مساحة إعلانية
مختار عيسى: عرف بالوضوح والمقاومة ونبذ المداهنة، ابن وفي لفكر وطني لا يساوم ولا يرضى لوطنه انكسار، وباقٍ في القلب والعقل لا تغيب ذكراه
سمير الفيل: إنسان نبيل وشهم وابن بلد تحلى بالنبل والشجاعة والإيثار، عاشق بورسعيد ثائر بطريقته ومخلص لقناعاته، الحس الوطني عنده متوهج لا يغيب
د. إبراهيم عطية: صوت صاخب صادق لا يعرف المواربة ولا الصمت عند الحق، حمل مشروعاً ثقافياً وبنى للكتابة معنى، واجه الدخلاء بصوته الجهوري وفتح بيته "صومعته" للأدباء
سمير الأمير: مثقف وطني عضوي التزم بقضايا تقدم مصر وحريتها، ربط الإبداع بحركة الجماهير والمقاومة، وهب إبداعه لرفعة مصر ودافع في أدبه عن أحلام شعبها في العدالة
فاتن متولي حسانين: أب حنون طيب بكبرياء يطاول السحاب وعزة نفس رهيبة، كريم وسخي حتى في مرضه، رحيله يتم ثقافي وفقدنا هرماً من أهرام الكلمة ونبعاً من النبل والشهامة
د. شاكر صبري: أديب هادئ الطبع قريب من المثقفين مهتم بالحوار الجماعي، امتاز شعره بالبساطة والوضوح والصدق العاطفي والقرب من الناس مع اهتمام بالقضايا الوطنية والإنسانية
أسامة كمال أبو زيد: كان محاولة إنسانية نادرة لصناعة "الحياة المستحيلة"، إيجاز عبقري لروح بورسعيد، رأى الإبداع طريقة وجود لا كتابة، وآمن أن الكتابة قدر روحي لا مهنة
طارق عمران: فارس لم يترجل من جواد الكلمة، غرس شجرة إبداع أثمرت شعراً ورواية ومسرحاً، أحق بجائزة الدولة التقديرية، ورحيله جرس إنذار لتكريم القامات وهم أحياء
جيهان عوض البنا: صاحب إحساس رهيف وسرد مؤثر شاركنا معاناته ووحدته بصدق، ترك أثراً لا يمحى، واختار لحياته
عنوان "قبض الريح" كحضوره
ملف أعده للنشر: مصطفى علي عمار
حين تُذكر بورسعيد في سياق الشعر والوجدان المصري، يطل اسم السيد الخميسي كعلامة لا يمكن تجاوزها. شاعر وأديب تشكّل من طين المدينة وملحها، وحمل في كتابته نبضها المتمرد وتاريخها المفتوح على العالم.
لم يكن حضوره مقتصراً على ديوان أو رواية، بل كان صوتاً فاعلاً في الحركة الثقافية لعقود، ومشاركاً في ندواتها ومؤتمراتها من بورسعيد إلى مرسى مطروح، ومن الإذاعة والتلفزيون إلى أمسيات معرض الكتاب. كان يكتب الشعر كما لو أنه يلعب بالسيف المكسور في الحلبة، لا يعرف الزيف، ولا يقبل أن يكون خارج الدائرة الحمراء إلا وهو يقاوم.
نلتقي في هذا التحقيق مع عدد من الكتاب والشعراء الذين عرفوا السيد الخميسي عن قرب، لنرسم ملامحه كإنسان وكشاعر، ونقترب من تجربته الإبداعية التي مزجت بين الفصحى والعامية، بين الشعر والرواية والمسرح، وتركت بصمة لا تمحى في أدب القناة ومصر كلها.
سيرة السيد الخميسي:
السيد محمد الخميسي، شاعر وأديب مصري من مواليد عام 1947 بمدينة بورسعيد. درس في أسوان وبورسعيد، وحصل على ليسانس الآداب في اللغة العربية من كلية الآداب جامعة القاهرة عام 1969.
اشتغل بالتدريس في المرحلة الثانوية حتى أصبح موجهاً بالتعليم الإعدادي. ظل وفياً لمبادئه رغم الصعاب، ونكلت به السلطة في زمن صعب، لكنه ظل صامداً لا يتزحزح ولا يتخلى عن قناعاته.
يُعد السيد الخميسي من الأسماء المهمة في الحركة الشعرية ببورسعيد، وترك حضوراً لافتاً عبر مسيرة إبداعية امتدت لعقود تنقل خلالها بين الشعر والرواية والمسرح. شارك في كثير من الندوات الأدبية في كافة أرجاء مصر، وكان من الشعراء الذين مثلوا بورسعيد في أمسيات معرض الكتاب، كما شارك في كثير من البرامج الثقافية الإذاعية والتلفزيونية.
كان عضواً في اتحاد كتاب مصر وعضواً في أتيليه القاهرة. انتُخب أكثر من مرة رئيساً لنادي الأدب في بورسعيد. نال عدداً من التكريمات، منها تكريمه في مؤتمر أدباء مصر بمرسى مطروح عام 2000، والمؤتمر الأول لأدباء القناة وسيناء بالإسماعيلية عام 1995، كما ترأس مؤتمر أدباء القناة وسيناء الذي استضافته بورسعيد عام 2016.
نشر العديد من القصائد في مجلات «إبداع»، و«المجلة العربية»، و«الثقافة الجديدة». من دواوينه الشعرية: «نصغي ويقول الموج» 1987، «الرقص الغجري» 1988، «من مقامات الرحيل»، وديوان شعر العامية «طرح الحروف»، و«للحب عنوان»، و«للشمس ألف باب». وله روايتا «البشاروش» و«الفرائس»، والمسرحية الشعرية «سيف المتنبي».
كتب عن تجربته أحمد سويلم عن ديوانه «الرقص الغجري»، وكتب محمود الربيعي دراسة لبعض شعره في مجلة «إبداع» العدد السادس، كما كتب عنه طه وادي ومدحت الجيار ويسري العزب وغيرهم. الحس الوطني عنده متوهج لا يغيب، ولم يستسلم لغواية الشعر فقط، بل ولج فضاء الرواية بقدمين ثابتتين وترك خلفه بصمة عميقة لا تمحى.
رحل عن عالمنا السبت 16 مايو 2026، عن عمر ناهز 79 عاماً، وسط حالة من الحزن بين المثقفين والأدباء والشعراء. نعاه الشاعر مسعود شومان عبر فيسبوك قائلاً: «رحم الله عمنا الشاعر الكبير السيد الخميسي.. دعواتكم، اللهم تغمده بواسع الرحمة.. مع السلامة يا عم سيد».
فقدت مصر الأديب والشاعر الكبير السيد الخميسي، واحداً ممن ساهموا في إثراء الحركة الأدبية على مدار سنوات طويلة، مبدعاً ومشاركاً في العديد من المؤتمرات الأدبية. برحيله فقدنا شاعراً مطبوعاً، ومحركاً ثقافياً، وإنساناً نبيلاً لا يعوض. دمت طيباً في قلوب محبيك يا عرب.
*عنوانه:* شقة 9 عمارة 11 مساكن 6 أكتوبر – بورسعيد.
من شعره:
الخميسي لم يكن يرى الشعر لعبة. في قصيدة «الرقص الغجري» يقولها صريحة:
وأنا في وسط الحلبة
ألعب بالسيف المكسور وبالكلمة
مفروض ألا أخرج عن تلك الدائرة الحمراء
لكن الحلبة عندي رومانية
أن تجرح خصمك لا يكفي
بل لعب.. حتى الموت
هذا هو مفتاحه: شاعر يخلط بين النور والنار، بين الخيط الفاصل وبين الخطر المر. شعر لا يُطرب بقدر ما يجرح ويوقظ. وفي «إنهم يذبحون الطيور» يتحول الصوت إلى صرخة وطنية مكتومة، حيث الصدر فسيح للرصاص والنسر في السماء كفن، لأن كتابة التاريخ عنده لا تكون بلا دماء.
لكن السيد الخميسي لم يكتف بالشعر. ولج فضاء الرواية بقدمين ثابتتين، وكانت «البشاروش» روايته التي خلد بها بورسعيد، حتى رآها أحمد عبد المعطي حجازي رواية تستحق القراءة. هكذا جمع بين المربي والمحرك الثقافي والمبدع.
وهنا في هذا التحقيق الذي يحاول أن يلتقط خيط ذلك الصوت. صوت الشاعر الذي رفض أن يخرج من الدائرة إلا ليواجه، ورفض أن يطفئه الصمت حتى وهو جريح خلف جدار الصمت المخنوق الأصداء.
وجهنا للكتاب والشعراء الذين عاصروا السيد الخميسي أو تأثروا بتجربته الأسئلة التالية:
حدثونا عنه كإنسان: كيف كان السيد الخميسي في علاقاته ومجالسه ومواقفه اليومية؟
حدثونا عنه كشاعر: ما الذي يميز صوته الشعري ولغته وصوره بين أبناء جيله؟
حدثونا عن تجربته الشعرية: كيف تطورت تجربته من دواوينه الأولى إلى «الرقص الغجري» و«طرح الحروف»؟
حدثونا عن أثره الثقافي والإبداعي: كيف أثر في الحركة الأدبية ببورسعيد وفي أجيال الشعراء التي جاءت بعده؟
وجاءت أجوبتهم شهادات ترسم الوجه الآخر.

★ يستهل نائب اتحاد كتاب مصر الأسبق الشاعر مختار عيسى شهادته بكلمات حزينة جاء فيها: «باقٍ لا تغيب يا سيد»
ثم يتساءل: ماذا تكتب؟
من أين نقطة ابتداء
وإلى أي فاصلة تشير؟
وكيف لك وأنت لا يتوقف نعيك لصديق حتى يفجعك آخر برحيله
تعيش بين لقاء وفراق، غير مدهوش؛ فأنت تدرك إيماناً راسخاً ويقيناً لا يتزعزع أنها أدوار يؤديها كل حسب مشيئة الخالق الأعظم، ولا تملك إلا أن ترفع أكف الضراعة وتصدق في الدعاء لمن استوفى عمره وغادرك دون استئذان أو إخطار لك بالاستعداد لتلقي نبأ رحيله.
كيف لك أن تتلقى النبأ وأنت تعلم أنك ستكون أنت الآخر نبأ قرب وقت إذاعته أم بعد؟ وأنى له أن يبعد ومهما طال وقت انتظاره فهو آتٍ آتٍ لا محالة ولا شفاعة فيه؟
يستعيد الشاعر لحظة تلقي الخبر: لكن حزناً دفيناً يشعل ناره في القلب وأنت تتلقى خبر غياب حبيب، وصديق كان بينكما من الود والتقدير المتبادل ما يشعرك بالوحشة وهول الفقد.
لم يكن الأديب الكبير السيد الخميسي أول من أوقفك على مأساة الفقد المتتالي للأحبة ولن يكون؛ فهكذا هي إرادة صاحب الكون وخالق الحياة، لكن إحساساً عظيماً بالحزن يكاد يوقف تفكيرك ويغيب عقلك وأنت تسأل رغم يقينك: كيف؟
أنت تعرف هذا الكيف حتماً وتدرك حقيقة الكون يقيناً وأنها أدوار وكأس تنتظر شاربيها مهما اجتنبوها أو حاولوا... أيموت السيد الخميسي؟ ولم لا؟ فكما يموت الناس مات، لكن حضوره يهتف آسياً في نفسك وقد جمعتكما مواقف وسفرات ولقاءات كثيرة، اختلفتما واتفقتما لكن أياً منكما أبداً لم يكن ممسكاً بعصا المنتصف؛ فقد عُرف كلاكما بالوضوح والمقاومة ونبذ المداهنة والتملق والتعلق بالقشور، وهذا ما يزيدك حزناً فقد رحل عضيدك وغاب سندك واختفى رأي كنت تعتد به في مسيرتك الأدبية وموقفك السياسي والفكري؛ فقد كنتما ابنين وفيين لفكر وطني لا يساوم ولا يهادن ولا يرضى لوطنه لحظة انكسار.
كنت مبدئياً يا سيد وأعلم أنك عانيت كثيراً في مرضك الذي أرجو أن يكون الله قد طهر به مسيرتك من أية شائبة وأعدك لجنة الفردوس بصبرك وإيمانك بأهمية إعمال العقل والتفكر والتدبر حتى لو جر عليك اختلافك غضباً من هنا أو هناك إلا أنني أحسب أنك في كل كنت تحاول أن ترضي ربك، وأدعوه أن يكون كل حرف كتبته أو رأي أعلنته بنية صادقة إخلاصاً لدينك ووطنك ولو خسرت مقابله العالم كله.
يختم مختار عيسى: رحمك الله وأحسن عزاء ذويك جميعاً وباقٍ في القلب والعقل لا تغيب ذكراك.

★ يقول القاص سمير الفيل:
سهرنا في صومعة الخميسي نقرأ شعراً وروايات ونأكل الكستناء على النار. وفي الثالثة صباحاً، لم نجد مواصلة لدمياط، فحملنا في سيارته وقادنا وسط العتمة ثم عاد وحده. أي نبل، وأي شجاعة، وأي إيثار تحلى به الفتى البورسعيدي العظيم.
ويضيف: برحيله فقدنا شاعراً مطبوعاً، ومحركاً ثقافياً، وإنساناً نبيلاً لا يعوض. الحس الوطني عنده متوهج لا يغيب.
كان ثائراً بطريقته، مخلصاً لقناعاته الفكرية. السيد الخميسي.. عاشق بورسعيد، وقد خلدها في روايته «البشاروش». طول عمرك كنت جدع، وشهم، وابن بلد.. أبكيك بقلبي، ووجداني، وروحي يا حبيب.
كان الخميسي عاشق بورسعيد بلا ادعاء. جدع، شهم، ابن بلد، عاش ثائراً بطريقته، مخلصاً لقناعاته الفكرية حتى آخر أيامه. عانى في سنواته الأخيرة، لكنه ظل في قلوب محبيه حياً.
مع السلامة يا سيد.. رحلت وحبك في القلوب باق.

★ وتأتي شهادة د. إبراهيم عطية بعنوان: صوت لم يعرف الصمت
يستهل حديثه قائلاً: عرفتُ السيد الخميسي منذ سنواتٍ طوال، وخرج لي من قلب بورسعيد كما تخرج الريح من بين أمواج البحر: صاخباً، صادقاً، لا يعرف المواربة ولا يجيد الصمت حين يكون الحق على المحك.
ويضيف وهو يصف مشروعه: حملَ مشروعاً ثقافياً كبيراً، ولم يكتفِ بنشاط أدبي عابر. ظلَّ يبني ويحاول بلا كلل أن يصنع معنى للكتابة في مدينةٍ تتقاطع فيها التجارة مع الذاكرة، والملح مع الحلم.
يستطرد في وصف موقفه من الوسط الأدبي: واجهَ "الدخلاء على الأدب" بصوته الجهوري الذي كان يسبق حضوره دائماً. لم يهادن ولم يخشَ أحداً إذا تعلق الأمر بالحق، فكان صوته بياناً ثقافياً مفتوحاً في وجه التزييف والسطحية.
ويبوح بذكرى عضويته في اتحاد الكتاب: وعندما تأس فرع اتحاد كتاب مصر بالشرقية والقناة وسيناء عام 2005، انضمَّ الخميسي إلى مجلس إدارته عضواً فاعلاً. لم يقبل بالعضوية لقباً معلقاً على الحائط، بل حملها التزاماً حياً. كان يقطع المسافة من بورسعيد إلى الزقازيق رغم المشقة، يأتي مثقلاً بالطريق لكنه خفيف الروح.
ويؤكد على حضوره في السهرات: جلسَ معنا في السهرات وروى تجاربه مع شعراء ومسرح بورسعيد، واسترجع لياليه الثقافية كمن يستعيد عمراً كاملاً في جملة واحدة. فتحَ بيته في بورسعيد، "صومعته" كما كان يسميها، لكتاب مصر، وفتحَ بيته في مدينة المستقبل بالإسماعيلية، فاستقبل الضيوف كأنهم امتداد طبيعي لفكرته عن الأدب بوصفه بيتاً لا يُغلق.
ويروي تفاصيل تلك الليالي: في تلك الليالي، تحدثَ عن أعماله الإبداعية، ووقفَ عند روايته الشهيرة «البشاروش»، وذكرَ ابنه محمد الطيار وبناته، فاختلط السرد بالعائلة والعائلة بالسرد. كان يتوقف أحياناً، يضع يده على صدره، لكن قلبه الموجوع لم يمنعه من الكلام، ولا من الحضور، ولا من الإيمان بأن الأدب ما زال يستحق العناء.
ويستعيد مشهداً مؤلماً: والتقينا مراراً في مقر الفرع بالقومية بشارع مسجد عباد الرحمن بالزقازيق. وتذكرتُ ذلك اليوم حين سقطَ في بئر الأسانسير نتيجة غيبوبة السكر. بحثتُ عنه حتى سمعتُ صوته ينادي عليَّ خافتاً من الظلام. حاولتُ أن أسحب جسده الفارع، أخرجته بيدي، وطلبتُ الإسعاف ونقلته إلى المستشفى الأميري. بقينا يوماً كاملاً حتى تعافى.
ويشهد على عزلته الأخيرة: ظلَّ الخميسي على اتصال دائم بالحركة الأدبية، حتى تسللت إليه العزلة شيئاً فشيئاً، لا كخيار، بل كقدر ثقيل. انكمشَ العالم حوله، وبقي هو في صومعته، يعاني التجاهل والمرض، بينما ظلت ذاكرته الأدبية يقظة، كأنها ترفض أن تُطفأ.
ويختتم برثاء مرّ: ومنذ أيام قليلة، حاولتُ أن أتصل به لأطمئن عليه، لكن صوته لم يأتِ. كان الصمت هذه المرة مختلفاً، ليس صمت انشغال، بل صمتاً يجر خلفه سؤالاً ثقيلاً لا يريد أن يُقال.
واليوم أقولها بمرارة: السيد الخميسي مات يا كتاب مصر.
لكن الحقيقة أن أمثاله لا يموتون تماماً. يبقى صوته في الذاكرة الثقافية، تبقى سهراته في البيوت التي دخلها، وتبقى حماسته في وجدان كل من عرفه حين كان الأدب عنده معركة شريفة، لا وظيفة، ولا ترفاً عابراً.
*ويختتم بدعائه:* رحم الله الشاعر القدير وأسكنه فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

★ يقول الكاتب والشاعر سمير الأمير: فقدت مصر والأدب المصري واحداً من كتابها ومثقفيها الملتزمين بقضايا تقدمها وحريتها، هو الشاعر والروائي والمثقف الوطني ابن المدينة الباسلة السيد الخميسي.
لقد كان هذا الأديب والمثقف العضوي يعي جيداً أن كل النصوص الأدبية ليست سوى وسائل ساعية لتشكيل نص أكثر شمولاً وعمومية منها جميعاً وهو نص الحياة في هذا الوطن الذي أدرك منذ شبابه قضاياه عبر معاناته مع أهل مدينة بورسعيد في فترات المواجهة مع العدوان الثلاثي ومن قبل ذلك ما انعكس على طبيعة الحياة في طفولته أيام الاحتلال الإنجليزي، لكن ذروة المعاناة كانت بعد حرب 1967 التي أدت إلى التهجير ورحيل كل سكان مدن القناة عن مدنهم وحواريهم وأملاكهم ومصانعهم، مما شكل خصوصية للأدب وطبيعته المقاومة في منطقة القناة ولذلك نجد في أدب السيد الخميسي ومجايليه هذا الانعكاس المباشر للقضية الوطنية وتلك الرغبة المحمومة في استنهاض الناس ودعوتها لتبني المواقف الداعمة لمقاومة المحتل في فترة الستينيات واستمرار هذا التوجه حتى بعد عودة المهجرين وسياسة الانفتاح ثم توقيع معاهدة كامب ديفيد وخروج مصر من الصراع المسلح مع العدو الصهيوني.
يتذكر سمير أنه تعرف على السيد الخميسي والأصدقاء من مدن القناة ومنهم طبعاً الكابتن غزالي والريس زكريا رحمة الله عليهما في نهاية التسعينيات، ويلاحظ هذا الحضور الغريب لذكريات المقاومة وشعرها وفرقها كأولاد الأرض وغيرها، كما يحدثه السيد الخميسي عن الطقس المسرحي الشعبي المسمى بالضمة، وعن ذكريات حرق تمثال أو "عروسة" تمثل "اللنبي" كطقس من طقوس الاحتفالات الجماهيرية.
ولعل هذا الإصرار على الربط بين الإبداع وحركة الجماهير كان سبباً أيضاً في عدم تركيز السيد الخميسي على نوع أدبي واحد فقد كتب الشعر الفصيح كديوان «الرقص الغجري» وديوان «نصغي ويقول الموج» والشعر العامي كديوان «طرح الحروف» ورواية «البشاروش» ذات النفس التاريخي الطويل والمسرح كمسرحية «سيف المتنبي».
ومما يدهشه أنه يحاول أن يتذكر متى كانت أول مرة التقى فيها بالشاعر السيد الخميسي فلم يستطع، هل كان ذلك في دمياط في صحبة أنيس البياع؟ أو ربما في مؤتمر رأس البر سنة 1987 بصحبة سمير الليل ومحمد العتر وعيد صالح؟، غير أنه يعتقد أيضاً إن لم تخنه الذاكرة أنهما قضيا خمسة أيام معاً في مؤتمر سوهاج سنة 2005، فيصيران صديقين حميمين هكذا بلا مقدمات وكأن هذا كان حالهما منذ زمن بعيد، ورغم قلة اللقاءات إلا أنه كان يتصل به دائماً لقلقه الدائم عليه في مرضه ووحدته، ويعرف كم كان يعاني صعوبة الحياة وكيف سقط وتعرض لعمليات في العظام،
ولذلك حين جاء استقبله في أحد مؤتمرات بورسعيد وهو يتكئ على عصاه الطبية وقال له "لقد جئت من أجلك يا سمير، لا من أجل المؤتمر" فيشعر بسعادة كبيرة وبذنب كبير أيضاً..
يختتم بالدعاء: رحم الله الصديق الشاعر والمثقف الوطني السيد الخميسي
فقد كان من هؤلاء الذين وهبوا جل إبداعهم لرفعة مصر وتقدمها والذين دافعوا في أدبهم عن أحلام شعبها في العدالة والتقدم.

★ تضيف الشاعرة فاتن متولي حسانين – نقيب اتحاد الكتاب فرع بورسعيد:
ثمة رحيلٌ لا يترك وراءه فراغاً عادياً، بل يترك صدعاً في جدار الروح، وخاصة حين يكون الراحل قامة إبداعية وإنسانية استثنائية كالشاعر والأديب البورسعيدي الكبير سيد الخميسي. غير أنني اليوم لا أكتب عن الشاعر الفذ الذي ملأ الدنيا بقرير قصائده، بل أكتب عن "الإنسان" في أبهى تجلياته الطاهرة، عن الأب الذي وجدته ووجدني في زحام الأيام، وعن ذلك الكبرياء الطفولي والندى الإنساني الذي رافقه حتى رمقه الأخير.
تستعيد الشاعرة بداية الحكاية: بدأت حكايتنا في أروقة صالوني الثقافي؛ حيث كان الراحل سراجاً وهاجاً وعضواً فعالاً لا تخطئه عين، جرى تكريمه مرات ومرات اعترافاً بفضله. وكعادة الحياة حين تختبر متانة الروابط، مرّت بيننا فترة من الجفاء والخلاف، لكن النقاء الكامن في النفوس الكبيرة لا يعرف الخصام الطويل. وفي عام 2022، وعلى هامش انتخابات نقابة اتحاد كتاب مصر، انقشع الضباب وعاد الوصل، بل تولد من رحم ذلك الصلح ما هو أعمق من زمالة الحرف وصداقة المبدعين.
انمحت فروق السنين، وذابت ألقاب "الأستاذ والشاعرة"، وتلاشت ظلال الخلاف القديم لتولد علاقة دافئة، قوامها بنوة صادقة لأبٍ غمرني بعطفه. غدت الاتصالات التليفونية جسراً ممتداً للاطمئنان، وتحولت زياراتي له برفقة زوجي إلى طقس من طقوس المودة والبر.
في تلك المرحلة المتأخرة، يتجلى لي "سيد الخميسي" في أصدق صوره الإنسانية: أباً حنوناً، طيباً، مستسلماً لقضاء الله وقدره برضا يملأ الصدر. كان في ضعفه الإنساني أمام المرض يشبه راهباً في محراب القدر وادعاً، لكنه بكبرياء يطاول السحاب، وجودٍ لا تكبله الحاجة. ومن أبهى اللقطات التي تعكس نبل روحه وسخاء نفسه، حين استدعى ذات يوم عامل الكهرباء لإصلاح عطل ما في بيته؛ فلما فرغ الرجل وأراد محاسبته، لم يكتفِ الأديب الكبير بإعطائه حقه، بل أغدق عليه أضعاف ما طلب تعبيراً عن تقديره لجهده، ولم يقف كرمه عند هذا الحد، بل التفت إلى ابن العامل الصغير الذي كان يرافقه، وبابتسامة حانية ومدّ يدٍ بيضاء، قدم له مبلغاً مالياً وهو يقول بلهجة الأبوة الحانية: "هذا من جَدّك.. خُذْه إليك". هكذا كان، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ويزرع الفرح في قلوب البسطاء حتى وهو في أوج محنته.
لكن المحنة كانت قاسية، وما زالت تفاصيل آلامه الجسدية تفطر قلبي؛ فلم تكن تفارقني ملامح أوجاعه وعذاباته كلما تحرك في فراشه، حيث كان الأنين الصامت يشق عتمة الغرفة، والجسد الواهن يئن تحت وطأة المرض العضال. ومع كل هذه الآلام، كان أكثر ما يمزق نياط قلبي ويورثني حزناً مقيماً، هو عزة نفسه الرهيبة التي كبلته عن طلب أي شيء، حتى من أقرب المقربين إليه.
كم دثرتني الرغبة في أن أطهو له طعاماً بيديّ، أن أقدم له ما يعينه على مقاومة ذبول الجسد، وكنت أرجوه قائلة: "دعني أصنع لك طعاماً بيدي"، ليقيني بحساسيته المفرطة. لكنه كان يأبى بابتسامة تفيض عزة وترفعاً. ولم يقف الأمر عند هذا الحد؛ فحين عرضتُ عليه أن تخاطب نقابتنا الفرعية ببورسعيد النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر لترتيب مساعدة من صندوق الرعاية الصحية، رفض رفضاً قاطعاً مستمسكاً بكرامته وقال لي بلهجة الرضا الغنيّ: "الحمد لله، أنا مش محتاج حاجة من حد، ربنا رازقني وعندي خير كتير".
في أيامه الأخيرة، كان يسكنه شجن عميق وحزن صامت؛ لأنه لم يعد قادراً على الحركة كما يشتهي. كانت روحه تضج بالطموحات، تود لو تنهض لتمسك بالقلم وتكتب، وكان يتوق لإعادة طباعة دواوينه ونشر أشعاره من جديد، لكن القدر كان ينسج ثوب الختام بخيوط متسارعة.
توج الراحل ثقته الغالية بأن سلمني مفتاح بيته، لأشقر عليه من وقت لآخر وأبدد وحشته. وفي يوم لا يغيب عن بالي، فتحت باب الشقة بقلبٍ يمني النفس بمفاجأته بتحية الصباح، ليرتد إليّ بصري بمشهدٍ جمد الدماء في عروقي: كان السرير فارغاً!
فانقبضت روحي انقباضة شديدة، وتملكني رعبٌ جارف. رحت أبحث عنه بذعر في أرجاء الشقة خشية أن يكون قد سقط أرضاً أو أصابه مكروه وهو وحيد، ليتصل بي صوت ابنته "رفيف" حاملاً الخبر الثقيل: لقد نُقل إلى العناية المركزة. هناك، قبع يومين أو ثلاثة، يصارع بصمت وكبرياء، حتى صعدت الروح إلى بارئها، تاركاً خلفه سيرة عطرة لرجل عاش عزيزاً ومات كريماً، شخصية فولاذية لم ترتضِ المساعدة من أحد حتى الأنفاس الأخيرة.
تختم الشاعرة فاتن متولي حسانين: بأنفاسه الأخيرة تلك، لم ينطفئ مجرد مصباح في بيت، بل انطفأت منارة إبداعية وإنسانية شاهقة. إن رحيل الشاعر والأديب الكبير سيد الخميسي ليس خسارة عابرة، بل هو يتمٌّ ثقافي حقي تداعت له جدران الحركة الأدبية، وغصّت به حلوق مبدعي بورسعيد الباسلة التي طالما استلهمت من روحه الصمود، وامتدت ظلال هذا الحزن الثقيل لتخيم على خريطة الثقافة في مصر كلها. لقد فقدنا هرماً من أهرام الكلمة، ونبعاً متدفقاً من النبل والشهامة الإنسانية، وأباً روحياً تفخر به الأجيال. رحل سيد الخميسي جسداً، لكنه استوى على عرش الخلود في أرواحنا ورمزاً للشموخ الإبداعي والنقاء الإنساني الذي لا يغيب؛ سينام دهراً في مرقده، وستبقى قصائده ومواقفه شواهد حية على زمن الرجال العظام. رحم الله الأب الغالي، وأسكنه فسيح جناته.

★ ويضيف الشاعر الدكتور شاكر صبري ويبدأ حديثه قائلاً:
التقيت به أكثر من مرة في بعض المؤتمرات الأدبية، آخرها كان مؤتمر أدباء مصر ببورسعيد عام 2019، ولكن لم يسعدني الحظ للتحاور معه كثيراً. ورغم قلة اللقاءات، فقد تركت طلته أثراً لا يُنسى في ذاكرتي عن أدباء الزمن الجميل.
ويؤكد على أصله وتكوينه: ولد السيد الخميسي في مدينة بورسعيد الباسلة في 10 فبراير عام 1947. حصل على ليسانس الآداب، قسم اللغة العربية من جامعة القاهرة عام 1969، وعمل بالتدريس حتى أصبح موجهاً بالتعليم الإعدادي، وبقي على هذا الدرب حتى أحيل للتقاعد. فكان المعلم والأديب في شخص واحد.
ويستطرد في وصف منجزه الأدبي: اهتم السيد الخميسي بأنواع أدبية متنوعة، أهمها الشعر. كتب بالفصحى والعامية على السواء، ولكنه كان أكثر حضوراً وتميزاً في شعر العامية المصرية. عُرف بطلاقته في اللغة الشعبية، وقدرته على التعبير الوجداني بإيقاع سلس قريب من المواطن العادي. ولم يقف عند الشعر وحده، بل كانت له مساهمات في الرواية وأدب الأطفال والقصة القصيرة.
ويبوح بتحليل أسلوبه الشعري: امتاز أسلوب السيد الخميسي الشعري بخصائص واضحة. كانت البساطة والوضوح عنوانه دون تكلف لغوي، مما جعله أقرب إلى الجمهور. حمل شعره صدقاً عاطفياً واهتماماً بالمشاعر الإنسانية باختلاف درجاتها. اختار اللغة الأقرب إلى الناس، خاصة في العامية، واعتمد على موسيقى شعرية سهلة وإيقاع سلس.
ويضيف وهو يعدد ملامح تجربته: اهتم بالقضايا الوطنية والاجتماعية والإنسانية، وابتعد بقدر الإمكان عن الغموض الشديد. استخدم صوراً شعرية قريبة للأذهان، وحاول أن يمزج بين الحس الشعبي والثقافة الأدبية. مال إلى الحكمة والتأمل الفلسفي في بعض نصوصه، فمنح شعره طابعاً محلياً وإنسانياً في الوقت نفسه، يحمل روح بورسعيد وبيئتها الشعبية والثقافية.
ويختم بشهادته عن الرجل والكاتب: من أهم إصداراته: ديوان «طرح الحروف»، ديوان «للحب عنوان»، ديوان «للشمس ألف باب»، ورواية «الطريق إلى المينا». كما نشرت له قصص قصيرة ومقالات أدبية في الصحف والمجلات الثقافية. شارك في الحركة الثقافية والأدبية في بورسعيد عبر الندوات والمؤتمرات والأمسيات الشعرية على مدار حياته.
وعلى المستوى الإنساني، عُرف الخميسي بأنه أديب هادئ الطبع، قريب من المثقفين والأدباء، مهتم بالحوار الثقافي والعمل الأدبي الجماعي. ولهذا نال حب الكثير من الأدباء على مدار حياته الثقافية.

★ يقول عنه صديقه والكاتب والشاعر والمحرر الثقافي ومسئول النشاط باتحاد كتاب بورسعيد أسامة كمال أبو زيد:
ويبدأ حديثه ويصفه: السيد الخميسي.. تلك الحياة المستحيلة
يكمل: لم يكن السيد الخميسي بالنسبة لي مجرد شاعر أو روائي عرفت اسمه في الوسط الثقافي ثم اقتربت منه كما يحدث عادة بين الأدباء، بل كان واحداً من أولئك الذين عاشوا حياتهم كما لو أنهم يتحدون شروطها منذ البداية. كل شيء في حكايته كان يبدو مستحيلاً؛ مدينة خرجت من الرمل والماء ثم صارت أسطورة، وطفل خرج من بيت فقير ليحمل داخله كل هذا الاتساع، وشاعر ظل يقاوم الزمن والخيبات والهزائم دون أن يفقد إيمانه بالشعر ولا بالحياة. ولذلك، كلما اقتربت منه شعرت أنني لا أقترب من شخص، بل من محاولة إنسانية نادرة لصناعة تلك الحياة المستحيلة.
فبورسعيد نفسها كانت بالنسبة إليه معجزة مصرية نبتت فجأة على حافة البحر، مدينة لم تكمل المائتي عام لكنها امتلكت من العراقة ما لا تملكه مدن أقدم منها بقرون، لأن العراقة الحقيقية لا تصنعها السنوات وحدها، بل تصنعها التجارب والدماء والأحلام. كانت المدينة عنده سبيكة مصرية كاملة؛ صعايدة جاءوا يحملون الفحم إلى السفن في زمن الفحم، ودمايطة حملوا حرفتهم القديمة واستوطنوا المكان، وصيادون خرجوا من بحيرة المنزلة وقراها القريبة، ثم امتزج الجميع في روح واحدة صنعت الشخصية البورسعيدية المتعالية بكبريائها، المفتوحة في الوقت نفسه على العالم كله. فحي العرب الذي جاور حي الإفرنج لم يكن مجرد حيين متجاورين، بل كان لقاء بين حضارات ولغات وأجناس متعددة، ومن هذا التماس اليومي بالعالم اكتسب البورسعيدي ذلك الشعور الداخلي بالتفوق والاختلاف، خاصة أن مدينته نفسها كانت بؤرة لصراع الإمبراطوريات القديمة والجديدة، ولهذا استحقت أن تصبح بورسعيد الباسلة.
وربما لهذا بدا السيد الخميسي نفسه وكأنه الإيجاز العبقري لروح تلك المدينة التي لم نعد نراها أو نعرفها. كان ابن الحياة وعاشقها، بل ومعشوقها أيضاً. اقترب منها حد التلظي بنارها، وابتعد عنها أحياناً حد التنعم بعزلتها، حتى بدا كأنه يعرف خباياها السرية أكثر مما يعرفها الآخرون. وكنت أشعر دائماً أن المدينة التي انتظرت طويلاً مجيء أبنائها الأوائل ليفتحوا الطريق بين البحرين، كانت تخبئ في أعماقها روح السيد الخميسي نفسها، حتى إذا جاء اكتشفها واكتشفته، ثم دخلا معاً في ذلك العشق القديم الذي ظل ممتداً في شعره ورواياته ومواقفه وحياته كلها.
يستعيد أسامة كمال جذور السيد الخميسي: ومن هذه المدينة خرج السيد الخميسي حاملاً تناقضاتها كلها؛ ابن حلواني دمياطي جاء مع الموجات الأولى إلى المدينة الجديدة، وعمل شيف حلواني إفرنجي في محل ديليسبس للحلويات بميدان ديليسبس في حي الإفرنج عند جورج مانوفلو، ثم افتتح بعد رحيل الأجانب محلاً للحلويات الشرقية في حي العرب، وأم هي ابنة صياد من النسايمة، إحدى قرى بحيرة المنزلة القريبة. كانت الحياة شاقة وقاسية، لكنه لم يتحدث عنها أبداً بروح الشكوى، بل بروح من يرى أن القسوة نفسها كانت جزءاً من تكوينه الإنساني. تلك الحياة التي صورها لاحقاً في «البشاروش» منحته صلابة مبكرة، واعتماداً على النفس، وثباتاً على المبدأ، وجعلته يشعر أن الأدب الحقي لا يمكن أن يكون منفصلاً عن جذوره الأولى، ولذلك ظل يرى أن كل ما كتبه شعراً ونثراً لم يكن سوى تعبير عن تلك الروح المصرية الأصيلة التي تربى عليها في بيت فقير، لكنه ممتلئ بالكرامة والإصرار على التعليم والحياة.
ولأنه ولد عام سبعة وأربعين، فقد عاش في اللحظة الفاصلة بين عالمين؛ فتح عينيه على الملك فاروق، ثم وجد نفسه يكبر مع ثورة يوليو حتى بدا كأنه واحد من أبنائها الشرعيين. عاش أحلامها الكبرى، وانتصاراتها، وانكساراتها، وصمودها في وجه الاستعمار، ثم دخل الجامعة عام خمسة وستين في زمن كان التعليم فيه مشروعاً حقياً للعدالة الاجتماعية والصعود الإنساني. وهناك تتلمذ على أيدي جيل يكاد يبدو الآن أسطورياً؛ سهير القلماوي، وشكري عياد، وشوقي ضيف، وعبد العزيز الأهواني، وحسين نصار، ويوسف خليف، وحسن حنفي، وتليمة، ومحمود فهمي حجازي، وعبد الحميد يونس، ومكي، وغيرهم من تلاميذ طه حسين وحملة مشروع التنوير المصري. ولم تكن الجامعة بالنسبة إليه مكاناً للدراسة فقط، بل حياة كاملة؛ مارس التمثيل والجوالة والتجديف والملاكمة واختراق الضاحية، وزامل شخصيات ستصبح لاحقاً علامات ثقافية وسياسية مثل علاء حمروش، وزين العابدين فؤاد، وسليمان العطار، ووفاء كامل، وعاش في جامعة كانت وقتها صورة مصغرة للعالم العربي والإفريقي والآسيوي، حيث امتزج المصريون بالعرب والأفارقة والصينيين والهنود في مناخ لم يعد له وجود الآن.
ثم جاءت هزيمة سبعة وستين، وكأنها الاختبار الحقي لذلك الجيل كله. ترك مقاعد الدراسة والتحق بالفدائيين في الترسانة البحرية ببورفؤاد، قبل أن يعود إلى الجامعة ويشارك مع أبناء جيله في المظاهرات الطلابية الغاضبة. وكان يرى أن حبه لعبد الناصر لم يكن أبداً أكبر من حبه لمصر، ولذلك ظل طوال حياته منحازاً لفكرة الوطن لا للأشخاص. وبعد التخرج عمل في أسوان، بينما هاجرت أسرته إلى القاهرة، ثم جاءت سنوات السادات التي كان يراها سنوات تجريف حقي للوطن، حين تراجع التعليم والصناعة والزراعة والثقافة والبحث العلمي، ولهذا كان موقفه حاداً من كل أشكال التطبيع مع إسرائيل. حتى بورسعيد نفسها رآها تتبدل؛ من مدينة ديليسبس، مدينة المغامرين والأجانب، إلى مدينة للنصر والحرية في زمن عبد الناصر، ثم إلى مدينة أحزان في زمن الانكسارات الكبرى.
لكن الحياة المستحيلة عند السيد الخميسي لم تكن فقط في مواقفه أو سيرته، بل في طريقته في النظر إلى الإبداع نفسه. فهو لم يكن مجرد شاعر راسخ في الوجدان المصري قدم إلى العربية دواوين خرجت من خلائص روحه المتحررة والعصية على التقولب والانصياع، ولم يكن مجرد روائي منح الرواية المصرية «البشاروش»، تلك الرواية التي تجلت فيها بورسعيد ممزوجة بحكاياته وذكرياته وتفاصيل بحرها وأرواح أبنائها، ولم يكن مجرد كاتب مسرحي التقت روحه المتمردة بروح المتنبي ليخرج نص «سيف المتنبي» حاملاً روح الشاعرين معاً، كما لم يكن مجرد شاعر عامية لافت في «طرح الحروف»، ذلك الديوان الذي لم ينل ما يستحقه من احتفاء. كان كل ذلك معاً، لكنه كان قبل ذلك وبعده إنساناً يرى الإبداع طريقة للوجود لا مجرد كتابة.
فقد بدأ الشعر مبكراً جداً، حين كتب أول بيت في المرحلة الإعدادية، ثم صار شاعر مدرسة القناة، واكتشفه البلاسي العطار مبكراً، وفاز في مسابقات الشعر، ووقف في نادي المعلمين بحي الإفرنج يلقي الشعر إلى جوار أسماء كبيرة، قبل أن يصبح في الجامعة شاعر الكلية الثاني بعد صديقه سليمان العطار. وبعد التخرج شارك في إصدار جريدة السد العالي بأسوان، ثم عاد إلى بورسعيد ليبدأ معاركه الأدبية مبكراً، حين انتقد مستوى الصفحة الأدبية في مجلة «صوت بورسعيد»، فاكتشف أن الكتابة الحقيقية ليست طريقاً ممهداً، وأن المثقف الذي يقول ما يؤمن به يدفع الثمن دائماً.
وكان أكثر ما يلفتني فيه أنه لم يتعامل مع الكتابة باعتبارها مهنة أو وسيلة حضور، بل باعتبارها قدراً روحياً. كان يرى أن كل أديب في النهاية يكتب كتاباً واحداً مهما تعددت كتبه، وأن التكرار خيانة للروح، لذلك ظل ينتقل بين الشعر والرواية والفلسفة والتصوف، باحثاً عن الجوهر الواحد المختبئ خلف الأشكال المختلفة. وكان يؤمن أن الكتابة التي تتحول إلى مجرد عادة تصبح نوعاً من الأشغال الشاقة، بينما الإبداع الحقي لذة داخلية، وأن الكاتب لا يقاس بما كتب، بل بما عجز عن كتابته أو أخفاه بين السطور. وربما لهذا كان شديد الإيمان بالإيجاز والتكثيف والحساسية، وكان يرى الشعر في كل شيء؛ في الموسيقى، والغناء، والرسم، والصمت، والقصة، والمسرح، وحتى في المرأة الجميلة. كان يرى أن الشعر ليس نوعاً أدبياً، بل طريقة لرؤية العالم، والدليل الحي على حياة الأحياء.
ولم يكن بعيداً عن النقد أيضاً، فقد امتلك وعياً نقدياً عميقاً تشكل من دراسته للبلاغة التقليدية وعلم الأسلوب، وقراءاته الواسعة لشكري عياد، ودي سوسير، والمسدي، ومحمد مفتاح، وغيرهم. وكان يؤمن أن الكاتب الحقي يمارس الإبداع والنقد في اللحظة نفسها، وأن اختيار كلمة دون أخرى فعل نقدي بقدر ما هو فعل إبداعي، وربما لهذا جاءت كتابته مشغولة دائماً باللغة باعتبارها كائناً حياً لا مجرد أداة للتعبير.
يختم أسامة كمال: وحين كنت أتابعه في سنواته الأخيرة، كنت أشعر أن سره الحقي لم يكن في قصائده ولا رواياته وحدها، بل في تلك الطاقة العنيدة التي جعلته يرى العمل معادلاً موضوعياً للحياة، وأن التوقف عن العمل نوع من الموت. ولذلك ظل حتى اللحظة الأخيرة منحازاً للحياة، وللخلق، وللدهشة، وللكلمة. وربما لهذا أيضاً اختار لحياته عنوان «قبض الريح». لم يكن يحاول أن يمسك الريح فعلاً، بل كان يحاول أن يعيش تلك الحياة المستحيلة؛ حياة يظل الإنسان فيها وفياً للحلم، مهما عرف أن الحلم نفسه عصي على القبض.

★ يقول الشاعر والكاتب المسرحي والباحث طارق عمران، عضو اتحاد كتاب مصر:
ويستهل حديثه عن رحيل الأديب الشاعر "السيد الخميسي" قائلاً: "وجروح لا تندمل. غاب الجسد وترك شجرة للإبداع وميراثاً لا ينقطع".
رحيل أوجع القلب، ترك مرارة وحزناً لا ينتهي، خسارة من الصعب على الساحة الأدبية أن تعوضها. هو الفارس الذي لم يترجل من فوق جواد الكلمة، ظل بقلمه ومحبرته لعقود طويلة يعزف بالكلمات من أجل إعلاء قيم الحب والجمال.
كما تتساقط أوراق الأشجار في الخريف لتستعد لتخرج أوراقها من جديد بحلول الربيع، هكذا سقطت ورقة كاتبنا الكبير البورسعيدي الهوى "السيد الخميسي"، لكن أشجارها التي غرسها طوال رحلته الإبداعية في مجالات وصنوف الإبداع المختلفة؛ الشعر والرواية والكتابة المسرحية، فأثمرت لنا قطوفها اليانعة، لتبقى مؤلفاته كالأشجار السامقة لكن أوراقها لا تذبل ولا تموت طوال فصول العام. هكذا كانت أعماله الأدبية المتنوعة ما بين الشعر والرواية والكتابة المسرحية.
هذا التشابه الكبير بين ما تنتجه الأشجار من ثمار مختلفة الألوان، يخرج لنا كاتبنا الكبير "السيد الخميسي" من شجرة إبداعه العديد من صنوف الإبداع، كل له مذاقه الخاص، لا يتشابه ولا يشبه أحداً من المبدعين طوال مسيرته الأدبية.
يستطرد طارق عمران مستعيداً الذاكرة: "أعود بالذاكرة حين تعرفت عليه من خلال ما ينتجه من إبداعات متنوعة في مجال الشعر والرواية والكتابة المسرحية، فنشرت مقالاً على صفحتي الشخصية، عاتبت من خلال المقال وزارة الثقافة ونقابة الكتاب وكافة المؤسسات الثقافية والمجلس الأعلى للثقافة، على عدم منحهم جائزة الدولة التقديرية عن مجمل أعماله الأدبية، وطالبت بضرورة منحه هذه الجائزة، ومن دون تردد ولا تأخير، فأعماله الإبداعية التي أصدرها طوال رحلته الأدبية تعددت وتنوعت في مجال الشعر والنثر في الرواية والمسرح، وكل جنس أدبي كان له مذاقه الخاص والذي تميز به كاتبنا الكبير.
هكذا كنت أرى صورة كاتبنا الكبير "السيد الخميسي" في ميزان الإبداع الأدبي، وأشرت حينها: إن لم يحصل على هذه الجائزة الآن فمتى يحصل عليها وهو الأحق بها من خلال مؤلفاته الأدبية المتنوعة؟ وقد حصل عليها من هم أقل منه في مجال الأدب وهم كثر. وأكدت أننا سوف نندم كثيراً إن لم يحصل عليها فقد أوشك قطار العمر على الوصول إلى حيث المستقر الأخير، حينها لن ينفع الندم. ورحل "السيد الخميسي" دون أن ينال التقدير المناسب لرحلة العطاء الطويلة.
والمتتبع لرحلة السيد الخميسي منذ بداية التحاقه بكلية الآداب بجامعة القاهرة في نهاية الستينيات من القرن الماضي حتى تخرجه، فعاش حياته كرحّال يشارك في جميع الفاعليات الثقافية والأدبية، ليصبح بها حجر الزاوية والفاعل الأول بها، ومن خلال هذه الرحلة الطويلة تكونت لديه علاقات وطيدة بكافة مبدعي مصر.
أصدر العديد من الأعمال الأدبية تنوعت ما بين الشعر والرواية والكتابة المسرحية، ففي مجال الشعر صدر له: «يصغي ويقول الموج»، «الرقص الغجري»، «مقامات الريح»، «طرح الحروف»، وفي المسرح الشعري صدر له: «سيف المتنبي»، وفي الرواية أصدر رائعته «البشاروش».
الموت والحياة من سنن الوجود، لكن المحزن أننا لا نعرف ولا نقدر قيمة الجواهر وهي بين أيدينا. في كل مرة يرحل عنا العديد من المبدعين، نظل بعدها نبكي ونرتل الأشعار حول سيرة ومسيرة من رحل إلى حيث سيرحل الجميع.
ماذا سيفيد الآن التكريم والحديث حول تجربة كاتبنا الكبير "السيد الخميسي"؟ لقد ظل لسنوات طويلة وحيداً في صومعته بين جدران أربعة، تحاصره تلال الكتب بعد أن نال منه المرض وتمكن تماماً. كان دائماً ما ينشر على صفحته أنه في صومعته وحيداً، كان يزوره في صومعته بعض الكتاب من المقربين، لكنها زيارات عابرة لا تكفي. فأين كنا جميعاً من كل هذا الوجع الذي كان يفوح من بين حروف كلماته وأناته التي تخرج من بين ضلوعه؟ هي رحلة علينا جميعاً أن نمضي بداخلها، وعلينا أن نستعد لها لأننا ما زلنا على نفس الدرب نسير. لعل رحيل كاتبنا الكبير جرس إنذار ورسالة لنا أن نعطي كل القامات الأدبية حقها وهم على قيد الحياة.
ويختتم طارق عمران بمقترحاته قائلاً: وإذا كانت المؤسسات الثقافية لا تسعى للقيام بهذا الدور لتكريم الأدباء الكبار وهم على قيد الحياة، أتقدم بعدد من المقترحات، من بينها: قيام المؤسسات المنوط بها النشر أن تسعى لطباعة الأعمال الكاملة لكل الراحلين من المبدعين أصحاب المشاريع الأدبية المتحققة، وإتاحتها لجميع القراء في كافة المكتبات الثقافية داخل قصور وبيوت ومكتبات الثقافة والجامعات ومراكز الشباب والجمعيات الثقافية.
هذا هو أقل ما يمكن أن نقدمه للكاتب الراحل "السيد الخميسي" ولجميع من رحلوا من المبدعين، ولا نكتفي بهذا فقط بل تعمم الفكرة على كبار الكتاب وهم على قيد الحياة، ليرى الأديب ثمرة جهده أمام عينيه، ليطمئن قلبه وتسعد نفسه بأن رحلة العطاء له لم تذهب مع الرياح، وترشيح من يستحق من المبدعين الأحياء لجوائز الدولة دون أن يتقدم الأديب للجائزة بنفسه، فمشروعه الأدبي هو الذي يرشحه. وليكن كاتبنا الراحل الكبير "السيد الخميسي" هو البداية، فهل نرى من يدعم هذه الأفكار؟

★ وتختتم التحقيق وتروي الأديبة جيهان عوض البنا: أنها تشرفت بصداقة أستاذنا الكبير السيد الخميسي على الفيسبوك،
وتقول: إنها كانت متابعة جيدة لما يكتبه على حائط الأزرق من مقتطفات حياتية واقتباسات من أعماله الأدبية، وشكاوى أقرب لمرثية حزينة تأثرت لها.
وتضيف أنه كان يشاركنا ما يمر به من أزمات صحية ونفسية وبعض من مواقفه الإنسانية، وصور من ذكرياته مع والدته "أم العربي"، لحظات من الاستئناس الصادقة كان يمنحها لأصدقائه وسط هذا العالم الموحش.
وتؤكد: أنه حينما تلقت خبر وفاته نسجت في مخيلتها الكثير من السيناريوهات المحتملة وغير المحتملة لظروف موته ولحظاته الأخيرة على تلك الأرض القاسية، بما في ذلك موته وحيداً دون أنيس.
وتوضح: أنها كانت تشعر بالحزن والألم كلما سرد معاناته ووحدته، وتمنت كثيراً لو تستطيع زيارته مع رفقة من الزملاء لتفقد صحته في مدينته القريبة من مدينتها، وصرحت بذلك لإحدى الصديقات ورحبت بالفكرة. كما راودها شعور بالمسؤولية تجاه هذا العجز وقلة الحيلة من شخص يحلق بنا بكلماته ويجعلنا نطوف معها إلى حيث يريد.
غادر "الخميسي" دنيانا ليلتقي بـ "أم العربي" ويُكمل حكاياته معها، رحل وترك أثراً لا يمحى بذاكرتنا.
رحم الله صاحب الإحساس الرهيف والسرد المؤثر، الذي سألوه يوماً لو اخترت عنواناً لحياتك، ماذا تختار؟ فاختار عنواناً مميزاً كحضوره: "قبض الريح". رحم الله السيد الخميسي البورسعيدي الأصيل الذي قال:
"كل اختيارات الإنسان ليعيش حراً وسعيداً صعبة جداً وغير مضمونة النتائج، أهم لحظتين في حياة الإنسان، لحظة جهاده للخروج من ظلام وضيق بطن أمه، ولحظة انعتاق روحه وخروجها وصعودها لبارئها الأعظم، ما بين اللحظتين شقاء يسلم لشقاء"