مساحة إعلانية
أَيَا قَلْبِي المَجْرُوحَ، حَتَّامَ نَظْعَنُ؟
وَفِي أَيِّ أَرْضٍ بَعْدَ هَذَا نَطْمَئِنُّ؟
تَطُوفُ بِيَ الآفَاقَ وَالجُرْحُ رَاهِنٌ
كَأَنَّكَ لِلأَحْزَانِ وَالوَجْدِ مَوْطِنُ
تَسَاءَلْتَ بَيْنَ النَّاسِ: أَيْنَ أَلُوذُ بِي؟
تَقَضَّى رَبِيعُ العُمْرِ وَالجُرْحُ يَرْعَفُ
وَفِي أَضْلُعِي قَلْبٌ عَنِ الحُبِّ يَصْرِفُ
أَطُوفُ بِأَطْرَافِ المَدِينَةِ حَائِرًا
وَأَسْأَلُ عَنْ دَرْبٍ لِأَيَّامِيَ يَعْرِفُ
أَيَا قَلْبِيَ المِسْكِينَ، لِي مَعَكَ الهَوَى
طَوِيلٌ، وَهَذَا اللَّيْلُ كَالْمَوْتِ يَعْصِفُ
عَلَى كُلِّ بَابٍ قَدْ وَقَفْنَا لِلَحْظَةٍ
نَنُودُ كَأَغْصَانٍ بِهَا الرِّيحُ تَعْزِفُ
فَمَا وَجَدَتْ عَيْنَاكَ مَأْوًى وَلا حِمًى
وَلا رَفَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاوَاتِ يُسْعِفُ
تَسَاءَلْتَ: أَيْنَ السَّيْرُ؟ وَالأَرْضُ قَفْرَةٌ
وَكُلُّ خِطَابٍ فِي مَدَى العِشْقِ مُجْحِفُ
تُرِيدُ رَحِيلاً لا نِهَايَةَ كُنْهِهِ
وَتَبْغِي سَمَاءً مِنْ شَجَاكَ تُخَفِّفُ
نَسِيرُ بِلا وَجْهٍ، وَنَكْتُمُ لَوْعَةً
تَكَادُ بِأَسْرَارِ النَّوَى تَتَكَّشَفُ
وَنَبْكِي عَلَى الأَمْسِ الَّذِي صَارَ كَالصَّدَى
فَلا قُرْبَ يُرْجَى، لا وَلا العَطْفُ يَعْطِفُ
صَبَرْتُ عَلَى البَلْوَى، فَيَا قَلْبُ وَيْحَنَا
أَنَمْضِي نَجُوبُ الأَرْضَ، أَمْ نَتَوَقَّفُ؟
سَأَطْوِي زَمَانًا سَامَنِي الهَمَّ، مِثْلَمَا
يُطَوَّى كِتَابٌ فِي سُكُونٍ وَيُغْلَفُ
فَإِنَّ خِتَامَ السَّيْرِ، أَنْ نَقْبَلَ المَدَى
وَنَمْشِي سَوِيًّا، حَيْثُ لا رِيحَ تَعْرِفُ
وَهَلْ ثَمَّ أَرْضٌ عَنْ عَذَابِيَ تُعْرِبُ؟
نَسِيرُ وَلا دَرْبٌ يَلُوحُ لِخَطْوِنَا
وَلا شَاطِئٌ بَعْدَ العَوَاصِفِ يَقْرُبُ
فَيَا قَلْبِيَ المِسْكِينَ، هَبْنِي نَصِيحَةً
أَنَرْتَحِلُ اليَوْمَ المَدَايِنَ… أَمْ نَفْنَى؟
أَيَا قَلْبِي المِسْكِينَ، أَيْنَ أَسِيرُ؟
وَدَرْبِي طَوِيلٌ، وَالزَّمَانُ عَسِيرُ!
فَلَمْ يَبْقَى لِي بَعْدَ السُّؤالِ سِوَى الصَّدَى
وَنَبْضٌ عَلَى كَفِّ الخَطِيئَةِ بُورُ
فَدَعْنِي أُلَامِسْ فِي المَدَايِنِ ظِلَّنَا
لَعَلَّ الشَّقَاءَ السَّرْمَدِيَّ يَزُولُ
وَنَمْضِي، وَإِنْ جَارَتْ عَلَيْنَا لَيَالِيَنَا
فَمَا بَعْدَ أَعْمَاقِ الظَّلَامِ نُشُورُ!
تَعَبْنَا مِنَ التَّرْحَالِ فِي كُلِّ بُقْعَةٍ
وَكُلُّ خِتَامٍ لِلرَّحِيلِ سَعِيرُ
نَسِيرُ بِلا مَأْوًى، وَنَبْحَثُ عَنْ حِمًى
وَهَلْ لِغَرِيبٍ فِي الحَيَاةِ نَصِيرُ؟
سَأَلْتُكَ: هَلْ نَمْشِي أَمِ المَوْتُ هَهُنَا؟
فَما رَدَّ صَوْتٌ، وَالظَّلامُ يَدُورُ!
سَنَمْضِي وَإِنْ حَارَتْ بِسَيْرِيَ خُطْوَتِي
وَإِنْ هَدَّ أَرْكَانَ الفُؤَادِ جَفَافُ
وَإِنْ لَمْ نَجِدْ بَيْنَ الخَلَائِقِ مَأْمَنًا
فَفِي أَبْحُرِ الأَشْعَارِ ثَمَّ مَطَافُ
تَسَلَّمْ لِأَقْدَارِ الحَيَاةِ وَلا تَسَلْ
فَكُلُّ طَرِيقٍ يَنْتَهِي، وَيُطَافُ!
سَأَسْكُبُ فِي خَطْوِي بَقَايَا رَجَائِنَا
وَإِنْ جَفَّ فِي عَيْنِ المُنَى التَّبْشِيرُ
وَنَكْتُبُ فِي سِفْرِ الـمَنَاهِجِ قِصَّةً
يَطُوفُ بِهَا قَلْبٌ لَدَيْهِ حَنِينُ
فَإِنْ أَنْكَرَتْنَا الأَرْضُ أَوْ غَابَ ظِلُّنَا
فَفِي أَعْيُنِ الشَّعْرِ العَلِيِّ نَكُونُ!
فَكُنْ كَالصَّدَى يَمْضِي وَلا يَشْتَكِي المَدَى
وَكُنْ كَالْمُنَى… شَوْقٌ بِهِ نَشَفَافُ
وَدَعْنَا نُغَنِّي لِلرَّحِيلِ بَلا أَسَىً
فَكُلُّ غَرِيبٍ فِي الـمَنَايَا يُطَافُ
سَنُغْلِقُ بَابَ الوَجْدِ بَعْدَ طَوَافِنَا
وَيَبْقَى شَجَانَا فِي السُّطُورِ يَطُوفُ!
وَنُلْقِي بِأَعْبَاءِ السِّنِينِ عَلَى المَدَى
فَلَيْسَ لَنَا بَعْدَ الشَّقَاءِ كَفِيفُ
وَكَمْ شَاقَنَا بَدْرٌ يَغِيبُ مَسَاؤُهُ
وَكَمْ صَدَّنَا رَوْضٌ، وَهُوَ خَرِيفُ
فَيَا قَلْبُ، حَسْبُكَ مِنْ طَوَافِكَ عَبْرَةٌ
إِذَا نَامَتِ الدُّنْيَا… سَأَنْتَ رَغِيفُ!
فَدَعْنَا نَنَمْ، فَاللَّيْلُ حَانَ خِتَامُهُ
وَفِي غَدِنَا… طَيْرٌ يَعُودُ، شَفِيفُ!
تَعَبْنَا مِنَ الإِبْحَارِ فِي غَيْرِ مَوْجِنَا
وَحَسْبُ الغَرِيبِ المَكْلُومِ رَغِيفُ
سَنُطْفِئُ قَنَادِيلَ الأَذَى فِي ظَلاَمِنَا
وَنُمْسِي كَظِلٍّ فِي الأَثِيرِ خَفِيفُ
فَلا عَتَبٌ يَبْقَى، وَلا الشَّوْقُ جَامِحٌ
وَلا خَاطِرٌ بَعْدَ المَسَاءِ كَسِيفُ
وَنَطْوِي حِكَايَاتِ الشَّجَنِ بِصَمْتِنَا
كَأَنَّا عَبَرْنَا… وَالأَنَامُ وُقُوفُ!
سَنَطْوِي دَفَاتِرَنَا وَنَمْضِي كَأَنَّنَا
رِيَاحٌ عَلَى جَمْرِ المَنَايَا تَصُولُ
إِذَا أَنْكَرَتْنَا الأَرْضُ، أَوْ ضَاقَ صَدْرُهَا
فَإِنَّا عَلَى هَامِ السَّحَابِ نَنُزُولُ!
فَلا حَاجَةً لِلأَرْضِ كَيْ تَعْرِفَ المَدَى
وَلَيْسَ لِقَلْبٍ كَالثُّرَيَّا ذُهُولُ
مَضَيْنَا… وَمَا هُزَّتْ لَنَا أَيُّ هَامَةٍ
وَيَبْقَى صَدَانَا فِي الزَّمَانِ يَصُولُ!