع مكتبك وسأكون خلفك باستقالتي بعد دقيقتين لا أكثر " !! انفعل المأمور وانصرف مغضبا إذْ لم يعهد في خدمته السابقة أن يصطدم بردود من هذا النوع . وفي مكتبه أحاط به كل ضباطه يقولون بلغة واحدة إنهم يشهدون لهذا العجوز بما لم يروا طوال خدمتهم من زهد وتعفف وأمانة وقناعة ، وأنهم لا ينادونه إلا ب" الشيخ محمد" ، ورووا للمأمور الجديد أن سابقيهم من زملائهم تعودوا هذا الوضع . بعد ما هدأ المأمور أرسل للشيخ محمد ، فدخل الرجل مرفوع الرأس وبيده اليسرى استقالته ، وأدى التحية للمأمور بيده اليمنى ، وفوجئ بالمأمور يقف له ليرد تحيته قائلا : " أنا باعتذر لك يا عم محمد " ثلاث مرات !!
وعاد الرجل محفوظ الكرامة .. وظل يعيش في مدينة أبو تيج التي أحبها وأحبه أهلها الكرام ، حتى توفاه الله وأظنه دُفن بها . ومازال كبار السن الذين عاصروه يروون عشرات الوقائع المماثلة عن مواقف هذا الرجل الفقير البسيط العفيف الذي بادلهم حبا بحب ، ولم يعد لقريته الأم منذ سبعين عاما . ورحل المأمور ورحل معه اسمه فلم يعد يذكره أحد !!