مساحة إعلانية
في عتمة البدايات وخطواتنا الأولى المتعثرة على دروب الحياة، يرسخ القدر في طريقنا أرواحاً نقية لم نكن نملك حق اختيارها، لكنها كانت أعظم ما جاد به الزمان علينا.
أشخاص ساقهم إلينا لطف الخالق في ريعان الشباب، ليكونوا الأمان حين ترتجف الخطى، والمعلمين حين تتوه الرؤية، والقدوة التي نقتفي أثرها وسط ضباب الأيام
إنهم تلك الصحبة الصالحة التي لم تبخل يوماً بمد يد العون، ولم تتركنا نواجه عواصف العمر بمفردنا؛ فكانوا بمثابة منارات مضيئة تُهدي القلوب الحائرة، وسنداً خفياً نتكئ عليه كلما أثقلتنا الدنيا، لتبقى ذكراهم محفورة في وجداننا كأجمل هدايا القدر التي لا يمحوها غياب ولا يغيرها رحيل
وفي تفاصيل حكايتي وخطواتي الأولى، تجسد هذا اللطف الإلهي بأبهى صوره، عندما أكرمني الله في مقتبل العمر بمعرفة ومصاحبة رجلٍ ترك في نفسي أثراً لا يمحوه الزمن؛ انه المهندس الخلوق «مختار»، سليل الأكابر وابن العالم الجليل «حسانين شبكة» مختار حسنين شبكه .
لقد كان هذا اللقاء علامة فارقة في حياتي، ومحطة صاغها القدر بعناية، فلم يكن «م. مختار » مجرد صديق عبرتُ معه دروب الشباب، بل كان تجسيداً حياً لمعاني الأخلاق الرفيعة، ونموذجاً يُحتذى به في النبل والشهامة التي استقاها من بيت علمٍ وفضل.
في حضوره، تعلمتُ كيف يكون السند حقيقياً دون زيف، وكيف تكون الصحبة الصالحة دافعاً للارتقاء والنجاح، لتظل تفاصيل تلك الأيام الطيبة مغلفة بالدفء والشجن، وشاهداً حياً على أن الله إذا أراد بعبده خيراً، ساق إليه أتقى خلقه ليكون له عوناً ونوراً
ورغم فارق السن والمكانة في هذه الفترة، حيث كان المهندس مختار يتبوأ مركزاً رفيعاً كنائب رئيس الوحدة المحلية لمدينة ومركز دمياط، ووكيل ثم رئيس نادي دمياط العريق، بينما كنت أنا مجرد شاب صغير فى بداية العشرينات يبدأ طريقه كعضو تحت السن في النادي، إلا أن نبل أخلاقه وتواضعه الجم أذاب كل تلك الفوارق. لم يتصرف يوماً بمنطق المنصب أو الهيبة، بل فتح لي قلبه وعقله قبل مكتبه، وغمرني باحتواء الأب وحكمة المعلم وحرص الأخ الأكبر.
كان يرى في طاقة الشباب، فكان يوجهني برفق، ويمهد لي الصعاب، ويثبت في نفسي الثقة، ليعلمني أن المناصب تزول وتبقى السيرة الطيبة واليد البيضاء التي تمتد للآخرين دون مقابل
لقد كان المهندس مختار نموذجاً فريداً في العطاء والإدارة، يُقسّم وقته بشكل مذهل يُثير الدهشة والاحترام؛ ففي ساعات النهار تجده شعلة نشاط في الشارع الدمياطي، يتنقل بين أحياء المدينة الأربعة، مراقباً بدقة، وموجهاً بحكمة، ومنفذاً على أرض الواقع بكل إخلاص.
وما إن ينتهي واجب الوظيفة، حتى تجده يتابع التدريبات الرياضية، مهتماً بكل صغيرة وكبيرة في نادي دمياط، قريباً من اللاعبين والجمهور على حد سواء. وحين يرخي الليل سدوله، يتحول مكتبه إلى منتدى سياسي واجتماعي ورياضي نابض بالحياة، يجمع فيه القلوب والعقول، ويناقش قضايا الوطن والبلد بحس وطني غيور، ليثبت للجميع أن المسؤولية بالنسبة له لم تكن يوماً مجرد كرسي، بل رسالة يومية تُعاش بكل تفاصيلها
وبفضل جهده الدؤوب وحكمته الفذة، استطاع المهندس مختار أن يقود سفينة نادي دمياط ببراعة، مستنداً إلى رؤية إدارية واعية تقوم على توزيع الأدوار بذكاء بين جميع أعضاء مجلس الإدارة، وترسيخ العمل بروح الفريق الواحد. وبهذه الخلطة السحرية من التخطيط المدروس والعمل المخلص، تحقق الحلم الأكبر وصعد نادي دمياط إلى الدوري الممتاز بأقل التكاليف المالية، مقدماً درساً في أن الإرادة والعقل يصنعان الفارق دائماً. ولم يتوقف قطار عطائه عند حدود النادي، بل استمرت رحلته القيادية ليتولى رئاسة مجلس مدينة الروضة، ثم مستشاراً هندسياً لمحافظ دمياط. ورغم تعاقب السنوات وتوالي تلك المناصب الرفيعة التي تزيد الرجال هيبة، لم تغيره الأيام قط ولم يتسلل الكبر إلى نفسه النقية؛ فظل هو نفسه الرجل البسيط، والناصح الأمين، والنور الهادئ الذي ينير لك الطريق كلما أظلمت الدنيا
ولن تنسى الذاكرة أبداً ما حُفر في عمق الوجدان بعد نهاية رحلتنا مع نادي دمياط؛ ففي الوقت الذي قد يتوارى فيه الآخرون، تجلى نبل المهندس مختار في أبهى صوره وهو يقف معي وقفة الأخ الصادق، ويشركني في جلساته الخاصة والنخبوية مع أاصدقائه من قادة الفكر والرؤية في دمياط. كانت تلك اللقاءات بمثابة مدرسة موازية صقلت وعيي، حيث كانت تضم قامات رفيعة الشأن؛ معالي النائب محمد البيلي، والأستاذ عبد المنعم الشرقاوي عليه وعلى والدي سحائب الرحمة والمغفرة من الله ، والأستاذ رضا الرشيدي سكرتير عام المحافظة. ولم يكتفِ المهندس مختار بفتح أبواب المعرفة لي وسط هذه النخبة، بل كان الداعم الأول والمحرك الأساسي في خطوتي السياسية الأولى، حين تبناني ودعمني بقوة لدى معالي النائب القدير السيد أبو عبد الله، عضو مجلس الشعب في ذلك الوقت، ليثمر هذا الدعم وهذا التوجيه الحكيم عن اختياري عضواً بمجلس محلي مدينة دمياط، في انطلاقة مدينُ فيها بفضله بعد الله
وفي ختام هذا البوح الذي تفيض به أروقة الروح شجناً وعرفاناً، أجدني أقف أمام قامة المهندس «مختار» وقفة تلميذٍ يُدرك أن الكلمات أضعف من أن تزن القلوب. إن مشاعر الامتنان التي أكنّها لك يا أخي وحبيبي الأكبر، ليست مجرد سطور تُكتب، بل هي نبضات قلبٍ لا ينسى يداً امتدت إليه في عتمة الطريق، ولا عيناً حرسته بنور نصحها ودعمها حين كانت الخطى تتحسس أولى دروب الحياة والعمل العام
لقد كنت في حياتي كالنجم الهادي الذي لا يأفل، والقلب الكبير الذي اتسع لأحلامي الغضّة فاحتضنها برفق الأبوة وحرص الأخوة الصادقة.
مهما تعاقبت الفصول وتغيرت الوجوه، ستظل تفاصيل تلك الأيام الطيبة محفورة في وجداني بمدادٍ من نور، وستبقى ذكراك الطيبة في قلبي عِطراً لا يجف، تذكره النفس بكل حب وفخر، وتلهج به الألسن بالدعاء أن يجزيك الله عنا خير ما يجازي به عباده الصالحين، وأن يبارك في عمرك وصحتك، شكراً لقلبك النبيل الذي جعل من رحلتي معك أجمل محطات العمر، ودمت دائماً السند الذي لا يميل، والنور الذي يضيء لنا الحياة