مساحة إعلانية
يحني ساقيه قليلًا للأمام، يتقوّس جذعه تحت وطأة حمله الثقيل، يشدّ الخطى يكاد يهرول، تتلألأ على جبينه حبات العرق، ما تلبث أن تتجمع كشلال يفيض على الأسفلت الملتهب، والذي يذوب تحت سهام الشمس الغير رحيمة بهما، فتحيله بحرًا من سراب يتراقص أمام عينيه، ذراعه اليمنى في حركتها الدؤوب كمجداف يدفعه للأمام، يعبر البوابة الحديدية الشاهقة ثم ينعطف يمينًا بمحازاة السور، تتشبّث يده اليسرى بعشرة ألواح خشبية محمولة على كتفه الأيسر، يكاد عقدهم ينفلت من قبضة ذراعه القصيرة، يلمح نقطة النهاية بطرف عينه فيصيبه بعض الاطمئنان، بضع خطوات ويستريح لكن حمله يزداد ثقلًا، يجزّ أسنانه فتتراكم التجاعيد على جبينه وتكتسي صفحة الوجه بتكشيرة الوجع، يتشبّث بحمله الذي بدأ سلسلة التمرد على زنده الضعيف، يجدّف بيده اليمنى ويضرب الهواء بكل قوته، خطوتان بل ثلاث ويبلغ شاطئ غايته، يلقي بالألواح عنوة ليزيح الجبل الرابض عن كاهله، فيحدث صوتًا كالرعد، يصرخ فيه المقاول شمندي:
-هاتكسر الخشبات يا ولد المحروق.
فيجيب بدون اكتراث: (تقال) يا مقاول.
يرميه المقاول (بطفشة) من الخشب وهو يقول: تقال؟! ما تأكلش كدّهم دول يا ولد العاجزة؟
لا يهتم بوابل السباب الذي اعتاد عليه منذ أن التحق بالعمل عند المقاول (شمندي)، بل يراه اليوم أكثر تهذيبًا فلم يتطرق كعادته بالسباب إلى أبيه وأمه وبقية الأموات من أهله.
"ربما لأننا في المدرسة". ردّدها في نفسه وهو يتأمل الفصول المترامية على يمينه، فقد تحصّل المقاول شمندي على عقد تشييد طابق جديد في مدرسة القرية، وسيقوم هو ورفاقه بتلك المهمة خلال الإجازة الصيفية، ألقى نظرة أخرى على الفصول الخاوية، جالت بخاطره صورة هزلية للمقاول شمندي وهو يرتدي (مريلة) من (الدّمور) الباهت، وجه مستدير غارق بين لحية بيضاء وشارب كث على جسد نحيل لطفل صغير في صفوفه الأولى بالمدرسة الابتدائية، يقبض عليه عاملان ويشدّانه بقوة على المنضدة، وصاحبنا يقف خلفه بقطعة كبيرة من جريد النخل، يعبطه بقوة على مؤخرته ويضحك مستمتعًا بصراخه. عاد من خيالاته مشبعًا بالبهجة وقد نسي ما كان يثقل كاهله منذ قليل، وكادت ضحكاته المكتومة تفضح حلمه العابر، بكفه اليمنى يزيح فيض التعرّق من أعلى جبينه وبقايا وجهه، الماء المالح يرسم على قميصه الداكن خريطة بيضاء متشابكة الخيوط، بيت عنكبوت علق فيه كحشرة صغيرة لا حول لها ولا قوة، نداء رفيقه الذي يكبره بعامين فقط يخرجه من تلك الأحلام: ميدو، خلينا نخلص اللّى ورانا.
يفزع المقاول ويرميه بنظرة حادة قائلًا: ميدو!
ثم يعيدها ثانية في غيظ شديد وهو يقول: ميدو، يا ولد سنية العمشة.
تتملّكه نشوة عابرة من الانتصار لرؤية الغضب في عيون المقاول، تتداعى خيالاته وهو يعبطه منذ قليل فيجيبه في تحدي: عندلعوا نفسينا يا مقاول.
ثم يستطرد مستنكرًا: ولا هو الدلع للغلابة حرام!
كان العم شكري (حارس المدرسة) قد انتهى من إعداد الشاي الأسود، وقد ترامى إلى أذنه ذلك الحوار فأعجبته حكمة الصبي، وشجاعته رغم صغر عمره الذي لم يتجاوز عامه الثاني عشر بعد، وسأله بعدما خرج من الكشك الخشبي حاملًا قدحي الشاي قائلًا: ولد مين أنت؟
وقبل أن يجيب الصبي قال المقاول: ده الأستاذ محمد.
ثم رفع مقدار السخرية في صوته قائلًا: أقصد ميدو، ولد المرحوم سعيد الأعرج.
-أبوك كان رجل زين يا ولدي، الله يرحمه.
قالها العم شكري، ثم استطرد يسأل: معك أخوة؟
فيجيبه بفخر: واد في تانية ابتدائي، هيبقي باشمهندس كد الدنيا.
-وأنت في سنة كام.
-لا أنا بطّلت من المدرسة.
ثم مرّر يده على صدره من فتحة قميصه، وكأنه يتحّسس ذلك الشعر الذي ينتظر فورانه قبل الأوان قائلًا: أنا (دلوكيت) رجل البيت.
قاطعه المقاول شمندي ساخرًا: رجل البيت واسمه ميدو!
يرتفع صوته في غضب: محمد يا مقاول، محمد.
ثم ينظر نحو رفيقه رافعًا سبابته: أقولك يا أبو العم، إياك تقول لي ميدو تاني قدام المقاول.
ثم ينظر نحو المقاول مبتسمًا وهو يقول: لحسن عتجننه.
-أنا مجنون يا ولد الأعرج.
يرميه (بطفشة) أخرى، يتصّدى لها الصبي بساعده قبل أن تصيب وجهه أو إحدى عينيه، يمسك المقاول بقطعة أخرى من الخشب ويهرول خلفه ليضربه، يولّي هاربًا هو ورفيقه وهم يضحكون، يرحلون إلى مكان بعيد ليعودا بحمل آخر من الخشب؛ لاستكمال مبنى المدرسة قبل انتهاء الأجازة الصيفية، يجلس المقاول شمندي وقد أصابه الغضب بالنصب، يمد له العم شكري قدح الشاي الساخن وهو يقول: بالراحة يا مقاول، ده عيل.
-عيل!
يردّدها المقاول مستنكرًا، يرشف رشفةً من كوب الشاي ثم يضعه جانبًا، يعتدل في جلسته ليكون في مواجهة العم شكري وهو يقول في حماسة:
-ده أنا لما كنت قدّه كنت أقوم قبل طلعة الشمس، وأمشي تلاتة كيلو في الضلمة على رجلي عشان أروح للمقاول (بخاتي)، بخاتي البَلوَاني الله يرحمه ويدشدش الطوبة إللي تحت رأسه، كان بيته على البحر ومكانش فيك يا مركز البلينا مقاول غيره.
يرشف رشفة أخرى من الشاي الساخن، ثم يستطرد في سرد حكاياته مرة أخرى:
-عيل، د أنا على سِنة ده اتحزّمت (بالخريطة) وطلعت ريس فرقة رأسي برأس أكبر معلم عند المقاول.
يمصمص شفتيه مختالًا:
-كنا رجّاله، وكانت أقل شتيمة عنده بالأب والأم، وإللي يغلط عاد يا ويله، يتربط في العمود لحد ما يبان له أصحاب.
يجيبه العم شكري: الزمن غير الزمن يا مقاول.
تخفت نبرة الفخر من صوته، ويصيبه حنق شديد وهو يستطرد: زمن أغبر ومهبب.
يصمت لحظة ثم يقول في حزن: الواد ولدي مخلّص جامعة وما يعرفش يجمع لي حساب الصنايعية، زمن إيه بس يا عم شكري بلا خيبة.
يشاركه حارس المدرسة الحنق قائلاً: التعليم كان زمان يا مقاول.
يجول ببصره في المدرسة من حوله ويقول:
-دلوكت الواد يجي المدرسة يلعب ويبلطج على إللي خلفونا، هو عارف إن المدرس هيجي له البيت يديله الكلمتين بتوع الامتحانات، وآخر السنة ياخد الشهادة.
-أمال هي الدنيا خربت من قليل.
يقولها المقاول شمندي في حسرة قبل أن يعود للزهو بنفسه مرة أخرى قائلاً:
-عارف يا عم شُكري، أهو أنا لا أعرف القراءة والكتابة، لكن أبصّ بصّه على السقف دقيقة أحسبه في مخي، وأقولك كم يحتاج حديد وأسمنت، وياما عدّلت رسومات على المهندسين بتوع المدارس.
يفرغ من قدح الشاي، يدعه جانبًا ويستطرد:
-تعرف يا عم شكري، أنا كنت أصغر مقاول فيك يا مركز، كان عمري عشرين سنة، إشتريت خشب وجبت عيلين صنايعيه وأنا ريسهم، بنيت بيتي إللي شرق البلد، وده كان أول بيت بالطوب الأحمر فيكي يا بلد، عملت له فسحاية قدام وشوية زرع.
تنتابه نوبة حسرة عابرة ثم يستطرد: كانت الناس تقول عليه السرايا، (سراية الشمندي).
كان العم شكري يستمع للمقاول شاردًا، يراقب الصبي الذي عاد مرة أخرى محملًا بألواح الخشب، يحني ساقيه قليلًا للأمام، يتقوس جذعه تحت وطأة حمله، يحتضن الألواح بيده اليسرى ويستخدم اليمني كمجداف يشقّ به الطريق، يزداد حمله ثقلًا، يجز أسنانه، تتراكم التجاعيد على جبينه وتكتسي صفحة الوجه بتكشيرة الوجع، تميل الشمس نحو كبد السماء، يتصبّب الطفل عرقًا، تتشابك الخيوط البيضاء على قميصه، يقترب العنكبوت من فريسته، يلقي الطفل بالألواح فتحدث جلبة عالية، يفزع المقاول ثانية ويصرخ فيه: يا ولد ال....
ثم يهبّ فزعًا واقفًا علي ساقيه قائلًا:
-طب والله لو اتكسر لوح خشب واحد، لأخصم تمنه من يوميتك يا ولد العاجزة
ثم يرميه بقطعة صغيرة من الخشب، تصيب الطفل في كتفه، لكنه لا يهتم، يولي المدرسة ظهره، يخرج من البوابة الكبيرة ليعود محملاً بالألواح مرة أخرى.