مساحة إعلانية
لا يوجد إنسان على ظهر الأرض يعاني ما يعانيه الإنسان العربي من حساب الزمن فالدول المتقدمة تحسن تقدير الوقت وتنظيمه ، وتستخدم الساعات اليدوية - بغض النظر عن قيمتها المادية - لتنظيم المواعيد ، وترتيب الأولويات . والأولويات عند الإنسان في الدول المتحضرة هي العمل ثم العمل ثم العمل ثم الراحة ، وغالباً ما تكون الراحة نفسها نوعاً آخر من العمل ، فهي إما استسلام لهواية نافعة ، أو متابعة برامج مبثوثة مفيدة ، ولو اقتصرت فائدتها على الإمتاع العقلي والنفسي .
أما الأولويات في العالم العربي ، فهي التفاخر ، ثم الثرثرة ، ثم الهروب من النفس إلى الآخرين ، ثم تزجية الوقت على المقاهي أو في الأندية . وأما العمل فلا مكان له في حساب أولويات الإنسان العربي لأنه يظن أن ما يتقاضاه من أجر إنما هو لمجرد تفضله بالحضور والانصراف إلى مصلحته الحكومية أو مؤسسته .
ولا يوجد إنسان على ظهر الأرض يعاني ما يعانيه الإنسان العربي في اختيار ساعة يده !! فهو يُدقق ويُحقق ويستوثق ، ويسأل ويتثبت ويبحث ، ويَكِدّ ويَجِدّ ويجتهد ، ويُوسع الخبراء والمستهلكين والتُّجَّار أسئلةً واستفسارًا عن أجود وأمتن وأقوى وأجمل وأغلى وأدق وأرق الساعات وأشهر " الماركات " العالمية قبل أن يشتري ساعة لنفسه !!
حتى إذا اشتراها وعرضها على رفاقه ومجالسيه وسُمّار لياليه ، وأظهرها في صوره الشخصية ، لم تعد تعنيه إلا إذا اختلف مع صديق له حول موعد "فِلْم" أو مسلسل أو مباراة يذيعها التلفاز . فهو حينئذ قد يحتاج إلى النظر في ساعته .!!
وقد تفننت الشركات العالمية في إنتاجها ليناسب الذوق العربي فمن المعروف حاليا ، أن كثرة الشركات العالمية تنتج كثيراً من منتجاتها وفقاً للذوق العربي لأن أسواق العرب من خير أسواق الأرض توزيعاً ، فالعرب - بطبيعتهم - مستهلِكون - بكسر اللام - (ويجوز فتحها مع شيء من سوء النية ! ) .
وقد أنتجت بعض شركات الساعات ساعات يدوية مزودة بدوائر إلكترونية توفر لمستخدم الساعة آلة حاسبة ، وذاكرة لأرقام الهاتف ، ومنبِّهاً للمناسبات ، وأجراساً تدق إذا حان وقت معين يريد صاحب الساعة أن يتنبه إليه ، بل واحتوت بعض الساعات مؤشراً يحدد جهة القبلة إذا أراد صاحبها الصلاة ... إلى غير ذلك من خدمات ظنت تلك الشركات أن الإنسان العربي - المفعم بالانشغال - بحاجة إليها .!!
وقد أقبل العرب على هذه الأنواع المتقدمة من الساعات إقبال الإبل العِطاش على الماء الُّزلال ، فاشتروا منها الآلاف وتهادَوْها بالملايين ، وزينوا بها معاصمهم المصونة وتبختروا بها بين أنديتهم ورفاقهم ، وأطنبوا في ذكر محاسنها ومميزاتها وخدماتها التي تشير - في النهاية - إلى أن مستخدمها رجل شديد الأهمية ، مغرق بالتكاليف المتنوعة ، نهب للمواعيد المتلاحقة ، معرَّض للحسابات الطارئة ، إلى آخر ما في الساعة من خدمات متاحة .
ثم ماذا ؟
ثم إن العربي بعد أن يحمل تلك الأثقال من الخدمات التقنية المعقدة ، تراه مسترخيا على المقهى ، ساحباً أنفاس "الشيشة" في برود قاتل ، يتابع حلقات دخان الشيشة ، وحلقات مسلسلات التلفاز في هدوء يحسده عليه الشيطان نفسه .
فإذا طلبت منه موعداً غداً تريده فيه قال لك : آخر النهار !! .
وإذا طَلَبَتْ منه زوجه أو أبناؤه موعداً للفسحة تمطى وتثاءب وقال : آخر الأسبوع!! .
وإذا دعا داع إلى سفر أو عمل ثقيل ، هز رأسه وقال : بعد العيد !!.
وهكذا ..
من آخر إلى آخِر - بكسر الخاءين - يظل إحساس العربي بالوقت معدوماً .. فهو دائماً في الأواخر !! لأن تحديد الموعد بدقة لا يناسب حريته في الحياة .. وهي حرية متوهمة مزعومة يحاول العربي أن يستعيض نفسياً بها عن حريته الحقيقية المكبلة بأطنان القوانين الموروثة !!
والحرية التي يمنحها الإنسان العربي لنفسه - مقابل حريته المسلوبة - هي حرية مدمرة : فهي حرية ترك العمل ، وحرية حرب الذات عن طريق إدمان المكيفات ، وحرية تخريب المجتمع عن طريق التفكك الأسري المزمن ، وحرية الكذب وتجريح الآخرين ، وحرية النفاق .
ولكن أقساها على الإطلاق هي حرية فتح أسوار الزمن بلا حساب ، فالزمن العربي لا يعرف ساعات اليد الصغيرة ، ولا المنبهات الكبيرة ، الزمن العربي مفتوح على مصراعيه على قدر ما تتسع الرئات لاستقبال الهواء .. ومفتوح بقدر طموح اليهود وأطماعهم اللانهائية في أرض العرب وثرواتهم ..
فإسرائيل تقتطع جزءاً عربيا في ساعة ، ويظل العرب شهوراً يتناقشون في طبيعة رد الفعل ، ثم ينتهون إلى بيان إدانة ووثيقة استنكار يبعثون بها إلى واشنطن مع باقة ورود ناضرة تعبر عن معنى السلام !!
والزمن العربي يتسع لأحلام الجالسين على المقاهي دون تحديد مواعيد للعودة إلى منازلهم .. فمنازلهم - كالزمن - مفتوحة طول الليل لا يخشون إذا عادوا متأخرين أن تصدهم عن دخولها أو تغلظ لهم في القول " لصياعتهم " غير المنتهية .
وهكـــذا ..
يميع الجسم العربي الرخو ، ويمتد الزمن العربي السائل إلى ما لا نهاية برغم الساعات الفارهة ذات الخدمات المتعددة في المعاصم المشغولة بأحجار النرد ، و "رصّ " المعسّل في كراسي الشيشة .
فمن ذا الذي يستطيع أن يضبط ساعات العرب على غروب الشمس وشروقها كما كانت قديماً ، بدلاً من ضبطها على مواعيد "جرينتش" وساعة "بيج بن" الإنجليزية ؟
بل من ذا الذي يستطيع أن يضبط الزمن العربي على عقارب الجد في عصر كل ما فيه - في العالم العربي - هزل في هزل؟