مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

القيمة المعاصرة لمنظمة شنغهاي للتعاون بعد خمسة وعشرين عاما

2026-09-07 01:16 AM  - 
القيمة المعاصرة لمنظمة شنغهاي للتعاون بعد خمسة وعشرين عاما
نور يانغ إعلامي صيني
إعلان بنك saib

بقلم / نور يانغ إعلامي صيني

 بعد خمسة وعشرين عاما على انطلاق آلية إقليمية للتعاون، لم يعد السؤال الأهم يتعلق باتساع حجمها فحسب، بل بالسبب الذي يجعلها قادرة، في وقت تعود فيه ذهنية الاصطفافات والتكتلات، على مواصلة جمع دول تختلف في نظمها ومراحل تنميتها. وفي الأول من سبتمبر، انعقدت قمة منظمة شنغهاي للتعاون في العاصمة القرغيزية بيشكيك. وبالتزامن مع الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس المنظمة، اعتمدت القمة 28 وثيقة ختامية، من بينها "إعلان بيشكيك"، كما وضعت ترتيبات للتعاون خلال السنوات العشر المقبلة. ومن آلية بدأت لمعالجة قضايا الأمن في الجوار إلى منظمة تمتد اليوم عبر آسيا وأوروبا وأفريقيا، وتشمل أجندتها الأمن والتنمية وتشارك في الحوكمة العالمية، تقدم مسيرة منظمة شنغهاي للتعاون نموذجا مختلفا عن التحالفات الإقصائية.

 

ولعل أكثر ما يميز منظمة شنغهاي للتعاون أنها توصلت إلى صيغة للتعاون لا تحتاج إلى البحث عن عدو مشترك كي تحافظ على تماسكها. فهناك اختلافات واضحة بين دولها في التاريخ والثقافة والنظم الاجتماعية ومراحل التنمية، لكن التعاون لم يقم يوما على شرط تشابه الأنظمة. وقد لخص الرئيس الصيني شي جين بينغ خبرة خمسة وعشرين عاما في نقطتين: الأولى التمسك بـ"روح شنغهاي" القائمة على "الثقة المتبادلة والمنفعة المتبادلة والمساواة والتشاور واحترام تنوع الحضارات والسعي إلى التنمية المشتركة"، والثانية الالتزام بنهج "عدم التحالف وعدم المواجهة وعدم استهداف أي طرف ثالث". وهذان المبدآن معا يحددان الطابع الأساسي للمنظمة: فهي ليست ناديا مغلقا، ولا تطلب من أعضائها الانحياز إلى طرف ضد آخر. أما مصدر تماسكها، فينبع من القدرة على معالجة القضايا بالتشاور، ومن اتساع المصالح المشتركة بصورة مستمرة عبر التعاون.

 

ولا يكفي الحجم وحده لتفسير كل شيء، لكن توسع إطار المنظمة من ست دول إلى سبع وعشرين دولة، واحتضانها ما يقارب نصف سكان العالم ونحو ربع حجم الاقتصاد العالمي، يوفر اختبارا واقعيا لهذا المنطق. فالمغزى الحقيقي لا يكمن في الأرقام، بل في قدرة دول متفاوتة من حيث الحجم ومنتمية إلى حضارات مختلفة على المشاركة، على أساس المساواة، في وضع الأجندة وبناء الآليات. وبالنسبة إلى كثير من الدول التي لا ترغب في الانحياز تحت ضغط التنافس بين القوى الكبرى، فإن مساحة التعاون التي لا تقسم العالم وفق المعسكرات ولا تجعل حجم الدولة أو قوتها أساسا للنفوذ تمثل عامل جذب حقيقيا.

 

كان التعاون الأمني نقطة البداية، غير أن أحد أهم أسباب حفاظ المنظمة على حيويتها هو أنها لم تتوقف عند حدود الأمن. فاستقرار المنطقة لا يقتصر على مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود؛ إذ يصعب أن تكون للحوكمة الأمنية قاعدة راسخة إذا افتقر الاقتصاد إلى النمو، وتأخرت البنية التحتية، وضاقت فرص الشباب. وفي القمة الحالية، أدرج كل من "إعطاء الأولوية للتنمية" و"اعتبار الأمن أساسا" ضمن الاتجاهات الرئيسية للمرحلة المقبلة. وبينما تواصل المنظمة تطوير آليات مواجهة التهديدات الأمنية، توسع في الوقت نفسه خريطة التعاون لتشمل التجارة والاستثمار والترابط والطاقة والموارد والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والصناعات الخضراء. فالأمن يوفر بيئة للتنمية، والتنمية بدورها توسع المصالح المشتركة التي تدفع الأطراف إلى صون الأمن، وهكذا يتقدم المساران معا.

 

وفي نهاية المطاف، لا بد أن تنعكس قيمة التعاون في قدرات ملموسة على أرض الواقع. فقد طرحت القمة تنفيذ الصين ودول منظمة شنغهاي للتعاون مئة مشروع مشترك للتعاون العلمي والتكنولوجي خلال السنوات الثلاث المقبلة، إلى جانب دفع بناء منصات مثل المركز الدولي للتعاون في تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومركز التعاون الاقتصادي للمنافذ الحدودية. والرسالة واضحة: المنظمة تنتقل من تنسيق السياسات إلى ترابط أعمق على مستويات الصناعة والتكنولوجيا والقواعد. وبالنسبة إلى الدول الواقعة في قلب القارة الأوراسية، شكلت تكاليف النقل، والبعد عن الأسواق، وضعف القاعدة الصناعية قيودا مزمنة على التنمية، لكن التعاون في التكنولوجيا الرقمية والصناعات الخضراء والبنية التحتية العابرة للحدود يعيد تشكيل شروط مشاركتها في التقسيم الإقليمي للعمل.

 

ولا يمكن لمنظمة إقليمية تطمح إلى الاستمرار طويلا أن تعتمد فقط على الاتفاقات بين الحكومات. ولهذا وضعت القمة "التمسك بالإنسان أولا" ضمن توجهات المرحلة المقبلة، ودعت إلى تعزيز شبكات التعاون بين المدارس ومراكز الفكر والشركات ووسائل الإعلام، إلى جانب إنشاء مركز الصين ومنظمة شنغهاي للتعاون للتعاون في التعليم الأساسي. والمنطق هنا واضح: فالنقل والتجارة يقلصان المسافات الجغرافية، بينما تسهم التبادلات التعليمية والثقافية والشبابية في تقليص المسافات في المعرفة والتصورات. وعندما ينتقل التعاون من توقيع الوثائق إلى الدراسة والعمل والتواصل اليومي بين الناس، يصبح للمجتمع الإقليمي المشترك أساس اجتماعي أكثر رسوخا.

 

وبعد خمسة وعشرين عاما، تجاوزت دلالة منظمة شنغهاي للتعاون حدود المنطقة الأوراسية نفسها. فقد أكد الرئيس شي جين بينغ في اجتماع "منظمة شنغهاي للتعاون+" أن "اتجاه العالم نحو التعددية القطبية لا يمكن عكسه"، ودعا إلى توظيف "قوة شنغهاي للتعاون" لدفع ازدهار القارة الأوراسية، و"حكمة شنغهاي للتعاون" لدعم تنامي قوة الجنوب العالمي، و"عمل شنغهاي للتعاون" لقيادة إصلاح الحوكمة العالمية. والقضية التي تستحق التأمل لا تقتصر على ما إذا كانت مراكز القوة تنتقل أو تتعدد، بل تتعلق بطبيعة النظام الذي ستفضي إليه التعددية القطبية. فإذا لم يؤد تغير موازين القوة إلا إلى نشوء مواجهات جديدة بين التكتلات، فلن يصبح العالم أكثر استقرارا. أما ممارسة منظمة شنغهاي للتعاون فتقدم إمكانية أخرى: عالم أكثر تعددا في مراكز القوة، لكنه يتمسك في الوقت نفسه بالمساواة في السيادة والحوار والتشاور والدور المحوري للأمم المتحدة، بما يتيح لمزيد من الدول النامية المشاركة على قدم المساواة في الشؤون الدولية.

 

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة إلى الجنوب العالمي. فالنمو في عدد السكان والثقل الاقتصادي لا يتحول تلقائيا إلى نفوذ مؤسسي داخل منظومة الحوكمة الدولية. ولكي تدخل مطالب الدول النامية بصورة أكثر فاعلية إلى الأجندة العالمية، فإنها تحتاج إلى آليات مستقرة للتشاور، كما تحتاج إلى بناء قدرة جماعية على معالجة القضايا في مجالات الأمن والتنمية والتكنولوجيا والحوكمة العامة. ولا تتخذ منظمة شنغهاي للتعاون من مواجهة طرف ثالث هدفا لها، بل تعمل على تعزيز قدرتها على التحرك من خلال توسيع المصالح المشتركة. ومن ثم، فهي ليست مجرد منصة للتعاون الإقليمي، بل تتحول تدريجيا إلى ممارسة مؤسسية لمشاركة دول الجنوب العالمي في الحوكمة العالمية.

 

إن خمسة وعشرين عاما ليست مجرد محطة زمنية تستحق الاحتفاء. فقد رسمت قمة بيشكيك بالفعل ملامح العقد المقبل: الانتقال من التركيز على الأمن إلى الجمع بين الأمن والتنمية، ومن الترابط الجغرافي إلى الترابط الصناعي والرقمي، ومن التشاور الإقليمي إلى المشاركة الأوسع في الحوكمة العالمية. ويتسع نطاق التعاون، بينما يظل منطقه الأساسي ثابتا: احترام الاختلافات، والبحث عن التوافق عبر التشاور، وتوسيع المصالح المشتركة من خلال التعاون. وفي عالم تتزايد فيه مخاطر الانقسام، قد يكون التمسك بهذا النهج أكثر وزنا من مجرد اتساع حجم المنظمة. أما قدرة عالم أكثر تعددية قطبية على أن يصبح أكثر سلاما وعدالة وازدهارا، فتتوقف على ما إذا كانت الدول ستعيد بناء حواجز المعسكرات، أم ستتعلم كيف تتعايش رغم اختلافاتها وتحقق النجاح المتبادل من خلال التعاون. وتواصل تجربة منظمة شنغهاي للتعاون على مدى خمسة وعشرين عاما تقديم شواهد عملية متزايدة على جدوى الخيار الثاني.

مساحة إعلانية