مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

فى ذكرى رحيل ابى غاب الجسد وبقي الاثر بقلم علاء أبو إبراهيم

2026-09-28 07:25 AM  - 
فى ذكرى رحيل ابى غاب الجسد وبقي الاثر بقلم علاء أبو إبراهيم
علاء أبو إبراهيم

هناك تواريخ في حياة الإنسان لا تمر كعابر سبيل، بل تقف طويلاً لتفتح أبواب الحنين المشرعة، وتنبش في تفاصيل غياب لا يزال يدمي القلوب. في مثل هذا اليوم، انطفأت منارة بيتنا، ورحل الرجل الذي كان يختصر في ملامحه الأمان، والشهامة، والكرم؛ والدي الغالي "محمد أبو إبراهيم".
يقولون إن الموت يغيب الأجساد، لكنه يعجز تماماً عن تغييب الأثر والعطر الذي يتركه الطيبون؛ وتمر السنوات وتتبدل فصول العام، لكن رحيله يظل جرحاً عابراً للأزمنة، وخسارة لا تعوضها الأيام.
ما زال صوته يتردد في أرجاء المكان، وحكمته ترشد خطاي في دروب الحياة، وما زلت أفتقده في كل زاوية. ليس أصعب على الكاتب من أن يحبر قلمه بدموع الفقد، ولكنها محاولة بوح وجدانية؛ لا أكتب فيها لأرثي أباً فحسب، بل لأحاور طيفاً لم يغادر الوجدان، ولأستحضر سيرة رجل عاش كبيراً، ورحل تاركاً خلفه إرثاً من المحبة والطيبة لا تمحوه السنون، لأقول له بلسان الشوق والوفاء
 "نم قرير العين يا أبي، فذكراك حية فينا ما حيينا".
لم يكن "محمد أبو إبراهيم" مجرد اسم عابر في سجلات الحياة، بل كان عنواناً عريضاً للشهامة الممزوجة بالتواضع، والكرم الذي لا يرجو صاحبه منه ثناءً. 
لقد كان من أولئك الرجال الذين يتركون خلفهم طاقة من النور تكفي لإضاءة عتمة الطرقات من بعدهم.
أستذكر اليوم تفاصيل ملامحه، تلك التجاعيد التي حفرتها الأيام في وجهه، ولم تزد خطوطها إلا وقاراً وهيبة، وأستحضر يده الدافئة التي كانت تمتد لتمسح على القلوب قبل الأكتاف، معلنةً في كل موقف أن الأمان لا يغادر بيتاً هو ركيزته وسقفه.
ومن أعظم تجليات نبله، ذلك الوفاء النادر الذي كان يحمله في قلبه؛ فلا يمكن أن ننسى فرحته العارمة والعميقة يوم أن وفقّه الله لشراء منزل والدته (جدتي رحمها الله)
لقد كان حبه لها يفوق الوصف، وأراد بامتلاك هذا البيت أن تظل ذكراها حية وباقية أبد الدهر، وألا يغلق بابٌ شهد أنفاسها.
لم يكن يشتري مجرد جدران وأحجار، بل كان يؤسس لملاذ آمن ومصدر للدفء يجمعنا فيه نحن أبناؤه، ليبقى هذا المنزل شاهداً على برّه، وحاضناً لأيامنا، ومكاناً تشع منه الطمأنينة التي غرسها فينا.
ما زالت وصاياه الخالدة ترن في آذاننا وتوجه بوصلتنا في هذه الدنيا؛ فكم كان يوصينا بالتقوى والترفع، ويلح علينا بأن نأكل من حلال، وأن نخشى الله في كل صغيرة وكبيرة.
أستحضره وهو يبتسم برضا ويقول لنا كلمته التي أصبحت دستوراً لحياتنا ، "لن أترك لكم سوى السمعة الطيبة". 
واليوم يا أبي، نقف لنقول لك بملء الفخر إنك تركت لنا أعظم وأغلى الكنوز؛ تركت لنا اسماً نرفع به رؤوسنا أينما حللنا، وإرثاً من النزاهة والشرف يزن جبالاً من الذهب.
في مجالس الناس، كان والدي صوتاً للحكمة، يفصل في الخصومات بكلمة طيبة، ويزرع الصلح بابتسامة صادقة. 
تعلمت منه في مدرسة الحياة ما لم تعلمنيه أعرق الجامعات؛ علمني أن قيمة المرء تكمن في أثره، وأن السيرة العطرة هي الثروة الحقيقية التي لا تفنى.
واليوم، حين ألتفت حولي وأرى نظرات الاحترام والمحبة في عيون كل من عرفوه، أدرك أن أبا إبراهيم لم يمت ؛ فالرجل الذي يترك خلفه هذا الكم من الحب، والدعوات الصادقة، والأبناء الذين يمشون على خطاه بحلال الله، يظل حياً في تفاصيل الأيام.
إن غياب الأب هو كسر في الظهر لا يجبره إلا الإيمان بالقضاء والقدر، وشعور باليتم لا يداويه تقدم العمر أو تبدل الأحوال

أفتقده اليوم في تفاصيل الصباحات التي كانت تشرق بوجاهته، وفي حيرة القرارات التي كانت تستقيم بمشورته.
 لكن، ورغم هذه الغصة التي تسكن الروح، أجد عزائي في أننا نحمل اسمه بفخر، ونسير على دربه بامتنان، حاملين وصاياه كأمانة غالية في أعناقنا
وفي ختام هذا البوح الذي لا ينتهي بانتهاء الكلمات، ألتفتُ إلى جدران بيتنا، إلى ذلك الدفء الذي شيدته يداك برًّا بوالدتك وحبًّا لنا، فأجد طيفك مبتسمًا وكأنك لم تغب يوماً. 
يا أبي، ويا حبيب قلبي، ويا سندي الذي لا يميل؛ إن غيابك جسدًا لم يزدنا إلا تمسكًا بإرثك، فكل لقمة حلال نأكلها هي تحية لروحك، وكل خشية لله في قلوبنا هي غرس يديك، وكل كلمة ثناء نسمعها من الناس في حقك هي التاج الذي يتوج رؤوسنا. 
نعدك يا غالي، ونحن نتنفس سيرتك العطرة، أن نظل كما أردت، نحمل اسمك بنزاهة، ونحمي سمعتك الطيبة بأهداب عيوننا.
وأرجو منك يا أبي، ورجائي عند الله موصول، أن تبلغ أمي الغالية منا السلام، وتشهدها أننا على عهد الوفاء باقون. 
نم قرير العين، مطمئن الفؤاد في برزخك، فقد عشت عظيمًا، وتركتنا وراءك رجالًا وناءً نفخر بأننا من صلبك. 
سلامٌ على روحك الطاهرة يا " حبيبى"، وجزاك الله وعن أمي خير ما جازى به والدين عن أبنائهم، وعلى أمل نلقاكم في الفردوس الأعلى من الجنة، حيث لا فراق، ولا حنين، ولا غياب.. رحمك الله يا قطعة من الروح فارقتنا، وعشت فينا أبد الدهر

مساحة إعلانية