مساحة إعلانية
ليست الكلمة مجرد أحرف مرصوصة ينطق بها اللسان، بل هي كائن حي يولد من عمق الروح ليغير مجرى الحياة؛
إما أن تكون بلسماً يداوي جرحاً ينزف، أو سهمًا يحفر ندبة لا تبرأ.
ومن هذه الكلمة ونبع أثرها نقول: "صديق"، فهل نعلم حق وقدر الصديق؟
فالصديق أيها القارئ هو الروح والدم في الجسد، بدونه يذبل العمر ويغدو الجسد بلا حراك. وقد وقفتُ اليوم طويلاً، متأملاً في قوة هذا النبض، أمام كلماتٍ خطّها صديقي "مسيو محمود الخياط" حين قال بيقين: "صاحبك سندك حتى مماتك"، فشعرتُ بقشعريرة تهزّ أركان روحي أمام هذا الصدق العاري. حقاً، إن الصاحب ليس رفيق ضحكة عابرة،
بل هو ذاك السند الممتد عبر غمار العمر وحتى عتبات الآخرة؛ هو من لن يتخلى عنك في عواصف الحياة، وهو ذاته من سيحمل نعشك على كتفه بقلبٍ مكسور ودمعٍ هتون حين يرحل الجميع. في هذا العالم الموحش، أن تجد صديقاً يرى في أخوّتك عهداً يمتد حتى القبر، يعني أنك لم تعد عارياً في مواجهة قسوة الدنيا، وأن هناك كتفاً حقيقية خُلقت لتسند ضعفك، وتحرس غيبتك، وتدعو لك مستغفرةً حتى بعد أن يواريك التراب
إن المحك الحقيقي للأرواح لا يكمن في نزهات الرخاء، بل في تلك الليالي المظلمة التي تتقيأ فيها الدنيا قسوتها وتتركنا حفاةً على جمر الانكسار. وهنا أستحضر بالعرفان والامتنان فضل أبي الذي أحسن توجيهي وغرس فيّ أن الصديق ستجده معك دائماً في دروب الحياة أكثر من أي فرد آخر، مصداقاً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل".
ولأن الصداقة بهذا القدم من القدسية، فقد وضعتُ في حياتي فلسفات صارمة أؤمن بها وأحمي بها من أحب؛ إذ أرفض تماماً مناقشة الصديق المقرب في المسائل الخلافية، ولا سيما الرياضية منها، فالرياضة للأسف بدلاً من أن تكون تهذيباً للنفس وبثاً للروح الرياضية، تحولت في زماننا إلى ساحة للنزاع والتخاصم.
كما أنني لا أدخل مع أصدقائي في أي مصالح مالية أو شراكات مادية، وذلك حتى تظل صداقتنا نقية، خالصة لوجه الله تعالى، بعيدة عن حسابات المكسب والخسارة، أملاً في أن نكون ممن تشملهم رحمة الحديث الشريف:
"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله... ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه"
وإنني اليوم، أحمد الله ملء قلبي أن رزقني بأجمل أصدقاء في حياتي؛ أصدقاء اعتبرهم روحي، وملاذي، ومأمني الذي آوي إليه مستظلاً بنقائهم. إنهم النور الذي يشع بهجة في عتمة الأيام، والوقود والزاد الذي وضعتُه فخوراً في أثمن قواميس حياتي. ولأنهم كذلك،
فإنني أوصيهم وصية محبٍ مخلص ، أن يكونوا هم أول الحاضرين عند غسلي، والمحيطين بقبري، والداعين لي برحمة الخالق، فلن تجد الروح وداعاً أصدق من أكفٍ طالما صافحتها بالحب والوفاء.
ولن تنتهي رحلة هذا الوفاء عند مواراة الجسد الثرى، بل تتجلى عظمته حين يقف صديق العمر في سرادق العزاء، لا كمعزٍّ عابر، بل كصاحب بيتٍ مكسور يتلقى العزاء وعيناه زائغتان من صدمة الفقد. وعندما ينفضّ الجمع وتخلو المصابيح، يعود إلى بيته مثقلاً بوجع الغياب الصامت، ليجلس وحيداً يتأمل الفراغ ويمر أمامه شريط ذكرياتكما؛ يتذكر تلك الضحكات الصافية، والمواقف الصعبة، وتلك الأحلام المشتركة التي نسجتموها معاً تحت ضوء الأمل.
سينظر إلى مقعدك الفارغ، ويبكي بمرارة، لكنه سيبتسم وسط دموعه موقناً أن الصاحب الحقيقي لا يموت في قلب صاحبه، بل يظل حياً يسكن دعواته في كل سجود، حتى يجمع الله شتات الأرواح خلف حدود الغياب.
وفي النهاية، أختصر كل قواميس اللغة، وأتخفف من بلاغة الحروف لأقولها صادقة تخرج من سويداء قلبي لكل أصدقائي ،
حقاً.. بحبك يا صاحبي