مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

قضايانا

محكمة النقض: تسجيل الإهانة حق مشروع والخصوصية لا تحمي المعتدي

2026-01-31 06:31 AM  - 
محكمة النقض: تسجيل الإهانة حق مشروع  والخصوصية لا تحمي المعتدي
محكمة النقض - صورة أرشيفية
منبر

تقرير : صابر جمعة سكر
في تطور قضائي بالغ الدلالة، حسمت محكمة النقض الجدل القانوني حول مشروعية تسجيل المكالمات الهاتفية في جرائم السب والقذف وإساءة استعمال وسائل الاتصالات، مؤكدة أن المجني عليه الذي يتعرض للإهانة أو الإزعاج يملك حق تسجيل المكالمة دون حاجة إلى إذن قضائي، طالما كان طرفًا أصيلًا في الاتصال.
جاء ذلك في حكمها الصادر في الطعن رقم 10540 لسنة 91 قضائية – جلسة 17 ديسمبر 2022، وهو حكم لا يقتصر أثره على واقعة بعينها، بل يؤسس لاتجاه قضائي واضح يعيد رسم التوازن بين حماية الخصوصية وحماية الكرامة الإنسانية في العصر الرقمي.
أولًا: الخصوصية في ميزان القضاء… حماية وليست ستارًا
أكدت محكمة النقض أن الضمانات التي قررها قانون الإجراءات الجنائية بشأن تسجيل المكالمات، ولا سيما المادة 95 مكرر، إنما تهدف إلى حماية خصوصية الأحاديث التي تجري بين الغير، لا إلى توفير ملاذ آمن لمن يتعمد توجيه السب أو القذف أو الإزعاج.
وقررت المحكمة أن تسجيل المجني عليه لما يوجه إليه من إساءات لا يُعد اعتداءً على الحياة الخاصة، بل يدخل في نطاق الدفاع المشروع عن الحق في الكرامة، باعتباره وسيلة لإثبات الجريمة لا أداة للتجسس.
وبهذا التفسير، وضعت المحكمة حدًا لمحاولات التحايل التي كانت تُوظف مفهوم الخصوصية كدرع للإفلات من العقاب.
ثانيًا: اعتراف قضائي صريح بالأدلة الرقمية
كرّس الحكم مبدأً بالغ الأهمية في التعامل مع الأدلة المستمدة من وسائل الاتصال الحديثة، إذ أكدت محكمة النقض أن القاضي الجنائي غير مقيد بقواعد الإثبات المدنية، وله أن يُكوّن عقيدته من أي دليل يطمئن إليه وجدانه، متى كان له أصل ثابت بالأوراق.
وأوضحت المحكمة أن:
مجرد جحد المتهم للصور الضوئية للمراسلات الإلكترونية (مثل رسائل التطبيقات أو لقطات الشاشة) لا يؤدي بذاته إلى إهدار قيمتها.
للمحكمة أن تعزز هذه الأدلة بقرائن أخرى، كتحريات المباحث أو الفحص الفني.
وهو ما يعكس إدراكًا قضائيًا لطبيعة الجرائم الإلكترونية، التي يصعب غالبًا إثباتها بالأدلة التقليدية وحدها.
ثالثًا: سلطة المحكمة في تقدير التحريات والتقارير الفنية
أوضحت محكمة النقض أن تحريات الشرطة تظل عنصرًا معتبرًا في تكوين عقيدة المحكمة، متى جاءت منضبطة ومتسقة مع باقي الأدلة، كما أكدت أن للمحكمة الحرية الكاملة في تقدير تقارير الخبراء الفنيين، دون التزام بالرد على كل دفع فني، طالما اطمأنت إلى النتيجة التي انتهت إليها.
ويعكس هذا الاتجاه تعزيزًا لدور القاضي الجنائي بوصفه قاضيًا للواقع والقانون معًا، لا مجرد مُقيِّم شكلي للأدلة.
رابعًا: العقوبة ورسالتها الردعية
في الواقعة محل الحكم، أُدين المتهم بتهمة تعمد إزعاج المجني عليه بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات، وقُضي بحبسه ستة أشهر مع الشغل، وتغريمه عشرين ألف جنيه، مع إلزامه بتعويض مدني مؤقت قدره عشرة آلاف جنيه.
وأيدت محكمة النقض الحكم ورفضت الطعن، ليصبح نهائيًا وباتًا، في رسالة واضحة مفادها أن الجرائم اللفظية المرتكبة عبر الهاتف أو الوسائط الحديثة لم تعد جرائم هامشية، بل أفعال يعاقب عليها القانون بجدية.
: من حماية الخصوصية إلى حماية الكرامة..
نري ان هذا الحكم يمثل انتقالًا نوعيًا في الفكر القضائي المصري، من التركيز الضيق على الخصوصية الشكلية، إلى تبني مفهوم أوسع للعدالة يوازن بين الحقوق، ويضع كرامة الإنسان في قلب الحماية الجنائية.
كما ينسجم الحكم مع التحولات الاجتماعية والتكنولوجية، حيث لم تعد الإهانات تُرتكب وجهًا لوجه فقط، بل عبر الهواتف والشاشات، بما يستدعي أدوات إثبات مرنة دون المساس بالضمانات الأساسية.
خلاصة التقرير
حسمت محكمة النقض الجدل، وأغلقت بابًا واسعًا كاناا يُستغل للتهرب من المساءلة، مؤكدة أن:
من يُهان عبر هاتفه يملك حق إثبات الجريمة.
الخصوصية لا تحمي السبابين.
الأدلة الرقمية أصبحت عنصرًا أصيلًا في العدالة الجنائية.

مساحة إعلانية