مساحة إعلانية
بقلم :شحاته زكريا
فضيلة الإمام الطيب سلام الله عليكم ورحمته وبركاته..
أكتب إليك لا بصفتي محللا ولا باحثا بل بقلب أب استبد به القلق وبيتٍ مصري بات يسكنه التوجس منذ أن طرقت مسامعنا ملامح نظام البكالوريا الأزهرية. أكتب إليك بعدما أغلقت باب غرفة ابني الليلة الماضية ورأيت في عينيه تلك النظرة التي تنكسر عندها آمال أي والد: نظرة تشتت وحيرة أمام جبل من الكتب والقرارات التي لا يدرك كيف السبيل إلى اجتيازها يا فضيلة الإمام لقد ربينا أولادنا على حب هذا الصرح العظيم وعلمناهم منذ نعومة أظفارهم أن حمل كتاب الله بين جنباتهم هو تاج شرف وبركة لا تعادلها الدنيا. كنا نفخر بأن الطالب الأزهري يحمل همين شريفين: هم علوم الدين واللغة الأصيلة وهم مواكبة العلوم الحديثة. تحملنا كل المشاق ونحن نرى أبناءنا يقطعون ساعات طوالا بين حفظ المتون ودراسة الفقه والحديث راضين ومحتسبين لأننا نعلم قيمة هذه الهوية وأثرها في بناء العقل والوجدان لكن ما يراد فرضه اليوم باسم التطوير كاد أن يكسر ظهر هذا الطالب الذي لا يتجاوز عمره الخامسة عشرة. كيف نطلب من فتى غض الإهاب أن يستوعب مقررات الأزهر الثقيلة بأصالتها ثم نثقل كاهله بنظام بكالوريا يزيد من أعبائه بدلا من أن يخففها؟ كيف نحرم ولدا لا يملك أدنى موهبة في المعادلات والرياضيات من حقه في اختيار مسار أدبي مبكر ينسجم مع قدراته ثم نلزمه بكل ما يرهب ويشتت في عامه الأول كأنما ندفعه دفعا إلى دوامة الفشل أو نلجئه مرغمين إلى استنزاف الدروس الخصوصية التي لم تعد البيوت تطيق تكاليفها؟
إننا لسنا ضد التحديث يا مولانا لكن التطوير الحقيقي هو الذي يحرر عقل الطالب ويبعث فيه الشغف لا الذي يحشره في زاوية الضغط النفسي ويجرده من متعة التعلم. إن ما يحتاجه أولادنا اليوم ليس زيادة المواد وتزاحم المسارات بل نظرة رفق تعيد توزيع الأعباء بما يناسب الطبيعة الخاصة للأزهر الشريف بحيث لا يُظلم هؤلاء الفتية مقارنة بأقرانهم في التعليم العام ولا تهدر أعمارهم في صراع يومي مع كثافة لا تترك لهم وقتاً لفهم ولا لتدبر.
حضرتك أب لكل هؤلاء الطلاب قبل أن تكون إماما لهم وقلبك كان دوما أرحم بالناس من حسابات المكاتب وقرارات اللجان. أنقذوا أبناءنا يا فضيلة الإمام وأعيدوا النظر في هذا النظام قبل أن يتحول التطوير إلى عبء لا طاقة للبيوت بحمله.