مساحة إعلانية
ختام مؤتمر اتحاد شركات التأمين المصرية يضع «هندسة المخاطر» واستمرارية الأعمال في قلب المواجهة.. والزهيري وعبد الصادق يقودان تحركًا لتوسيع شراكة التأمين والصناعة والوقاية
لم يعد الحريق مجرد حادث تنتظر المنشأة وقوعه ثم تفتح شركة التأمين ملف التعويض، بل تحول إلى خطر اقتصادي كامل الأبعاد يمكن أن يضرب الإنتاج والاستثمار وسلاسل الإمداد والأسواق في لحظة واحدة.
هذه الحقيقة كانت العنوان الأبرز لمؤتمر الوقاية من الحريق (FIRE Loss Prevention Conference)، الذي اختتم أعماله يومي 8 و9 سبتمبر 2026، بعدما فتح نقاشًا موسعًا حول كيفية الانتقال بصناعة التأمين من مرحلة «تعويض الخسارة» إلى «منع الخسارة»، عبر هندسة المخاطر والوقاية واستمرارية الأعمال ورفع جاهزية المنشآت لمواجهة الحوادث الكبرى.
من يدفع التعويض إلى من يمنع الكارثة
الرسالة التي خرجت بها جلسات المؤتمر كانت واضحة: التأمين لا يجب أن ينتظر الحريق حتى يبدأ دوره.
فإدارة الخطر الحديثة تبدأ قبل الحادث بوقت طويل، عبر فحص المنشآت، واكتشاف نقاط الضعف، وتقييم مصادر الاشتعال، ومراجعة أنظمة الإنذار والإطفاء، واختبار خطط الطوارئ والإخلاء، وصولًا إلى التأكد من قدرة المنشأة على استعادة نشاطها في حالة وقوع حادث.
وهنا تتغير معادلة التأمين بالكامل؛ فالقيمة الحقيقية لا تكمن فقط في التعويض الذي يتم دفعه بعد وقوع الخسارة، وإنما في الخسارة التي تم منعها أو تقليص حجمها قبل أن تتحول إلى فاتورة اقتصادية ضخمة.
الحريق قد يحرق المصنع.. لكن الخسارة قد تحرق السوق
تكمن خطورة الحرائق في أن آثارها لا تتوقف عند الأصول التي التهمتها النيران.
ففي المنشآت الصناعية، قد يؤدي الحادث إلى توقف خطوط الإنتاج، وتعطل سلاسل التوريد، وفقدان العملاء، وتأخر الالتزامات التعاقدية، وارتفاع تكلفة إعادة التشغيل، فضلًا عن الخسائر المرتبطة بالعمالة والبيئة والأسواق.
ومن هنا أصبحت استمرارية الأعمال عنصرًا رئيسيًا في إدارة الخطر، بعدما بات السؤال الحقيقي عقب الحادث ليس فقط: «كم بلغت قيمة الأضرار؟»، وإنما أيضًا: «كم سيستغرق المصنع حتى يعود إلى الإنتاج؟ وكم ستتكلف فترة التوقف؟»
هندسة المخاطر.. خط الدفاع قبل وثيقة التأمين
فرضت هندسة المخاطر نفسها باعتبارها أحد أهم أدوات الوقاية الحديثة، من خلال الانتقال من التعامل مع نتائج الحوادث إلى محاولة منعها أو الحد من آثارها.
وتشمل هذه المنظومة مراجعة البنية الفنية للمنشأة، وفحص أنظمة الحماية، والتأكد من جاهزية وسائل الإنذار والإطفاء، وتحديد مصادر الخطورة، وتدريب العاملين، وإجراء تجارب الإخلاء والطوارئ، ووضع خطط عملية لاستعادة النشاط.
ومع التطور التكنولوجي، يزداد دور البيانات والذكاء الاصطناعي في تحليل المخاطر واكتشاف المؤشرات المبكرة، بما يتيح لشركات التأمين والمنشآت اتخاذ قرارات أكثر دقة واستباقية.
علاء الزهيري.. التأمين شريك في حماية الاستثمار
ويحسب للاتحاد المصري للتأمين، برئاسة الأستاذ علاء الزهيري، وضع الوقاية من الحرائق في مقدمة أجندة الصناعة، وفتح الباب أمام إعادة تعريف دور التأمين في حماية الاقتصاد.
فالمؤتمر لم يتعامل مع الحريق باعتباره مجرد خطر يتم تسعيره ثم تعويضه، وإنما باعتباره تحديًا يتطلب تعاونًا بين التأمين والصناعة والجهات الفنية والرقابية.
وهذا التوجه يرسخ مفهومًا أكثر تطورًا لصناعة التأمين، يجعلها شريكًا في حماية رأس المال والاستثمار والطاقة الإنتاجية، وليس مجرد جهة تتحمل تكلفة الخسائر بعد وقوعها.
خالد عبد الصادق.. لا تأمين فعالًا دون وقاية
وجاء الدور الذي اضطلع به الأستاذ خالد عبد الصادق، نائب رئيس الاتحاد المصري للتأمين، ليعزز الاتجاه نحو بناء شراكة أكثر فاعلية بين قطاع التأمين والصناعة والجهات المعنية بالسلامة والوقاية.
فالمواجهة الحقيقية للحرائق لا يمكن أن تتحملها جهة واحدة، كما أن التعويض المالي، مهما بلغت قيمته، لا يستطيع وحده تعويض خسارة سوق أو عميل أو سلسلة توريد أو فترة طويلة من توقف الإنتاج.
ومن هنا تصبح الوقاية مسؤولية مشتركة، ويصبح الاستثمار في إجراءات الحماية أقل تكلفة بكثير من تحمل فاتورة الكارثة.
المؤتمر يضع «استمرارية الأعمال» أمام شركات التأمين والمصانع
أحد أهم التحولات التي كشفت عنها فعاليات المؤتمر هو أن إدارة الخطر لم تعد تنتهي عند تركيب شبكة إطفاء أو شراء وثيقة تأمين، وإنما أصبحت منظومة متكاملة تبدأ بتحديد الخطر وتنتهي باستعادة النشاط.
وتفرض هذه الرؤية على المنشآت إعادة النظر في خطط الطوارئ، وعلى شركات التأمين تطوير أدواتها الفنية، وعلى الجهات المعنية توحيد الجهود والمعايير بما يرفع مستوى السلامة ويحد من حجم الخسائر المحتملة.
ما بعد المؤتمر.. هنا يبدأ الاختبار
لكن نجاح المؤتمر لن يقاس بعدد الجلسات أو حجم التوصيات، وإنما بمدى قدرتها على الوصول إلى أرض الواقع.
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى تحويل التوصيات إلى برامج عمل قابلة للقياس، ورفع كفاءة هندسة المخاطر، وتطوير خطط الطوارئ، ونشر ثقافة الوقاية، وتشجيع المنشآت على الاستثمار في أنظمة الحماية قبل وقوع الكارثة.
فالوقاية ليست تكلفة إضافية على الاستثمار.. وإنما تأمين حقيقي للاستثمار نفسه.
المعادلة الجديدة: امنع الخسارة قبل أن تؤمن عليها
في النهاية، وضع مؤتمر الوقاية من الحريق صناعة التأمين أمام دور اقتصادي أكثر اتساعًا؛ دور لا يكتفي بالتعامل مع الخسارة بعد وقوعها، وإنما يعمل على منعها وتقليص آثارها وحماية قدرة المنشأة على الاستمرار.
والرسالة الأهم التي خرجت من المؤتمر يمكن اختصارها في معادلة واحدة:
كل حريق يتم منعه هو تعويض لم يُدفع، ومصنع لم يتوقف، وعمالة لم تتعطل، وسلسلة إمداد لم تنقطع، واستثمار ظل قائمًا.
ومن هنا، فإن الوقاية من الحرائق لم تعد ملفًا فنيًا داخل صناعة التأمين، بل أصبحت قضية اقتصادية تتصل مباشرة بحماية رأس المال واستدامة الإنتاج وقدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات.