مساحة إعلانية
أكدت محكمة النقض مبدأً قانونيًا بالغ الأهمية في جرائم أمن الدولة من الداخل، مؤداه أن الإدانة الجنائية لا يجوز أن تقوم على مجرد وصف سياسي أو فكري للمتهم، وإنما يجب أن تستند إلى استظهار واضح ومحدد لأركان الجريمة وعناصرها القانونية.
وأوضحت المحكمة أن مجرد نسبة اتجاه أو فكر معين إلى المتهم، أو إطلاق وصف سياسي عليه، لا يغني عن إثبات الفعل الذي جرّمه القانون، ولا يعفي محكمة الموضوع من بيان الأدلة التي تكشف عن توافر هذا الفعل وأركانه.
وفي الجرائم التي تقوم على الانضمام إلى جمعية أو تنظيم يستهدف قلب النظم الأساسية الاجتماعية أو الاقتصادية للدولة، أو الترويج لمذهب يستهدف تحقيق ذلك، لا يكفي أن يسرد الحكم ما تضمنته بعض الكتب أو المنشورات من أفكار وأهداف، بل يتعين عليه أن يوضح مدى انطباقها على الأغراض التي جرمها القانون.
كما يجب أن يستظهر الحكم، من واقع الأوراق والمطبوعات المضبوطة وأقوال الشهود وسائر ظروف الدعوى، أن استخدام القوة أو الإرهاب أو أية وسيلة غير مشروعة كان مقصودًا أو ملحوظًا لتحقيق تلك الأهداف، متى كان ذلك من عناصر الجريمة التي يتطلبها القانون.
الوصف السياسي ليس دليل إدانة
ومن المبادئ المهمة التي أرستها محكمة النقض أن مجرد إطلاق وصف («الشيوعية» او السلفية او الجماعة الإخوانية ) على المتهم لا يكفي وحده لإقامة الإدانة؛ فالاصطلاح السياسي لا يحل محل الدليل، والوصف لا يغني عن استظهار العناصر المادية والقانونية للجريمة.
فالأحكام الجنائية مطالبة بأن تبني قضاءها على وقائع محددة وأدلة سائغة تكشف عن توافر الجريمة بأركانها، لا على الانطباعات أو الأوصاف المجردة.
ومن ثم، فإن إغفال الحكم بيان أن القوة أو الإرهاب أو الوسائل غير المشروعة كانت ملحوظة في سبيل تحقيق الأهداف المنسوبة إلى التنظيم، متى كان ذلك لازمًا قانونًا لقيام الجريمة، يُعد قصورًا في التسبيب يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
تغير نظام الحكم لا يمحو الجريمة بذاته
وفي سياق تاريخي وتشريعي آخر، قررت محكمة النقض أن انتقال الدولة من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري، أو تغير الدستور، لا يؤدي بذاته إلى سقوط المسؤولية الجنائية عن فعل ارتُكب في ظل النظام السابق، متى ظل الفعل ذاته مؤثمًا ومعاقبًا عليه بموجب القانون اللاحق.
ويكشف ذلك عن قاعدة جوهرية في القانون الجنائي، وهي أن العبرة باستمرار التجريم والعقاب على الفعل ذاته، وليس بمجرد تغير شكل نظام الحكم أو الإطار الدستوري للدولة.
.وتؤكد هذه المبادئ أن خطورة الاتهام لا تعني التخفف من قواعد الإثبات والتسبيب؛ فكلما كان الاتهام متصلًا بأمن الدولة، ازدادت الحاجة إلى تحديد الفعل المؤثم وأركانه وأدلة ثبوته، بعيدًا عن الأوصاف السياسية أو الفكرية المجردة.
فالاسم لا يصنع جريمة، والاتجاه السياسي لا يقوم مقام الدليل، وإنما الإدانة لا تستقيم إلا باكتمال أركان الجريمة التي حددها القانون وثبوتها بأدلة معتبرة.