مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

الأب الذي يهرب من أبوتِه بالهجوم على ولده .. بقلم محمود النعيمي

2026-11-08 08:11 AM  - 
الأب الذي يهرب من أبوتِه بالهجوم على ولده .. بقلم محمود النعيمي
محمود النعيمي

ليس كل قسوة أبوة، وليس كل صراخ تربية، وليس كل احتقار حزما. هناك نوع من الآباء لا يضرب ولده لأنه أخطأ، ولا يوبخه لأنه قصر، بل يهاجمه لأنه يخاف منه. يهاجمه لأنه يعلم في قرارة نفسه أنه لم يؤد ما عليه، ويخشى أن يأتي اليوم الذي يقف فيه الولد أمامه ويسأله السؤال الذي لا جواب له: لماذا لم توفر لي؟
هذا أب لم يوفر لولده مسكنا يأوي إليه، ولا ملبسا يستره، ولا تعليما يرفعه، ولا طعاما يكفيه، ولا شرابا يرويه، ولا نفقة تقيم أوده. لم يكن فقيرا فحسب، فالفقر ليس عارا، ولا جريمة، ولا خيانة. إنما كان مقصرا، متقاعسا، هاربا من مسؤوليته، ثم اتخذ من الهجوم وسيلة للستر، ومن الإهانة ستارا للعجز، ومن الاحتقار درعا يقيه من العتاب.
إنه كلما فعل الولد خيرا، احتقره. وكلما أظهر برا، استهزأ به. وكلما اقترب منه، دفعه. وكلما أحسن، قلل من إحسانه. ليس لأن الولد سيئ، بل لأن الولد صالح. وليس لأن الولد عاق، بل لأن الولد بار. وليس لأن الولد فاسد، بل لأن الولد أمين طيب، نقي السريرة، مستقيم السلوك. وصلاح الولد هنا هو المشكلة الكبرى في عين أبيه، لأنه يفضح تقصيره، ويكشف عجزه، ويجعله يقف عاريا أمام نفسه.
إن علم النفس يعرف هذا النمط جيدا، ويسميه الهروب إلى الهجوم. فحين يعجز الإنسان عن مواجهة ذنبه، يهاجم من يذكره به. وحين يعجز عن أداء واجبه، يتهم صاحب الحق بأنه هو المقصر. وحين يخاف من المحاسبة، يبادر هو بالمحاسبة، حتى لا يبقى للمحاسب مساحة ليسأل، ولا وقت ليعتب، ولا فرصة ليواجه.
إنه يقف دائما في موقع الدفاع، ولكنه دفاع هجومي، دفاع من يصرخ قبل أن يسأل، ويشتم قبل أن يعاتب، ويحتقر قبل أن يحاسب. إنه يعلم أن ولده سيكبر، وسيعقل، وسيفهم، وسيدرك أن أباه لم يقدم له شيئا، فهو يستبق ذلك اليوم، فيحاول أن يشوه صورة الولد في عين نفسه، وفي عين الناس، حتى إذا تكلم الولد يوما، قيل عنه إنه عاق، وإن أباه كان على حق.
وهذا هو جوهر الخديعة: أن يقلب الأب الآية، فيجعل المظلوم ظالما، والمحروم مقصرا، والبار جاحدا، والضحية متهما. أن يزرع في قلب ولده شعورا دائما بالذنب، حتى يظل الولد مشغولا بالدفاع عن نفسه، ناسيا أن يسأل أباه عن حقوقه الضائعة، وعن طفولته المحرومة، وعن شبابه الذي لم يجد فيه سندا.
إن هذا الأب لا يكره ولده، بل يكره صورته في مرآة ولده. لا يحتقر ولده، بل يحتقر نفسه التي يراها في عيني ولده. لا يعاير ولده بفقره، بل يعاير نفسه بعجزه. وكل شتيمة يطلقها على ولده، إنما هي اعتراف غير مباشر بفشله هو. وكل إهانة يوجهها إلى ولده، إنما هي محاولة يائسة للهروب من إهانة أكبر يشعر بها في داخله.
إنه يهرب من الواقع، ويهرب من الحياة، ويهرب من المسؤولية، ويهرب من السؤال، ويهرب من الحساب، ويهرب من نفسه. يهرب بافتعال معركة وهمية مع ولده، حتى لا يخوض المعركة الحقيقية مع ضميره. ويفتعل عيوبا في ولده، حتى ينسى عيوبه هو. ويضخم أخطاء صغيرة لولده، حتى تتوارى أخطاؤه الكبيرة خلفها.
ولكن الحقيقة لا تهرب، والذاكرة لا تنسى، والناس ترى، والولد يعرف.
إن الناس قد عرفت هذه الحيلة، وكشفت هذا القناع، وأدركت أن هذه القسوة ليست تربية، بل هروب، وليست حزما، بل خوفا، وليست رجولة، بل ضعفا. وإن الولد نفسه قد أدرك أن أباه لا يهاجمه لأنه سيئ، بل يهاجمه لأنه يخاف أن يواجه.
إن الولد الصالح البار، الأمين الطيب، الذي لم يفسد، ولم يعق، ولم يتمرد، ولم يطلب فوق طاقته، لا يستحق أن يعامل بالفظاظة، ولا بالمعايرة، ولا بالإهانة، ولا بالاستحقار. إنه يستحق الشكر، ويستحق الاعتذار، ويستحق أن يقال له: عفوا، لقد قصرت في حقك، وخذلتك حين كنت تحتاجني، وتركتك تواجه الحياة وحدك.
أما أن يظل الأب يهاجم، ويشتم، ويحتقر، ويعاير، وهو يعلم أنه هو المقصر، فهذا ليس أبوة، بل تنصل. وليس تربية، بل انتقام من براءة الولد. وليس رجولة، بل هروب جبان من ساحة المسؤولية إلى ساحة الإهانة.
إن الأبوة ليست لقبا يمنح بالولادة، بل أمانة تؤدى بالرعاية. وليست سلطة تمنح بالسن، بل مسؤولية تقاس بالبذل. ومن لم يوفر لولده مسكنا، ولا ملبسا، ولا تعليما، ولا طعاما، ولا نفقة، ثم يأتي ليعايره ويحتقره، فقد جمع بين التقصير والإساءة، وبين الحرمان والإهانة، وبين الخذلان والهجوم.
إن الولد قد كبر، وقد فهم، وقد عرف. عرف أن أباه لم يكن قاسيا عليه لأنه يستحق القسوة، بل كان قاسيا عليه لأنه يخاف من الحقيقة. وعرف أن كل معركة افتعلها أبوه، كانت ستارا يخفي خلفه عجزه. وعرف أن الهجوم لم يكن دليلا على القوة، بل دليلا على الانهزام.
فيا أيها الأب الهارب، إنك لا تخدع ولدك، ولا تخدع الناس، ولا تخدع نفسك إلا قليلا. إن ولدك قد انكشف له أمرك، والناس قد عرفت حيلتك، والتاريخ لن يرحم هروبك. وإنك لو واجهت نفسك ساعة صدق واحدة، لعلمت أنك لا تحتاج إلى أن تهاجم ولدك لتدافع عن نفسك، بل تحتاج إلى أن تعتذر إليه، وأن تعترف بتقصيرك، وأن تسترد ما بقي من كرامتك بالصدق، لا بالهجوم.
فالاعتذار شجاعة، والاعتراف رجولة، والمواجهة أبوة. أما الهروب بالشتيمة، والاحتماء بالإهانة، والتستر بالاحتقار، فليس إلا إعلان صريح بأن الأب قد أفلست حجته، وانهزمت نفسه، ولم يبق له إلا أن يصرخ، حتى لا يسمع صوت ضميره.

مساحة إعلانية