مساحة إعلانية
يتناول البحث في آخر ما نزل من القرآن ثلاثة جوانب
أولها : آخر آية نزلت من القرآن
ثانيها : آخر آية أو آيات نزلت في موضوع خاص
وثالثها : آخر سورة نزلت .
وقد أدى اللبس في تداخل هذه الجوانب الثلاثة إلى اختلاف تفسير المرويات في تحديد آخر ما نزل . فجميع تلك المرويات نقلت إلينا عن الصحابة وليس من بينها حديث واحد مرفوع إلى حضرة النبي صلى الله عليه وسلم .
وأقوال العلماء في تحديد آخر ما نزل من القرآن هي :
القول الأول :
أن آخر ما نزل هو قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً [المائدة/3].
وهذا القول - على ضعف فيه سنشرحه قريباً - هو المشهور المتداول بين الناس ، لما تشيعه هذه الآية الكريمة من إحساس بتمام النعمة واكتمال الدين . فكأنها إيذان بنهاية الوحي . وقد ساعد على انتشار هذا التداول بين الناس ما ارتبط بهذه الآية من رواية صحيحة دلت على نزولها يوم حجة الوداع ، فقد روى البخاري بسنده عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَتِ الْيَهُودُ لِعُمَرَ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ آيَةً لَوْ نَزَلَتْ فِينَا لَاتَّخَذْنَاهَا عِيدًا فَقَالَ عُمَرُ إِنِّي لَأَعْلَمُ حَيْثُ أُنْزِلَتْ وَأَيْنَ أُنْزِلَتْ وَأَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أُنْزِلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ وَإِنَّا وَاللَّهِ بِعَرَفَةَ قَالَ سُفْيَانُ وَأَشُكُّ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَمْ لا الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ .
ويستدل أصحاب هذا القول بما ذكره ابن كثير في تفسيره عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله“ اليوم أكملت لكم دينكم وهو الإسلام, أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان, فلا يحتاجون إلى زيادة أبداً, وقد أتمه الله فلا ينقصه أبداً, وقد رضيه الله فلا يسخطه أبداً. وقال أسباط عن السدي: نزلت هذه الآية يوم عرفة, ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام, ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات .وقال ابن جرير : مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يوم عرفة بأحد وثمانين يوماً. وقال أيضاً عن هارون بن عنترة, عن أبيه, قال: لما نزلت اليوم أكملت لكم دينكم وذلك يوم الحج الأكبر, بكى عمر, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «ما يبكيك ؟» قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا, فأما إذا أكمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص, فقال «صدقت» ويشهد لهذا المعنى الحديث الثابت «إن الإسلام بدأ غريباً, وسيعود غريباً, فطوبى للغرباء».
وقد فنّد العلماء هذا الدليل بطريقين :
الأول : نفي العلاقة بين إكمال الدين ونزول القرآن ، بمعنى أن المراد بإكمال الدين وإتمام النعمة ، هو إشعار المسلمين في هذا اليوم الذي حجّ فيه الرسول صلى الله عليه وسلم بالمسلمين حجة الوداع وأظهرهم الله بذلك على مناوئيهم وأعدائهم من للمشركين ، بأن دينهم قد اكتمل . ولا يعني هذا توقف الوحي وإنزال القرآن .
القول الثاني :
ذهب بعض العلماء إلى أن آخر ما نزل من القرآن هو قوله تعالى
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِن امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لّمْ يَكُنْ لّهَآ وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثّلُثَانِ مِمّا تَرَكَ وَإِن كَانُوَاْ إِخْوَةً رّجَالاً وَنِسَآءً فَلِلذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الاُنثَيَيْنِ يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلّواْ وَاللّهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النساء/176].
وهي خاتمة سورة النساء ، وأن آخر سورة نزلت ( براءة ) وقد استدل أصحاب هذا القول بما رواه البخاري ومسلم عَنِ الْبَرَاءِ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَامِلَةً بَرَاءَةٌ وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ خَاتِمَةُ سُورَةِ النِّسَاءِ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ .
وقد رفض العلماء هذا القول وبرروا هذا الرفض بما يوضحه قول الزرقاني في مناهل العرفان ( 1/92 ) :
“ ويمكن نقض هذا الاستدلال بحمل الخبر المذكور على أن الآية آخر ما نزلت في المواريث ، وأن السورة آخر ما نزل بشأن تشريع القتال والجهاد فكلاهما آخر إضافي لا حقيقي”.
القول الثالث :
ذهب بعض العلماء إلى أن آخر آية نزلت هي قوله تعالى فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبّهُمْ أَنّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ فَالّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لاُكَفّرَنّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ وَلاُدْخِلَنّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَاباً مّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثّوَابِ [آل عمران/195].
ودليلهم ما أخرجه ابن مردويه من طريق مجاهد عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: “ آخر آية نزلت هي الآية فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبّهُمْ أَنّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ فَالّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لاُكَفّرَنّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ وَلاُدْخِلَنّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَاباً مّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثّوَابِ وذلك أنها قالت يا رسول الله : أرى الله يذكر الرجال ولا يذكر النساء فنزلت
وَلاَ تَتَمَنّوْاْ مَا فَضّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىَ بَعْضٍ لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنّسَآءِ نَصِيبٌ مّمّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنّ اللّهَ كَانَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً [النساء/32].ونزل إِنّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقَاتِ وَالصّابِرِينَ وَالصّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدّقِينَ وَالْمُتَصَدّقَاتِ والصّائِمِينَ والصّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِـظَاتِ وَالذّاكِـرِينَ اللّهَ كَثِيراً وَالذّاكِرَاتِ أَعَدّ اللّهُ لَهُم مّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [الأحزاب/35].ونزلت هذه الآية فهي آخر الثلاث نزولاً وآخر ما نزل بعد ما كان ينزل في الرجال خاصة ”.
وقد رد العلماء على هذا الدليل بأن الآية المستدل بها هي آخر الآيات الثلاث نزولاً وليست بآخر آية في القرآن على الإطلاق .
القول الرابع :
أن آخر ما نزل من القرآن قوله تعالى لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ فَإِن تَوَلّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لآ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكّلْتُ وَهُوَ رَبّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة/128-129].
ودليل هذا القول ما رواه الحاكم في المستدرك عن أَبيّ بن كعب قال : آخر آية نزلت لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ إلى آخر السورة .
وروى عبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن مردويه عن أبيّ أنهم جمعوا القرآن في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وكان رجال يكتبون ، فلما انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة : وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مّنْ أَحَدٍ ثُمّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لاّ يَفْقَهُون [التوبة/127].ظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن فقال لهم أبيّ بن كعب : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأني بعدها آيتين : لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ إلى قوله رَبّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، وقال : هذا آخر ما نزل من القرآن .
وقد رد العلماء على هذا الدليل بأن هذه الآية هي آخر ما نزل من سورة براءة وليست آخر ما نزل من القرآن .
القول الخامس :
أن آخر ما نزل من القرآن هو قوله تعالى قُلْ إِنّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَىَ إِلَيّ أَنّمَآ إِلَـَهُكُمْ إِلَـَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا [الكهف/110].
واستدل القائلون بهذا بما رواه بن جرير الطبري في تفسيره عن ابن عباس قال : حدثنا عمرو بن قـيس الكندي, أنه سمع معاوية بن أبـي سفـيان تلا هذه الاَية: فَمَنْ كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبهِ فَلْـيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِـحا وَلا يُشْرِكْ بِعِبـادَةِ رَبّهِ أحَدا وقال: إنها آخر آية أنزلت من القرآن.
القول السادس :
أن آخر ما نزل من القرآن الكريم هو قوله تعالى إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللّهِ أَفْوَاجاً فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنّهُ كَانَ تَوّابَا [النصر/1-3].
ودليل هذا القول ما رواه الإمام مسلم رضي الله عنه عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ تَعْلَمُ وَقَالَ هَارُونُ تَدْرِي آخِرَ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ نَزَلَتْ جَمِيعًا قُلْتُ نَعَمْ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قَالَ صَدَقْتَ .
وقد ورد في شأن هذه الآية أحاديث دلت على أنه بمثابة نعي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد روى الإمام البخاري بسنده عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ لِمَ تُدْخِلُ هَذَا مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ فَقَالَ عُمَرُ إِنَّهُ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ فَدَعَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ فَمَا رُئِيتُ أَنَّهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ قَالَ مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا فَقَالَ لِي أَكَذَاكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ لا قَالَ فَمَا تَقُولُ قُلْتُ هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُ لَهُ قَالَ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا فَقَالَ عُمَرُ مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ .
وقد رد العلماء هذا القول بردود منها :
1) أنها - بنص دليلهم نفسه - آخر سورة نزلت وليس آخر آية نزلت .
2) أن قوله ( نزلت جميعاً ) قد يعني أنها آخر سورة نزلت كاملة مرة واحدة من سور القرآن الكريم التي نزلت جملة واحدة .
القول السابع :
قيل إن آخر ما نزل هو قوله تعالى وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مّتَعَمّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً [النساء/93].
وقد استدل أصحاب هذا الرأي بما رواه البخاري وغيره سَعِيدَ ابْنَ جُبَيْرٍ قَالَ آيَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَرَحَلْتُ فِيهَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا فَقَالَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ هِيَ آخِرُ مَا نَزَلَ وَمَا نَسَخَهَا شَيْءٌ .
وقد رد العلماء هذا الدليل بأن هذه الآية آخر ما نزل في حكم قتل المؤمن عمداً ، كما أن قول ابن عباس في الحديث ( وما نسخها من شيء ) يدل على نزول شيء بعد هذه الآية ولكنه ليس بناسخ لها . ويؤيد هذا الرد ما رواه الإمام مسلم عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ) فَرَحَلْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا فَقَالَ لَقَدْ أُنْزِلَتْ آخِرَ مَا أُنْزِلَ ثُمَّ مَا نَسَخَهَا شَيْءٌ و حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ و حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَا
هِيمَ أَخْبَرَنَا النَّضْرُ قَالَا جَمِيعًا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ نَزَلَتْ فِي آخِرِ مَا أُنْزِلَ وَفِي حَدِيثِ النَّضْرِ إِنَّهَا لَمِنْ آخِرِ مَا أُنْزِلَتْ .
وفي حديث أخرجه أحمد والنسائي عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية ( لقد نزلت في آخر ما نزل ما نسخها شيء ) .
القول الثامن :
قال أصحاب هذا الرأي إن آخر ما نزل هو سورة المائدة واحتج هؤلاء بما رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو قال : آخر سورة أنزلت سورة المائدة ، قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب ، وما رواه الحاكم عم عائشة رضي الله عنها قالت : أخر سورة نزلت المائدة فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم من حرام فحرموه .
والرد على هذا القول كالرد على سابقه ، فقد نصت رواية الترمذي عن عبد الله بن عمرو على أنها آخر ( سورة ) نزلت وليس آخر آية ، وكذلك جاء لفظ عائشة رضي الله عنها في رواية الحاكم الذي رواها بسنده عن جبير بن نفير قال : حججت فدخلت على عائشة رضي الله عنها فقالت : يا جبير تقرأ المائدة ؟ قلت : نعم فقالت : أما إنها آخر سورة نزلت .
القول التاسع :
أن آخر ما نزل هو قوله تعالى يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرّبَا إِن كُنْتُمْ مّؤْمِنِينَ [البقرة/278] ، ويدل على ذلك ما أخرجه البخاري في بَاب مُوكِلِ الرِّبَا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم .
وقد رد العلماء هذا القول بأنه آخر ما نزل في شأن الربا لا آخر ما نزل من القرآن واستدلوا على هذا بما أخرجه الإمام أحمد في مسنده ، وابن ماجة في سننه عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ إِنَّ آخِرَ مَا نَزَلَتْ آيَةُ الرِّبَا وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبِضَ وَلَمْ يُفَسِّرْهَا لَنَا فَدَعُوا الرِّبَا وَالرِّيبَةَ .
القول العاشر :
أن آخر ما نزل من القرآن الكريم آية الدين - أطول آية في القرآن - وهي قوله تعالى يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ وَلْيَتّقِ اللّهَ رَبّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ الّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ فَإِن لّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشّهَدَآءِ أَن تَضِلّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الاُخْرَىَ وَلاَ يَأْبَ الشّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوَاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىَ أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشّهَادَةِ وَأَدْنَىَ أَلاّ تَرْتَابُوَاْ إِلاّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوَاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتّقُواْ اللّهَ وَيُعَلّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلّ شَيْءٍ
عَلِيمٌ [البقرة/282].
واستدل القائلون بهذا بما أخرجه أبو عبيدة في الفضائل عن ابن شهاب قال : ( آخر القرآن عهداً بالعرش آية الربا وآية الدين ) .
وقد رد العلماء هذا القول بأن المقصود بذلك أنها آخر آية نزلت في شأن المعاملات ، وظاهر كلام السيوطي أنه يؤيد أنها آخر آية نزلت من القرآن لأنها الأخيرة من ثلاث آيات حاول أن يوفق بين ما روي من أن كلا منهن هي آخر ما نزل فقال :
“ ولا منافاة عندي بين هذه الروايات في آية الربا ، وآية واتقوا يوماً … وآية الدين ، لأن الطاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف ، ولأنها قصة واحدة فأخبر كل عن بعض ما نزل في آخر ، وذلك صحيح .”
القول الحادي عشر :
قال أصحابه إن آخر ما نزل هو قوله تعالى وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ [البقرة/281].
ولقد استدل القائلون بذلك :
1- بما أخرجه ابن أبي حاتم بسنده عن سعيد بن جبير قال : آخر ما نزل من القرآن كله وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ وعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية تسع ليال ثم مات ليلة الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول .
2- ما جاء في تفسير البغوي عند شرحه لهذه الآية أن ابن عباس رضي الله عنه قال : هذه آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له جبريل ضعها على رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة ، وعاش بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً وعشرون يوماً ، وقال ابن جريج تسع ليال ن وقال سعيد بن جبير سبع ليال .
3- ما رواه ابن مردويه بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : آخر آية نزلت من القرآن وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ .
4- ما أخرجه النسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : آخر شيء نزل من القرآن
وَاتّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ .
الرأي الراجح : حاول السيوطي الجمع بين آيات ثلاث هي آية الدين ، وآية الربا ، وقله تعالى واتقوا يوماً .. على النحو الذي بيناه عند الحديث عن القول العاشر ، غير أن العلماء لم يسلموا للسيوطي بهذا التوفيق بين الآيات الثلاث . فمن المعروف أن آية الربا نزلت عند إسلام قبيلة ثقيف واشتراطهم أن يبقوا - مع إسلامهم - على ما تحت أيديهم من الربا . فقد روى السيوطي في " لباب النقول " ما نصه :
“أخرج أبو يعلي في مسنده وابن منده من طريق الكلي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : بلغنا أن هذه الآية نزلت في بني عمرو بن عوف من ثقيف وفي بني المغيرة . وكانت بنو المغيرة يربون لثقيف فلما أظهر الله رسوله على مكة وضع يومئذ الربا كله فأبى بنو عمرو وبنو المغيرة إلى عتاب بن أسيد وهو على مكة ، فقال بنو المغيرة : أما جعلنا أشقى الناس بالربا ووضع عن الناس غيرنا ، فقال بنو عمرو : صولحنا أن لنا رباً فكتب عتاب في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية والتي بعدها . وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال : نزلت هذه الآية في ثقيف منهم مسعود وحبيب وربيعة وعبد ياليل : بنو عمرو وبنو عمير .
قال العلماء :
وفي الرواية الأولى عن ابن عباس ما يفيد نزول هذه الآية بعد فتح مكة ، يدل على ذلك قوله( فلما أظهر الله رسوله على مكة وضع يومئذ الربا كله ) ، ثم إن تحريم الربا لا يكون إلا على المسلمين . فدل ذلك على إسلامهم قبل تحريم الربا عليهم ولذلك خاطبهم بقوله يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين . ومن ذلك كله نعرف أن هذه الآيات نزلت بعد فتح مكة ، وكان فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة ، ونزلت أيضاً بعد إسلام ثقيف . وإسلام ثقيف إنما كان في السنة التاسعة ، فأين زمن فتح مكة وإسلام ثقيف من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقد كانت وفاته في السنة الحادية عشرة من الهجرة . ولئن قال قائل إن هناك مسافة زمنية بين فتح مكة وبين إسلام ثقيف فكيف يؤمرون بترك الربا مع أنهم لم يكونوا قد أسلموا حين الفتح أو بعده مباشرة .
إن قال ذلك قائل يرد عليه بأن رواية ابن عباس لم تحدد الزمن الذي وضع فيه الربا تحديداً دقيقاً ولم تقل إنه كان بعد فتح مكة مباشرة ، بل قال لما أظهر الله رسوله صلى الله عليه وسلم على مكة وضع الربا بمعنى أن هذا الوضع إنما كان بعد الفتح دون أن يحدد اليوم أو الشهر الذي وضع فيه.
مما سبق يظهر أن آية الربا ليست آخر ما نزل من القرآن لأنها نزلت في السنة التاسعة للهجرة ، وكان فتح مكة في رمضان سنة ثمان ، وإسلام ثقيف كان سنة تسع والآية نزلت بعد إسلام ثقيف ، وقد نزلت قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بنحو ثمانية عشر شهراً .
أما آية واتقوا يوماً … فقد نصت الرواية التي نقلتها على أنها نزلت قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بسبع ليال أو بتسع أو بإحدى وعشرين ليلة ، فيكون القول الراجح أنها هي آخر ما نزل ، وتكون آية الربا آخر آية نزلت في شأن المعاملات ، أو لنقل إن الآيات الثلاث هي أواخر ما أنزل من القرآن الكريم .