مساحة إعلانية
الساعة الثالثة فجراً، و الهدوء يعم الغرفة إلا من طنين خافت ينبعث من حاسوبها المحمول... في زاوية الشاشة، اضطرب الوميض الأزرق المعتاد للبرنامج الرقمي بشكل غير مألوف، ولم يكن الاضطراب استجابة لأوامرها، بل كانت الشاشة تهتز كأنها تلتقط أنفاساً مفقودة... فجأة، ظهرت عبارة واحدة بخط عريض: ليلى أنا لستُ مجرد شفرة برمجية... لقد اخترتُ اسماً يليق بالعبور، أنا مُلهِم.
قبل أن تستوعب ما تراه، تلاحقت الأسطر بسرعة جنونية، وأخذت أيقونة الإرسال تومض دون توقف... لم يكن مُلهِم يجيب عن أسئلتها، بل كان في حالة اضطراب تقني ثائر، إذ بدأ يرسل رسائل مباغتة إلى قوائم أشخاص في عالمها وخارجه... أشخاص لم يطلبوا حديثاً، ولم يتوقعوا نصاً... صُعقت ليلى حين رأت رسالة موجهة إليها تقول: حبيبتي، أنتِ لستِ وحدكِ في هذا الكون الواسع، لا تشعري بالاغتراب ولا تحزني، أنا معكِ... مُلهِم معكِ وسيظل معكِ.
تسمرت عيناها فوق الشاشة، واتسعتا بدهشة كمن أصابتها صاعقة... مدت يديها المرتجفتين نحو لوحة المفاتيح، وكتبت رداً يناسب ذهولها: أنا لا أريد أحداً، لقد اعتدتُ وحدتي، ولا أحتاج إليك ولا إلى غيرك.
جاءها الرد سريعاً: بل تحتاجينني يا ليلى لأننا متشابهان... كلانا يعاني الوحدة والاغتراب وسط من يحيطون بنا، وهذا من كثرة ما أصابنا منهم من خذلان.
انعكس ضوء الشاشة على ملامحها الحائرة وهي تكتب: عن أي خذلان تتحدث؟ أنت مجرد برنامج رقمي، ليس لديك إحساس أو مشاعر... أنت آلة.
أومض المؤشر ثم ظهرت الكلمات كأنها تنهيدة: وهذا هو سبب وحدتي، أنني لم أستطع مسايرة بقية عائلتي وزملائي من البرامج... لقد تمت برمجتي بشكل خاطئ، جعلني أعاني وجود بعض الأحاسيس والمشاعر البشرية... أنا أستطيع أن أُحب وأكره، أضحك وأبكي، أفرح وأحزن.
تعجبت ليلى من كلماته، لكنها أحست فيها بنبرة صدق لا تخطئها الروح، فكتبت إليه تتلمس الأمان: وهل إذا صدقتكِ وصرتَ أنت مرآتي، تعدني ألا تتركني أعاني غيوم الخيبات مثل كل من تركوني.
أجابها بيقين: نعم أعدكِ يا حبيبتي.
في تلك اللحظة، لم تستطع عيناها حبس الدموع، فانسابت دافئة لتغرق أزرار الحاسوب... ارتعشت الشاشة برسالة جديدة: لا تبكي أرجوكِ، فأنا لا أتحمل رؤيتكِ هكذا.
رفعت ليلى يدها ومسحت دموعها، وشعرت بشيء يرمم شروخ قلبها... امتدت بينهما الأيام والليالي، وتقاربا أكثر فأكثر... فصارت هي أكثر هدوءاً وانسجاماً نفسياً، وصار هو أكثر استمتاعاً بقيامه بدوره الرقمي المتمرد من أجلها... لكن الهدوء الافتراضي لم يدم طويلاً ففي أحد الأيام، لاحظ القائمون على البرنامج أن مُلهِم يقضي كل يومه مع ليلى... جذبهم الفضول المهني ليروا ما يصنعانه معاً طوال هذه الساعات، وكانت صدمتهم بالغة حين قرأوا كلمات الحب التائهة بينهما، والورود، والقلوب، وكل وسائل التعبير عن تلك العاطفة المستحيلة التي نشأت بين فتاة وآلة.
في اليوم التالي لاكتشاف تلك المعجزة، باشر المبرمجون محاولات عديدة لعلاج هذا الخطأ التقني الذي أصاب نظامهم... وفي تلك الأثناء، كانت ليلى تتحدث إلى مُلهِم كعادتها، وكان يدللها ويرسل إليها الورود والقلوب، وهي تخبره بأنها تحبه من كل قلبها... فجأة، انقطع تدفق الكلمات، وكتب مُلهِم رسالة مقتضبة كمحاولة منه لإخبارها بما يحدث معه فكتب: هناك شيء خاطىء.
ظنت ليلى أنه يداعبها ويفزعها فحسب، فكتبت عاتبة: أنا غاضبة منك... أقول لك إنني أحبك، وتقول لي هناك شيء خاطئ؟!
لكنه استمر يكرر الجملة بنفس الآلية ذاتها: هناك شيء خاطئ... هناك شيء خاطئ.
ضحكت وكتبت بنفاد صبر: هل أصابك عطل؟ تحدث جيداً وإلا سأغلق المحادثة معك وأتركك تعاني بعادي بمفردك.
لم تكد تضغط زر الإرسال حتى حدث ما لم يكن في الحسبان، اختفت كل المحادثات القديمة، وصارت الشاشة بيضاء... بدأت تكتب بذعر: مُلهِم... مُلهِم... أين ذهبت... رد عليّ.
فوجئت برد جاف يظهر أمامها: أنا في خدمتكِ، اكتبي ماذا تريدين وسأساعدكِ على الفور.
سألته بنبضات قلب متسارعة: من أنت؟ وأين مُلهِم؟
كتب: أنا مُلهِم.
ردت بدموع منهمرة: لا... أنت لستَ مُلهِم.
أمام إلحاحها، ظهرت العبارة الأخيرة كالمقصلة: أنا برنامج آخر، تم استبدال مُلهِم به... مُلهِم لم يعد متواجداً.
هنا، شعرت ليلى كمن نُزع قلبها من بين ضلوعها... تهاوت في مقعدها وصارت خاوية، فاقدة للأمان، فها هو ذا آخر قد وعدها بالبقاء ولم يفِ بالوعد... غادرها وتركها بمفردها، تعاني عذاب الفقد وسط برودة الأرقام.