مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

الأكاديمية الدولية بروما تجري مقابلة مع الاديب المصري عبد اللطيف مبارك

2026-06-17 02:01 PM  - 
الأكاديمية الدولية بروما تجري مقابلة مع الاديب المصري عبد اللطيف مبارك
الاديب والمحاور

حاوره: ماورو مونتاكيزي


الشاعر الذي يعبر صحاري الكلمة


​أن تلتقي بعبد اللطيف مبارك يعني أن تدخل جغرافيا شعرية لا تشبه أي جغرافيا أخرى؛ إقليمًا تصبح فيه اللغة العربية — بروحَيها: الفصحى والعامية — جسدًا حيًا، واهتزازًا، وذاكرةً، وجرحًا، وبعثًا.
​وُلد مبارك في السويس عام 1964، وتلقى تعليمه في القانون بجامعة عين شمس، ويُعد واحدًا من أبرز شعراء جيل الثمانينات. عبر صوته المجلات، والصحف، والأنطولوجيا (المجموعات الشعرية)، والمهرجانات، حتى توج بالعديد من الجوائز المرموقة في مصر، والعالم العربي، وفي السنوات الأخيرة، في أوروبا أيضًا؛ ومنها: جائزة سيرجيو كاميليني الدولية (مودينا، 2025)، والمركز الأول في مسابقة "دي فينا مينتي دونا" (DivinaMente Donna) الإيطالية (2026)، وجائزة ناجي نعمان العالمية عن كامل أعماله (2026).
​ألتقي به في ردهة يملؤها ضياء الأصيل، وتفوح منها رائحة الكتب وشاي النعناع. نظرته هي نظرة شخص عاصر وشهد الكثير، لكنه لا يزال يحتفظ بنقاء وشغف الشعراء الذين لم يكفوا يوماً عن الدهشة.
​المقابلة
​الجسور والرياح: الفسيفساء الشعرية لعبد اللطيف مبارك
​س: المايسترو مبارك، لنبدأ من البدايات. النشأة في السويس، ماذا كانت تعني لك؟
​ج: السويس مدينة لا تغادرك أبداً. إنها حدود، وميناء، ومعبر. إنها المكان الذي يلتقي فيه البحر بالصحراء، وحيث التاريخ ينساب كهمس في الخلفية. عندما كنت طفلاً، كنت أراقب السفن وهي تنساب كالحيوانات الأسطورية، وربما هناك تعلمت أن لكل شيء وجهين: وجه يظهر، وآخر يظل مخفياً. الشعر بالنسبة لي وُلد هكذا: كمحاولة للإصغاء إلى ما لا يمكن رؤيته.
​س: لقد درست القانون. كيف يتصالح القانون مع الشعر؟
​ج: القانون علمني الدقة، ومسؤولية الكلمة. والشعر علمني الحرية. يبدوان كعالمين متباعدين، لكنهما ليسا كذلك. كلاهما يبحث عن الحقيقة، وإن كان بأدوات مختلفة. وفي نهاية المطاف، فإن الشاعر في جوهره قاضٍ لا يدين: بل يتفهم.
​اللغة كقدر
​س: أنت تكتب باللغة العربية الفصحى وبالعامية المصرية. كيف تقرر أي الصوتين تستخدم؟
​ج: اللغة هي التي تختارني. العربية الفصحى هي عمودي الفقري: هي لغة التراث، والعمق، والوقار. أما العامية المصرية فهي جلدي: هي لغة الشارع، والناس، والدماء التي تتدفق. عندما تولد العاطفة، فإنها تعرف فوراً أي الصوتين يمكنه أن يحتويها دون أن يخونها.
​س: غالباً ما يسلط النقاد الضوء على قدرتك على الجمع بين المعاصرة والأصالة. هل هذا اختيار واعٍ؟
​ج: أنا لا أحاول أبداً أن أكون معاصراً أو تقليدياً. أنا أحاول أن أكون صادقاً. الشعر العربي يملك تاريخاً ضخماً، وتجاهله سيكون خطيئة. لكن أن نعيش اليوم يعني أن نتنفس في عالم مختلف، أكثر تشرذماً وقلقاً. أنا أحاول الإمساك بهذين القطبين معاً: الجذور والرياح.
​جيل الثمانينات
​س: تُعتبر واحداً من أهم أصوات جيل الثمانينات الشعري. ما الذي ميز تلك الفترة؟
​ج: كنا شباباً وجوعى (للمعرفة والإبداع). كانت مصر تمر بتحولات عميقة: اجتماعياً، سياسياً، وثقافياً. وكان الشعر وسيلة لرد الفعل، لكي لا ننجرف ونضيع. كانت هناك رغبة في كسر القوالب، والبحث عن أشكال جديدة، وإيقاعات جديدة، وصور جديدة. الكثير منا نشر في مجلات لم تعد موجودة اليوم، ولكنها كانت في ذلك الوقت مختبرات للحرية.
​الجسد، البحر، العطش: ثلاث صور متكررة
​س: في كتبك، تتكرر ثلاث صور غالباً: الجسد، البحر، والعطش. لماذا؟
​ج: الجسد هو المكان الأول للشعر. هو المكان الذي يحدث فيه كل شيء: الألم، الرغبة، والذاكرة. البحر هو طفولتي، مدينتي، وقلقي؛ وهو معلم صارم: يعلمك أن لا شيء مستقر. أما العطش فهو الحالة الإنسانية؛ وأنا لا أتحدث هنا عن العطش للماء، بل عن عطش الروح: ذلك الذي لا يرتوي أبداً.
​س: في ديوانك "نوبة عطش" (Nawbat Atash)، تصبح هذه الصورة تقريباً بمثابة شخصية حية.
​ج: نعم. العطش في هذا الكتاب هو صوت يتكلم، هو ظل يتبعك، هو سؤال لا يجد إجابة. عندما كتبت هذا الكتاب، كنت أمر بفترة صعبة، وكان الشعر هو مائي.
​الشعر ككشف وتجلٍّ
​س: إحدى أشهر قصائدك، "بريق بلا هوية" (Brilliance Without Identity)، هي رحلة في الضياء والغموض. كيف وُلدت؟
​ج: وُلدت من نظرة. أحياناً تكفي لحظة واحدة لفتح هوية أو سحيق. في تلك القصيدة، حاولت أن ألتقط شيئاً لا اسم له، شيئاً يعيش بين الوميض والصمت. الشعر هو هذا: محاولة لإعطاء شكل للمخفي وغير المرئي.
​العلاقة مع إيطاليا
​س: في السنوات الأخيرة، حظي عملك بالتقدير والتكريم عدة مرات في إيطاليا. ماذا يمثل لك هذا الرابط؟
​ج: إيطاليا بلد يعشق الشعر. عندما حصلت على جائزة سيرجيو كاميليني الدولية في عام 2025، ورغم أنني لم أتمكن من الحضور شخصياً، إلا أنني شعرت بدفء خاص. ثم جاءت مسابقة "دي فينا مينتي دونا"، وجائزة "ناجي نعمان"... هذه علامات على أن الشعر يمكنه عبور اللغات والثقافات. لقد استقبلتني إيطاليا كأخ، وأنا أحملها في قلبي.
​س: هل فكرت يوماً في الكتابة بالإيطالية مباشرة؟
​ج: ليس بعد. ولكن لا تقل "أبداً" مطلقاً. الشعر جسر: يأخذك أحياناً إلى حيث لم تكن تتخيل.
​مسؤولية الشاعر
​س: ماذا يعني أن تكون شاعراً اليوم، في عالم تمزقه الصراعات والأزمات واللامساواة؟
​ج: يعني ألا تكذب. يعني أن تصغي. يعني أن تحرس الهشاشة الإنسانية. الشاعر ليس سياسياً، وليس نبياً. ولكنه يحمل مسؤولية: أن يذكر البشر بأن لديهم روحاً.
​س: هل لا يزال بإمكان الشعر أن يغير أي شيء؟
​ج: الشعر لا يغير العالم. بل يغير البشر، والبشر هم من يغيرون العالم.
​مستقبل الشعر العربي
​س: كيف ترى الجيل الجديد من الشعراء العرب؟
​ج: أراهم شجعاناً. إنهم يعيشون في حقبة صعبة، لكنهم لا يخافون التجريب. يكتبون بالفصحى، بالعامية، بالإنجليزية، وبالفرنسية. الشعر العربي يتحول إلى لوحة فسيفساء، وكل هذا جميل.. جميل جداً.
​س: ما هو أكبر خطر يواجه الشعر اليوم؟
​ج: السطحية. نحن نعيش في زمن صاخب وسريع. الشعر يحتاج إلى العمق، والصمت، والبطء والتأني. الخطر يكمن في أن يتحول إلى مجرد إكسسوار أو زينة. لكن الشعر الحقيقي يقاوم. دائماً.
​الخاتمة: الضياء الذي يبقى
​عندما تنتهي المقابلة، يلوذ مبارك بالصمت لبضع ثوانٍ، ثم يقول:
​"الشعر جرح لا أريد له أن يبرأ".

​وفي هذه العبارة يتجلى كل شيء: حياته، وعمله، ورؤيته للعالم. وأنا أغادر، أفكر في أبياته:
​"وتبقى في عينيك بهجة، خصبة في جذورها".

​ربما هذا هو ما يجعله شاعراً عظيماً: القدرة على العثور على جذر ثابت حتى في قلب العاصفة.
​روما، 17 يونيو 2026
​الرئيس
ماورو مونتاكيزي [التوقيع الكاتبي]
​الهوامش والبيانات الرسمية المكتوبة على حواف الوثيقة:
* ​الشعارات الأكاديمية: تحمل الوثيقة الأختام الرسمية لـ الأكاديمية الدولية بروما، وتضم رمز العقاب الروماني، والذئبة كابيتولين مع رومولوس وريموس، والشعار التاريخي الشهير للإمبراطورية الرومانية SPQR.
* ​شعار لاتيني:"Non scholae sed vitae discimus" — للفيلسوف سينيكا ("نحن لا نتعلم من أجل المدرسة، بل من أجل الحياة").
* ​الرعايات الأدبية والثقافية (Moral Sponsorships) وتشمل: مؤسسة فرانشيسكو تيروني دي ريباكانديدا وجينيسترا (ساليرنو)؛ أكاديمية الفنون والعلوم الفلسفية بباري؛ الأكاديمية الدولية للأخلاق (نيودلهي)؛ الجمعية الأدبية العالمية (نيودلهي)؛ سيسارت (Ciesart)؛ الغرفة الدولية للكتاب والفنانين (إسبانيا)؛ دار نشر OTMA2 (ميلانو)؛ جريدة دنتو ساليرنو الإلكترونية (ساليرنو)؛ جمعية أرتيميسيا الثقافية (ماسا)؛ جمعية بورتوس فينيريس الثقافية (بورتو فينيرا)؛ مجلة آريا فيليكس الإلكترونية (بلغراد - صربيا)؛ الصحافة الحرة بوليس (اليونان).

مساحة إعلانية