مساحة إعلانية
بقلم: د. زُبير سُلطان رَبَّاني
كاتب في الفكر وقضايا الإنسان والهوية والتحولات الحضارية
تُجسِّد العلاقة بين الدين والدولة أحد أكثر الموضوعات عمقًا في الفكر الإسلامي؛ لأنها تتصل بالمنهج الذي تبنى به الحياة قبل اتصالها بكيفية إدارة السلطة. وتتفرع عنها أسئلة كبرى تتعلق بطبيعة الشريعة، ووظيفة الدولة، وحدود الاجتهاد، ومدى قدرة الوحي على توجيه المجتمعات في سياقات حضارية متجددة. وقد رافق هذه الأسئلة تراثٌ سياسي واسع، امتزجت فيه النصوص الشرعية بالتجارب التاريخية، فبرزت الحاجة إلى قراءة تُميز بين المقاصد التي تمثل الثوابت الحاكمة، والاجتهادات التي تمثل الوسائل المتجددة، حتى يستقر كل عنصر في موضعه الذي أراده الشرع.
ويكشف القرآن الكريم منذ بدايات التشريع عن هذا البناء المتوازن؛ فقد اتجه إلى ترسيخ القيم التي تقوم عليها حياة الأمة، وجعلها أساسًا لحركة المجتمع والدولة. وربط الرسالات بإقامة العدل، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: 25)، وجعل الأمانة والعدل معيارًا للحكم، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: 58)، وأقام الشورى ركيزةً في صناعة القرار، فقال جل شأنه: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38). وتنتظم هذه المبادئ في رؤية تجعل الدولة إطارًا لحماية الإنسان، ورعاية الحقوق، وتحقيق العمران، وتمنح السلطة رسالتها الأخلاقية قبل صورتها المؤسسية.
وجاءت السنة النبوية امتدادًا لهذا البناء، فمارس رسول الله ﷺ الشورى في القضايا العامة، واستثمر خبرات أصحابه في ميادين الحرب والإدارة والتنظيم، وأرسى بذلك منهجًا يجمع بين هداية الوحي وكفاءة الخبرة. وفي حديث تأبير النخل قال ﷺ: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» (مسلم، صحيح مسلم، كتاب الفضائل، رقم الحديث: 2363)، وهو توجيه يفتح مجال الاجتهاد في الوسائل التي تحقق مصالح الناس، ويُبقي المرجعية القيمية بيد الوحي، فتتكامل الهداية مع الخبرة في بناء المجتمع.
ومن هذا المنهج استنبط علماء المقاصد القاعدة التي انتظمت حولها فلسفة التشريع؛ فقد قرر الإمام أبو إسحاق الشاطبي أن «وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل» (أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات، ج2، ص8–9)، وربط الأحكام بغاياتها الكلية، وجعل المصلحة المنضبطة بالوحي ميزانًا لفهم النصوص وتنزيلها. وعزز العز بن عبد السلام هذا المعنى بقوله: «الشريعة كلها مصالح؛ إما جلب مصالح، وإما درء مفاسد» (العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ج1، ص11)، فتبلورت رؤية تجعل المقاصد روح التشريع، وتجعل الاجتهاد أداةً لتحقيقها في الواقع.
وعند هذا المستوى تتضح الثنائية التي يقوم عليها التصور الإسلامي للدولة؛ فالثوابت تتمثل في المقاصد والقيم الكلية التي أرساها الوحي، كالعدل، والشورى، والأمانة، والرحمة، وحفظ الضروريات الخمس، وهي الأسس التي قررها الأصوليون في بناء الشريعة (أبو حامد الغزالي، المستصفى، ج1، ص286؛ أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات، ج2، ص17). أما الاجتهاد فيتحرك في ميدان الوسائل، فيبتكر المؤسسات، ويطور النظم، ويصوغ الآليات التي تحمل تلك المقاصد إلى حياة الناس، فتتجدد صور الدولة مع تعاقب العصور، وتبقى القيم الحاكمة محافظةً على وحدتها واستمرارها.
وتتجسد هذه الثنائية بين الثوابت والاجتهاد في التجربة السياسية التي نشأت عقب انتقال النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى؛ فقد انصرفت عناية الصحابة إلى المحافظة على وحدة الأمة، واستمرار إدارة المجتمع، وحماية مقاصد الشريعة، فكانت الغاية واضحة، بينما اتسع مجال الاجتهاد في الوسيلة. وانعقدت البيعة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه في سقيفة بني ساعدة بعد تشاور وتداول للرأي، ثم جاء استخلاف عمر بن الخطاب رضي الله عنه بترشيح من أبي بكر وإقرار المسلمين، ثم تشكل مجلس الشورى الذي انتهى إلى اختيار عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم تمت بيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ظروف سياسية مغايرة. ويكشف هذا التنوع أن المقصد ظل واحدًا، وأن الوسائل اكتسبت مشروعيتها من قدرتها على تحقيقه، وهو حفظ الجماعة، وصيانة الاستقرار، وإقامة العدل.
وقد استوعب فقهاء الإسلام هذه الدلالة، فربطوا الإمامة بمقاصدها قبل وسائلها. فقرر الإمام الماوردي أن الإمامة موضوعة «لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا» (أبو الحسن الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، ص 5)، وجعل طرق انعقادها خاضعة لما يحقق هذا المقصد. وسار أبو يعلى الفراء في الاتجاه نفسه، فذكر صورًا متعددة لانعقاد الإمامة، وربطها بمصلحة الأمة واستقامة أمرها (أبو يعلى الفراء، الأحكام السلطانية، ص 19–27). وتعكس هذه المعالجة الفقهية وعيًا مبكرًا بأن المقاصد تمنح النظام السياسي ثباته، بينما تمنح الوسائلُ الدولةَ قدرتها على التكيف مع تغير الأحوال.
ويمتد هذا الفهم في تراث شيخ الإسلام ابن تيمية، إذ جعل الولاية من أعظم مسؤوليات الشريعة؛ لأنها تجمع مصالح الدين والدنيا، فقال: «يجب أن يُعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين؛ بل لا قيام للدين والدنيا إلا بها» (أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ص 161). ويقود هذا التقرير إلى معنى أعمق؛ فالسلطة تكتسب قيمتها من رسالتها في إقامة العدل، ورعاية الحقوق، وتحقيق مصالح الرعية، فتغدو الوظيفة معيارًا للتقويم، ويغدو الأداء ميدانًا للمساءلة، وتتجه الأنظار إلى مقدار ما تحققه الدولة من مقاصد الشريعة في حياة الناس.
وقد انعكس هذا المنهج على مسيرة الحضارة الإسلامية؛ فشهدت مؤسساتها الإدارية والقضائية والمالية تطورًا متواصلًا، واستفادت من خبرات الأمم في تنظيم الدواوين، وإدارة المال، وتقنين الإجراءات، مع بقاء المرجعية الشرعية حاضرة في توجيه الحركة العامة. ويؤصل الإمام القرافي هذا المعنى في قاعدته المشهورة: «الوسائل لها أحكام المقاصد» (شهاب الدين القرافي، الفروق، ج2، ص33)، وهي قاعدة تجعل قيمة الوسيلة مرتبطة بثمرتها، وتجعل حركة الاجتهاد متجهة إلى بناء أدوات أكثر قدرة على خدمة العدل، وصيانة الحقوق، وتحقيق المصلحة العامة.
ومن هذا المنطلق يتضح أن الدولة في الإسلام تنمو في ظل علاقة تكامل بين الثابت والاجتهاد؛ فالثابت يمنحها الهوية والاتجاه، والاجتهاد يمنحها الحركة والتجدد، وتتولد من اجتماعهما منظومة سياسية قادرة على الاستجابة لتحولات الزمان، مع محافظة دائمة على القيم التي أرساها الوحي، وبذلك يتواصل البناء الحضاري للأمة في إطار يجمع أصالة المرجعية وسعة التجربة.
وعند هذا الأفق تتحدد طبيعة الدولة في الإسلام من خلال وظيفتها الحضارية، فتغدو وعاءً جامعًا للمقاصد، ومجالًا رحبًا للاجتهاد، وإطارًا مؤسسيًا يحمل قيم الشريعة إلى واقع الناس. ويكشف هذا التصور أن مرجعية الدولة تستمد رسوخها من العدل، والأمانة، والشورى، وصيانة الحقوق، وحفظ الكرامة الإنسانية، بينما تتجدد مؤسساتها وإجراءاتها وأدواتها وفق ما تثمره الخبرة الإنسانية من وسائل أقدر على تحقيق تلك الغايات. وبذلك تتكامل المبادئ مع النظم، وتتآلف القيم مع المؤسسات، ويتحول الاجتهاد إلى قوة متجددة تبني ولا تهدم، وتطور ولا تبدل.
ومن هذا المنهج اكتسب الفقه السياسي الإسلامي مرونته واتساعه؛ فالدساتير، والبرلمانات، والهيئات الرقابية، واستقلال القضاء، والأنظمة الإدارية، تمثل ميادين للاجتهاد المؤسسي، وتكتسب قيمتها الشرعية بقدر ما تجسد مقاصد الشريعة في إقامة العدل، وحماية الحقوق، وترسيخ الشفافية، وتحقيق المصلحة العامة. وقد عبّر الإمام محمد الطاهر بن عاشور عن هذا المعنى حين جعل «حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه» مقصدًا عامًا من مقاصد التشريع (محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 273)، وهو تقرير يربط صلاح الدولة بقدرتها على بناء مجتمع مستقيم، ويجعل العمران ثمرة طبيعية لحسن تنزيل المقاصد.
وتتجلى هذه الرؤية في القاعدة الجامعة التي صاغها الإمام ابن القيم، فقال: «فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها» (محمد بن أبي بكر ابن القيم، إعلام الموقعين عن رب العالمين، ج 3، ص 11). وتمنح هذه القاعدة ميزانًا دقيقًا لتقويم كل اجتهاد سياسي؛ فكل سياسة تعزز العدل، وتوسع دوائر الرحمة، وتحفظ الحقوق، وترعى مصالح المجتمع، تقترب من روح الشريعة ومقاصدها، وكل اجتهاد ينهض بهذه القيم يسهم في تجديد الرسالة الحضارية للإسلام داخل حركة التاريخ.
ومن هنا تتضح العلاقة بين الدين والدولة في الإسلام في صورة أكثر اتساقًا وعمقًا؛ فالدين يمد الحياة العامة بمنظومة المقاصد التي تهدي حركة المجتمع، ويغرس في السلطة معنى الأمانة، وفي القضاء معنى العدل، وفي الاجتماع معنى الشورى، وفي العمران معنى الاستخلاف. ويتولى الاجتهاد بناء الصيغ المؤسسية التي تحمل هذه القيم إلى الواقع، مستفيدًا من تراكم الخبرة الإنسانية، ومتفاعلًا مع تطور المجتمعات، ومتجهًا على الدوام إلى تحقيق الخير العام. ويغدو الاختلاف في الوسائل ميدانًا للإبداع، ويظل الاتفاق على المقاصد أساسًا لوحدة الأمة واستقرارها.
وتثمر هذه القراءة المقاصدية وعيًا يعيد ترتيب العلاقة بين النص والتاريخ، وبين الثابت والمتغير، وبين المقاصد والوسائل، فتستعيد الشريعة قدرتها على توجيه الحياة من خلال غاياتها الكلية، ويستعيد الاجتهاد مكانته بوصفه أداةً لبناء المستقبل في ضوء هداية الوحي. وعند هذا المستوى تتجلى عالمية الإسلام بأوضح صورها؛ إذ تحفظ الثوابت هوية الأمة ورسالتها، ويمنحها الاجتهاد قدرة دائمة على التجدد، فتتواصل مسيرة العمران على هدي القيم التي جاء بها القرآن الكريم، ويظل العدل روح الدولة، وتبقى المقاصد بوصلة السياسة، ويغدو الاجتهاد سبيلًا متجددًا إلى نهضة الإنسان وازدهار الحضارة.