مساحة إعلانية

منبر

وزاراتنا

ننشر كلمة وزير الأوقاف أمام مؤتمر مدرسة ترمذ للحديث «تراث العلماء والدراسات المعاصرة"

2026-07-09 04:28 PM  - 
ننشر كلمة وزير الأوقاف أمام مؤتمر مدرسة ترمذ للحديث «تراث العلماء والدراسات المعاصرة"
وزير الاوقاف

كتب: مرتضي العمدة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد أصحاب المقام الرفيع السيد الدكتور إرغاش دامينوف - الموظف المسئول في إدارة رئيس جمهورية أوزبكستان... السيد دلشاد مامدقولوف – نائب رئيس لجنة الشئون الدينية بجمهورية أوزبكستان... المنصة الموقرة بمن فيها من العلماء النبلاء... الحضور الكرام... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يسعدني أن أكون معكم اليوم في هذه المدينة العريقة والعظيمة والعزيزة لدى العالم العربي والإسلامي، في رحاب ترمذ العريقة والعزيزة والغالية لافتتاح، أعمال المنتدى الدولي الأول للحضارة الإسلامية؛ الذي اخترتم له عنوان "مدرسة الحديث في ترمذ: تراث العلماء والدراسات المعاصرة" في هذا الملتقى الدولي الرابع للمدرسة. والحقيقة أن هذا الملتقى شديد الأهمية لأنه يحمل عددًا من الرسائل... • الرسالة الأولى: أن هذه المدينة لها رمزية كبيرة وعظيمة لدى كل أبناء الإسلام مشرقًا ومغربًا؛ فما من طالب علم يقرأ تراث أهل الإسلام إلا يجد كلمة "بلاد ما وراء النهر" تذكر بفخر وإعزاز وإكبار. وأول محطة يهبط بها القاصد في تلك البلاد هي مدينة ترمذ.. من هنا انطلق شعا الإسلام إلى العمق الآسيوي... من هنا عبرت أقدام الصحابة والتابعين (رضي الله عنهم)... من هنا تراكمت علوم أهل الإسلام جيلاً وراء جيل؛ مما مهد لتحويل ترمذ إلى مدرسة كبرى من مدارس العلم في تاريخ الإسلام. ولقد تبوأت ترمذ مكانتها بفضل أبنائها العلماء المخلصين الأفذاذ العباقرة؛ ونذكر بكل إكبار وإعزاز الحكيم الترمذي (رحمه الله)، وشيخ المحدثين محمد بن عيسى الترمذي (رحمه الله). هذه المدينة العريقة خرجت لنا هؤلاء الإعلام الذين أبدعوا وصنعوا تراثا وعبقرية عابرة للحدود، شرقت وغربت، حتى صارت بلاد الإسلام لا يدرس فيها علم الحديث إلا وذكر الترمذي. • الرسالة الثانية: أن الإمام الحافظ محمد بن عيسى بن سورة الترمذي البوغي كان نموذجًا فريدًا بين علماء الإسلام وحفاظ الحديث... سطرت له في تاريخ المحدثين صفحات ناصعة تدل على عبقرية وحفظ ونقد ومعرفة ورحلة واسعة ومقدرة ذهنية خارقة وبراعة وابتكار في التأليف والتصنيف؛ حتى جاء كتابه سنن الترمذي شديد التفرد والتميز حتى بين أقرانه وأنداده من أئمة الحديث. ولقد وعينا العلم في أرض الكنانة -مصر- في رحاب الأزهر الشريف، ونعي من شيوخنا وشيوخهم أن أول ما ينبغي أن ينشغل به طالب الحديث ليس صحيح البخاري الذي له الدرجة الأولى والمكانة السامقة التي لا يسبقه إليها أحد؛ بل كان شيوخنا ينصحوننا بتقديم سنن الترمذي لأسباب منها: (1) أن سنن الترمذي تُحدث عند المبتدئ من طلاب الحديث أنسًا ودراسةً وإلمامًا ودرايةً بالحديث؛ لأن الإمام في سننه يحكم على الحديث بأنه صحيح أو حسن أو حسن غريب، وغيرها من الأحكام المتفردة في تلك السنن. أما الإمام البخاري -رائد مدرسة الصحة- فلم يحتج إلى ذكر درجة الصحة، لا هو ولا غيره من السادة العلماء المسندين. لكن الإمام الترمذي أحدث صنيعًا فريدًا مبتكرًا بإثبات الحكم على كل حديث بدرجته، وبأحكام دقيقة محكمة؛ فتحدث بذلك أنسًا ودربةً عند طلاب الحديث بالحديث ودرجاته النقدية. (2) أن الإمام الترمذي كان حريصًا أن يورد عقب كل حديث من اختلف فيه من المجتهدين؛ ليقدم بذلك لمحة موجزة مقتضبة وسريعة تشير إلى اختلاف المجتهدين من حيث الاستنباط من الحديث، كالإمام الشافعي والإمام إسحق بن رهويه وغيرهما من أئمة الحديث، فيحدث ذلك لدى طالب العلم بدايةً ومدخلاً للإلمام بمدارك الأئمة المجتهدين في استنباط الحديث. (3) أن الإمام الترمذي يعقب كل حديث بمن روي عنه شيئًا من هذا الحديث، فكأنه يضع بين يدي طالب الحديث مشهدًا علويًا بانوراميًا يضع به بين يديه المفاتيح بكل ما ورد عن الرواية من هذا الحديث. إلى غير ذلك من المزايا المتفردة التي تجعل سنن الترمذي في طليعة كتب الحديث الكبرى في تاريخ الإسلام، وقد ولد ونبت لحمه في هذه الأرض الطيبة التي نحن فيها الآن؛ وجعلت منه صاحب تفرد خاص وعبقرية خاصة. هذه الأرض الطيبة، وهذا الهواء الطيب وهذا الماء الطيب، والأهل السادة الكرام هنا، لديهم المقومات التي صنعت العبقرية في الماضي وإن شاء الله تصنعها في المستقبل. • الرسالة الثالثة: أن الحكم الترمذي من الرواد الأوائل في علم مقاصد الشريعة؛ ذلك العلم الجليل الذي يأتي فيه سابقًا في الزمن على أئمة علماء مقاصد الشريعة الأفذاذ كالعز بن عبد السلام والجويني والقرافي وحجة الإسلام الغزالي، وابن إسحاق الشاطبي؛ وعلى رأسهم جميعًا كما قلت الإمام العز (إمام هذا العلم وصانعه في أركانه الواضحة). • الرسالة الرابعة: أن الحكيم الترمذي لم يكن مبتكرا مقاصديًا فقط، بل كان صاحب تأصيل ونظرية وابتكار وفتح ونظرية خاصة به في "ختم الولاية"، وقد نسج عليها الإمام الأكبر محيي الدين بن عربي وأكابر هذا المشرب الشريف. • الرسالة الخامسة: أن حاضرة ترمذ لها هذه المكانة السامية في قلوبنا، والأزهر الشريف مرتبط بسنن الترمذي بقدر ما هو مرتبط بكتابه في العلل، وقد ارتبطنا بالإمام أيضًا من خلال كتابه "الشمائل المحمدية" بما له خصوصية شديدة. لذا عنيت بهذا الكتاب في سماعه وتلقيه على يد شيوخنا ثم تدريسه. تلقيته أول ما تلقيته من مسند هذا العصر، سيدي عبد الرحمن بن مسند الدنيا عبد الحي الكتاني، وتلقيت عنه هذا الكتاب (الشمائل) سماعًا عليه في بيته بمدينة فاس في المملكة المغربية. ثم تلقيته عن شيخنا محمد شعيب المرداني، ثم عن جملة من مشايخنا مشرقًا ومغربًا، ثم أقمت بعد ذلك على إقراء هذا الكتاب وتدريسه فدرسته في الجامع الأزهر الشريف وعقدنا له مجلسًا لختمه كان حافلاً وحاشدًا لألوف من الطلاب وعشرات من العلماء. ثم دعيت لتدرسيه في بريطانيا قبل نحو خمس سنوات، ثم في إندونيسيا فدرسته هناك، ثم في ماليزيا فدرست نصفه حتى انقضى أجل الإقامة، فعدت بعد سنتين إلى ماليزيا وأكملت تدريس الكتاب هناك بفضل الله تعالى. هذا نموذج من ارتباطنا في الأزهر الشريف بالنتاج العلمي من هذه الأرض الطيبة. ترمذ. واليوم، أضع خطواتي على أرض هذا البلد الطيب برهبة المحبة والتقدير والإكبار لهذا البلد الذي خرج هؤلاء العظام العباقرة. وأتشرف اليوم بزيارة مرقد الإمام الحيكم وفجر الغد أتشرف بزيارة مرقد الإمام أبي عيسى الترمذي؛ لأظل طوال عمري أستاذًا بالأزهر الشريف ووزيرًا، ومن قبل ذلك وبعده طالبًا للعلم، فخورًا أنني كنت في يوم من الأيام بجوار مرقده الشريف في بلده العظيم؛ ترمذ. ختامًا، على بركة من الله وبتوفيق منه تعالى تنطلق أعمال المنتدى الدولي الأول للحضارة الإسلامية؛ بعنوان "مدرسة الحديث في ترمذ: تراث العلماء والدراسات المعاصرة". والغرض منه أن نلفت أنظار طلاب العلم من الأطفال والشباب في مدن ترمذ وطشقند وسمرقند وفي كل أوزبكستان العظيمة، وفي أرض الكنانة مصر والأردن وإندونيسيا والهند وآسيا وأوروبا وإفريقيا، وغيرها، نلفت الأنظار لينسجوا على منوال هذا الإمام وليصنعوا من العبقرية والابتكار والعلم والابتكار والمعرفة في مختلف الميادين، كعلم الكلام والفقه وعلم الكلام (وإمامه الماتريدي) والرصد الفلكي (كما في تراث أولوف بك)، ومراصد الفلك العظيمة في تاريخ الإسلام، والسعي في رعاية المهن والطب والذكاء الاصطناعي وتنظيم الاستفادة من تكنولوجيا هذا العصر وتقنياته من أجل صناعة مجد جديدة وعبقرية جديدة وإبداع جديد تظل به ترمذ وطشقند وسمرقند والقاهرة وجاكرتا وعواصم ومدن الإسلام العظيمة منابعَ ومدارسَ للنور والعلم. وختاما، من أرض الكنانة والأزهر الشريف، أنقل لكم تحية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أخيه فخامة الرئيس شوكت مرضيائيف، داعين الله لمصر وأوزبكستان ولبلادنا وأوطاننا كلها أن تظل -إلى آخر الزمان- صانعة للحضارة وبانية للإنسان ومؤتمنة على مواريث النبوة. شكرًا لكم، وأعتذر عن الإطالة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مساحة إعلانية