مساحة إعلانية
في عتمة الليل وقبل أن تنشق خيوط الفجر الأولى، كانت خطواتي تسعى نحو بيوت الله التماسًا للسكينة والوقوف في محراب الطمأنينة. ولم أكن أعلم أن مسجدي الليلة سيبدأ قبل الأعتاب، وأن درس الإيمان الحقيقي سينطق به ثغر لم يرتوِ بعد من لبن الحياة. فجأة، تعثرت خطاي بنظرة، وانفطر قلبي أمام مشهدٍ يدمي الصخر ، طفل وليد، غض الطراوة، ملقى على بارد الرخام فوق سلالم المسجد، كأنه رسالة عتاب صامتة تركتها السماء على عتبة الأرض
انحنيت نحوه، مسحت دمعة حارقة فرّت من عيني، وهمست له بقلبٍ يملؤه الأسى: "لا تحزن يا صغيري من غدر بني الإنسان، ولا تبتئس من قسوة عالمٍ رماك قبل أن تعرفه"
لكن الصمت في تلك اللحظة كان أبلغ من كل كلام، وكأن روحه الغضة قد التقطت وجعي، فنطق لسان حاله الممزوج بالطهر بعبارةٍ زلزلت كياني، وأعادت صياغة مفهوم الفجيعة في صدري؛ إذ قال لي: "أنا يا عمو لست لقيطاً ولا إبن شارع.. فلا تبكِ من أجلي، بل ابكِ من أجلكم أنتم!".
ثم أردف قائلاً بصوتٍ يقطر وجعاً يعجز الكبار عن حمله
"يا عمو، أنا الحب الذي تخلى عنه عشيقان عند منتصف الوعد وتركوني وحيداً على رصيف المعاناة.
أنا الوعد الذي قطعه نصف رجل وصدقته أنثى ناقصة عقل.
أنا ثمرة نزوة أخطأت الحساب، أنا ضحية علاقة تنازلت فيها أمي عن شرفها لمّا غُلف لها المكر بالأمل فصدقت! صدقت بغباء أنها في حضن رجل لن يخون وعده، وبأنه سيرفع الجبال عنها. صدقت أمي رجلاً رفض حتى رفع سماعة هاتفه بعد أن تحسس نبضات قلبي في بطنها، وتركني في مُنتصف الطريق ليلهث وراء أخرى عرّت له ساقها!".
ثم نظر إليّ نظرة كلها حزن، تفيض بمرارة الخذلان،
وقال بكلماتٍ حفرت مجراها في عمق روحي
"أنا لست لقيطاً يا عمو .. أنا الحب الذي تركتموه خلفكم على رصيف الإحتضار، وإن لم أغفر لكم، فلن يغفر الله لكم !"
سقطت كلماته الأخيرة كالصاعقة، وتجمدت الدماء في عروقي، وشعرت برعب يزلزل كياني. لم يكن تهديدًا، بل كان حكمًا قضائيًا من قاضٍ صغير لم يتعلم الكلام بعد، لكنه نطق بلسان العدالة السماوية.
نظرت إلى جسده الضئيل الملتحف بخرقة قماش بالية، ثم نظرت حولي إلى الشوارع الساكنة والبيوت الموصدة، وشعرت بثقل الذنب الجماعي الذي يطوق أعناقنا جميعًا.
تمنيت لو أن الأرض انشقت وابتلعتني قبل أن أقف عاجزًا أمام هذا الوعيد الطاهر.
لقد صدق الصغير وتلعثم قولي؛ فمن هو اللقيط الحقيقي في هذا العالم؟ هل هو هذا الكائن الطاهر الذي جاء إلى الدنيا بغير ذنب، يحمل براءة الأنبياء ونقاء الملائكة؟
أم أن اللقيط الحقيقي هو تلك الضمائر الإنسانية التي انسلخت من رحمتها، والقلوب التي تحجرت حتى باتت أشد قسوة من رخام السلالم الذي نام عليه؟
نحن أولاد الشوارع الحقيقيون حين تركنا الأخلاق مشردة على الأرصفة، وسمحنا للوعود الكاذبة أن تبني بيوتًا من الوهم وتترك ضحاياها في الصقيع.
نحن اللقطاء الذين سنقف غدًا بلا حجة وبلا نسب إنساني يحمينا، حين يُفتح كتاب العمر ويطالبنا هذا الصغير بحقه في الغفران. هذا الطفل لم يضع، بل نحن الذين ضللنا الطريق.
هو غادر عتمة الرحم ليرتمي في طهر عتبات المساجد، أما نحن فما زلنا نتخبط في عتمة أنانيتنا وغفلتنا، نكذب، ونغدر، ونظلم، ثم نمشي في الأسواق آمنين.
ارتفع صوت المؤذن يخرق سكون الموت في قلوبنا: "الله أكبر.. الصلاة خير من النوم".
نظرت إلى المسجد ونظرت إلى الطفل، فأدركت أن الصلاة الليلة ليست مجرد ركوع وسجود، بل هي محاولة بائسة لإنقاذ ما تبقى من آدميتنا، والتماس عفوٍ قد لا يأتي أبدًا. حملت الصغير بين ذراعي، شعرت بدفء أنفاسه يلامس صقيع قلبي، وكأنني أنا من كنت بحاجة إلى من يلتقطني من رصيف الضياع.
يا صغيري، نم قرير العين، فما كانت عتبات المساجد يومًا لتردّ قاصدًا، وما كان رب هذا البيت ليعجز عن حمايتك.
ستبكي عيوننا طويلاً من أجلك، لا لأنك بلا مأوى، بل لأنك تركتنا معلقين بين خوف الخطيئة ورجاء غفرانك الذي بات معيارًا لغفران الله لنا، في عالمٍ شيدنا فيه القصور، وتركنا فيه الإنسانية والوعود عارية على السلالم تحتضر