مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

عاطف طلب يكتب: البيروقراطية.. كم تُكلف الاقتصاد؟وكيف يمكن تفكيكها بالأرقام؟

2026-06-16 03:41 AM  - 
عاطف طلب يكتب: البيروقراطية.. كم تُكلف الاقتصاد؟وكيف يمكن تفكيكها بالأرقام؟
عاطف طلب

لم تعد البيروقراطية مجرد أزمة إدارية، بل أصبحت تكلفة اقتصادية مباشرة تُقاس بالأرقام. فتعقيد الإجراءات وتأخر التراخيص لا يعرقلان الأفراد فقط، بل يخصمان من معدلات النمو، ويضعفان جاذبية الاستثمار، ويزيدان من تكلفة ممارسة الأعمال. 
والسؤال لم يعد: هل نعاني من البيروقراطية؟ بل: كم نخسر بسببها؟
تشير تقارير دولية إلى أن تعقيد الإجراءات الحكومية يمكن أن يرفع تكلفة تأسيس الشركات بنسبة تتراوح بين 20% و30% مقارنة بالبيئات الأكثر مرونة. كما أن طول دورة إصدار التراخيص في بعض الدول النامية قد يصل إلى 6 أشهر أو أكثر، بينما لا يتجاوز يومًا واحدًا في الاقتصادات الرقمية المتقدمة.
وفي تقرير البنك الدولي حول سهولة ممارسة الأعمال، ثبت أن الدول التي خفّضت عدد الإجراءات الإدارية بنسبة 50% نجحت في جذب استثمارات أجنبية مباشرة أعلى بنحو 30% خلال سنوات قليلة فقط.
أما على مستوى الإنتاجية، فتُظهر الدراسات أن الموظف في بيئة بيروقراطية يقضي ما يقرب من 40% من وقته في إجراءات روتينية غير منتجة، وهو ما يعني هدرًا مباشرًا في كفاءة الجهاز الإداري.
ولا تقف الخسائر عند هذا الحد، إذ تشير تقديرات إلى أن الفساد المرتبط بالإجراءات المعقدة قد يستهلك ما بين 2% إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي في بعض الاقتصادات، نتيجة الرشاوى وتعطيل المصالح.
كيف تُواجه الدول البيروقراطية؟ (نموذج رقمي)
1. التحول الرقمي الكامل
دول مثل إستونيا نجحت في رقمنة أكثر من 99% من الخدمات الحكومية، ما خفّض زمن إنجاز المعاملات إلى دقائق بدلًا من أيام، وساهم في توفير ما يعادل 2% من الناتج المحلي سنويًا.
2. تقليل زمن بدء النشاط
في سنغافورة، يمكن تأسيس شركة خلال أقل من 24 ساعة، مقارنة بمتوسط يتجاوز 20 يومًا في بعض الدول النامية، وهو ما انعكس على تصنيفها كواحدة من أفضل بيئات الأعمال عالميًا.
3. تقليص عدد الإجراءات
خفض عدد الموافقات والتصاريح من 10 خطوات إلى 3 فقط يمكن أن يقلل زمن الخدمة بنسبة تصل إلى 70%، ويزيد رضا المستثمرين بشكل ملحوظ.
4. ربط الأجور بالأداء
تطبيق نظم تقييم تعتمد على الإنتاجية بدلًا من الأقدمية أدى في بعض التجارب إلى رفع كفاءة العمل الحكومي بنسبة 25%.
مصر.. أين نقف؟
قطعت مصر خطوات مهمة في هذا الملف، خاصة عبر التوسع في الخدمات الرقمية، وإطلاق منصات حكومية إلكترونية، وتقليل الاعتماد على المعاملات الورقية. ومع ذلك، لا تزال التحديات قائمة في بعض القطاعات، خصوصًا ما يتعلق بتعدد الجهات، وطول دورة الموافقات، والحاجة إلى مزيد من التكامل الرقمي.
الأرقام تؤكد أن البيروقراطية ليست مجرد مشكلة إدارية، بل "ضريبة خفية" يدفعها الاقتصاد يوميًا. والإصلاح الحقيقي لا يعني إلغاء القواعد، بل إعادة تصميمها لتخدم الهدف: اقتصاد أسرع، أكثر كفاءة، وجاذب للاستثمار.
ويبقى الرهان: هل نتحرك بالسرعة الكافية لتحويل الإصلاح الإداري إلى مكسب اقتصادي ملموس؟

مساحة إعلانية