مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

الحكيم الذي احتقر الكتّاب .. بقلم زينب طارق (العراق)

2026-10-29 03:41 PM  - 
الحكيم الذي احتقر الكتّاب .. بقلم زينب طارق (العراق)
زينب طارق

ثمة سؤال واحد يكفي أحيانًا لكشف كاتب أمام كاتب آخر، دون حاجة إلى قراءة سطر مما كتب. هذا ما فعله أنطون تشيخوف بإيفان بونين في ليلة موسكوفية من أواخر عام 1895، حين سأله بلا مقدمات: "هل تكتب كثيرًا؟" فأجاب الشاب، بصدق من لم يتعلّم بعد المداراة: "لا أكتب كثيرًا." تجهّم وجه صاحب السؤال، وقال بحزن نادر الحضور في شخصيته الساخرة الهادئة: "أمرٌ مؤسف. لا ينبغي أن تسلّم يديك للكسل. ينبغي أن تكون دائمًا في حالة عمل طوال حياتك." ثم أردف، وكأنه يهبه سرّ حرفته دفعة واحدة: "يبدو لي أنك عندما تكتب قصة قصيرة، يكون عليك أن تقتطع منها البداية والنهاية؛ فنحن معشر الكتّاب نضع أكثر أكاذيبنا في هذين المكانين. عليك أن تكتب أقصر، وأن تصل بكتابتك إلى أقصر مدى ممكن."
من يقرأ هذه الجملة اليوم، بعد أن غدت شبه شعار في معاهد الكتابة الإبداعية حول العالم، قد لا يلتقط ما فيها من قسوة خفية. فالرجل لا يتحدث عن تقنية بريئة، بل يفضح عادة الكتّاب في الاختباء خلف افتتاحيات مزخرفة وخواتيم مطمئنة. البداية، في نظره، كذبة تمهيدية يقنع بها الكاتب نفسه قبل قارئه بأن ما سيأتي جدير بالانتباه، والنهاية كذبة أخرى، أكثر راحة، يمنح بها نفسه وقارئه وهم الاكتمال. أما الحقيقة، فمكانها الوحيد ذلك الوسط الهش الذي لا يملك الكاتب فيه حيلة سوى الصدق. ولذلك بدت قصصه، بلا استثناء تقريبًا، مقتطعة من نسيج حياة مستمرة قبلها وبعدها، مفتوحة كجرح لم يُضمّد، لا لأن كاتبها عجز عن إغلاقها، بل لأنه رفض أن يمنح قارئه راحة لا يستحقها الواقع نفسه.
لكن الحوار بين الرجلين لم يبق في حدود الحرفة. ثمة سؤال أعمق كان يشغل تشيخوف: كيف ينظر الكاتب العظيم حقًّا إلى بقية الكتّاب؟ وهنا يستحضر اسم ليف تولستوي بإعجاب يقترب من الانبهار المشوب بشيء من الرعب: "أنا معجب به إعجابًا عظيمًا. وأكثر ما يعجبني فيه أنه يحتقرنا جميعًا، يحتقر كل الكتّاب... ينظر إلينا جميعًا باعتبارنا أطفالًا. قصصنا القصيرة أو رواياتنا كلها، بالنسبة إلى أعماله، لعب أطفال." والمدهش أن قائل هذا الكلام لا يحتج على الحكم القاسي، بل يجد فيه دليلًا إضافيًّا على استثنائية صاحب "الحرب والسلام". ثمة نوع من الكتّاب لا يقيس نفسه بمن حوله، لأنه ببساطة لا يرى أحدًا حوله؛ يكتب كمن يخاطب التاريخ مباشرة، متجاوزًا معاصريه كأنهم ملاحظات هامشية في كتابه الخاص.
غير أن هذا الاحتقار الأبوي يتوقف فجأة أمام اسم واحد: شكسبير. "شكسبير يثير ضيقه، لأنه كاتب ناضج، ولا يكتب بالطريقة التي يكتب بها تولستوي." فالعملاق الروسي لا يستطيع أن يحتضن نظيره الإنجليزي من موقع الأب الحاني، لأن هذا الأخير لا يقف أمامه كتلميذ ينتظر الحكم، بل كندٍّ يرفض حتى أن يُقاس. ومن هنا هجومه الشهير عليه، ذلك المقال الذي حاول فيه هدم أسطورة الشاعر قطعة قطعة - ليس لأنه أسوأ من أن يستحق الاحترام، بل لأنه أفضل من أن يُحتمل. فالاحتقار سهل حين يكون المرء متأكدًا من علوّه؛ أما حين يقف أمام من يضاهيه، فلا يبقى أمامه سوى الغضب.
في هذا المشهد الصغير، تكمن واحدة من أعمق المفارقات في الأدب الروسي. الرجل الذي أراد أن يحتوي العالم بأسره في رواياته - الحرب والتاريخ والفلسفة والخلاص الأخلاقي - يقف على نقيض صاحبنا، الذي لم يطمح يومًا إلى احتواء شيء، بل إلى الإصغاء وحده، كأن الحقيقة الإنسانية بأكملها تختبئ في نظرة شخص يشرب الشاي في مساء لا يحدث فيه شيء يُذكر. ولعل ما يميزه حقًّا ليس تواضعه أمام غريمه العظيم - فلم يكن متواضعًا بقدر ما كان واثقًا من طريق مختلف تمامًا - بل رفضه العميق لفكرة أن الأدب وُجد ليُصلح الإنسان أو يعظه. كان يرى، خلافًا للواعظ الأخلاقي في سنواته المتأخرة، أن مهمة الكاتب أن يصف، لا أن يحكم؛ وأن الصمت الذي يترك للقارئ مساحته الخاصة أصدق من أي خلاصة أخلاقية، مهما بدت نبيلة.
لم يدرك بونين، في تلك الأمسية، أنه لم يكن يتلقى نصيحة عن كتابة القصة القصيرة، بل وصية كاملة حول معنى أن يكون المرء كاتبًا: لا تشرح ما يستطيع القارئ أن يشعر به بمفرده، ولا تطمئنه بنهاية لا يستحقها، ولا تسمح لأحد - ولو كان تولستوي نفسه - أن يقنعك بأن الأدب وحده يحمل إجابات. الأدب العظيم، كما فهمه صاحب "بستان الكرز"، هو ما يجرؤ على ترك السؤال معلّقًا. وحين جلس تلميذه بعد عقود ليكتب عن صديقه الراحل، لم تُفلت من ذاكرته تلك الجملة التي بدت تافهة حين قيلت: "اكتب أقصر." لأنها لم تكن، في جوهرها، سوى الطريقة الوحيدة التي يعرفها الكبار لقول شيء واحد: اكتب أقل، لتبقى حيًّا أطول في ذاكرة من يقرأك.

مساحة إعلانية