مساحة إعلانية
ليست قوة الدولة في كثرة القضايا التي تخوضها أمام المحاكم، وإنما في قدرتها على إعلاء سيادة القانون واحترام الحقوق دون أن تضطر المواطنين إلى خوض معارك قضائية لا مبرر لها. ومن هنا تكتسب الفتوى الصادرة عن الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة أهمية خاصة، ليس فقط لما انتهت إليه من نتائج قانونية، بل لما حملته من فلسفة متقدمة في فهم العلاقة بين الإدارة والمواطن.
فالفتوى أرست مبدأً بالغ الأهمية مؤداه أن الإدارة لا يجوز لها أن تُلجئ المواطن أو الموظف إلى القضاء للمطالبة بحق أصبح ثابتاً ومستقراً بموجب أحكام القضاء أو المبادئ القانونية المستقرة، طالما انتفى النزاع الجدي حول أصل الحق أو مقداره. وهو مبدأ يتجاوز حدود النزاع الذي صدرت بشأنه الفتوى ليصلح قاعدة عامة في العمل الإداري الرشيد.
في حقيقة الأمر، لا يُفترض في الجهات الإدارية أن تتعامل مع المواطن بوصفه خصماً دائماً، ولا أن تجعل من التقاضي طريقاً إجبارياً للحصول على الحقوق الواضحة. فوظيفة الإدارة في دولة القانون ليست البحث عن المبررات لتأخير الحقوق، وإنما المبادرة إلى تنفيذ القانون وإنفاذ ما استقر عليه القضاء، تحقيقاً للعدالة وصوناً للثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وقد جاء تأكيد مجلس الدولة على أن أحكام المحكمة الدستورية العليا لا تقتصر آثارها على أطراف الدعوى، وإنما تمتد إلى الكافة وتلتزم بها جميع سلطات الدولة، ليؤكد حقيقة قانونية مستقرة مفادها أن الدولة ليست في حاجة إلى انتظار مئات أو آلاف الأحكام المتطابقة حتى تعترف بحق أصبح ثابتاً بحكم الدستور والقانون.
ومن أبرز ما يلفت النظر في هذه الفتوى أنها أعادت التذكير بالغاية الحقيقية من التقاضي. فالمحاكم وُجدت لحسم المنازعات وكشف وجه الحق عند الاختلاف، لا لتحصيل الحقوق التي لم تعد محل خلاف. وعندما يصبح الحق واضحاً ومستقراً، فإن إجبار صاحبه على إقامة الدعوى لا يضيف جديداً إلى الحقيقة القانونية، وإنما يضيف سنوات من الانتظار ونفقات التقاضي وأعباءً إضافية على القضاء والإدارة معاً.
ومن الناحية العملية، فإن إصرار بعض الجهات على عدم صرف الحقوق إلا بعد صدور أحكام قضائية فردية ومتكررة يخلق حالة من التضخم القضائي غير المبرر، ويؤدي إلى استنزاف وقت المحاكم وجهد القضاة في قضايا متشابهة ومحسومة من حيث المبدأ. كما أنه يحمل الدولة نفقات إضافية كان يمكن تجنبها لو تم احترام المبادئ القضائية المستقرة منذ البداية.
ولعل أهم ما يمكن استخلاصه من هذه الفتوى هو أن احترام الأحكام والمبادئ القضائية لا يبدأ داخل قاعات المحاكم، بل يبدأ داخل مكاتب الجهات الإدارية ذاتها. فالإدارة الرشيدة هي التي تستجيب للقانون قبل أن تُجبرها الأحكام على ذلك، وتبادر إلى رد الحقوق قبل أن يتحول أصحابها إلى متقاضين.
إن الدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على إصدار القوانين، وإنما بقدرتها على تنفيذها بعدالة وكفاءة. ولذلك فإن إلجاء المواطنين إلى القضاء للحصول على حقوق استقر القضاء على ثبوتها لا يمثل دفاعاً عن المال العام، بل قد يتحول إلى صورة من صور التعسف الإداري وإهدار الموارد العامة وتعطيل العدالة.
وتبقى الرسالة التي حملتها فتوى مجلس الدولة جديرة بأن تكون منهجاً إدارياً عاماً: إذا كان الحق ثابتاً ومستقراً، فلا يجوز أن يتحول التقاضي إلى شرط للحصول عليه، لأن العدالة الحقيقية تبدأ حين تبادر الدولة إلى إعطاء الحقوق قبل أن يُطالب أصحابها بها أمام المحاكم.