مساحة إعلانية
أثارت واقعة القبض على شخص يعمل محاسبًا بعد اتهامه بانتحال صفة أستاذ في جراحة القلب وممارسة مهنة الطب لمدة تقارب عشر سنوات حالة من الدهشة والجدل. ليس بسبب واقعة التزوير نفسها، فالقانون واضح في التعامل مع مثل هذه الجرائم، ولكن بسبب الأسئلة المنطقية التي تفرض نفسها على كل من يتابع تفاصيل القضية.
كيف يمكن لشخص ساقط السن، لا يحمل المؤهلات المعلنة، أن يقدم نفسه على أنه أستاذ في جراحة القلب طوال هذه السنوات؟ وكيف استطاع أن يتعامل مع مرضى وزملاء ومؤسسات دون أن يثير الشكوك؟ والأهم، كيف استمرت هذه الصورة الذهنية مستقرة لدى كل من تعامل معه كل هذه المدة؟
إذا كانت الرواية المتداولة صحيحة، فنحن أمام شخص مارس العمل الطبي لعقد كامل دون أن يكتشف أحد أمره من داخل التخصص نفسه. لم يخرج طبيب قلب أو جراح قلب ليقول إنه ليس من أبناء المهنة. ولم يظهر من الدائرة المهنية المحيطة به من يكشف حقيقته أو يشكك في صفته. ولم يتقدم المرضى الذين تعاملوا معه بشكاوى تتعلق بإهمال جسيم يكشف افتقاره إلى المعرفة الطبية التي يدعي امتلاكها.
ومن المفارقات أن الشك لم يبدأ من داخل المستشفيات أو المؤسسات الطبية أو حتى من المرضى، وإنما جاء من ضابط في مباحث الأحوال المدنية لاحظ وجود خلل أو عدم انتظام في تسلسل بياناته الرسمية، فقاد ذلك إلى فحص أوسع انتهى إلى اكتشاف الواقعة.
وهنا يبرز التساؤل الساخر الذي يفرض نفسه: إذا كان الرجل قد أقنع الجميع لعشر سنوات بأنه طبيب وأستاذ جراحة قلب، ولم يشك فيه المتخصصون، ولم يكذبه المحيطون به، ولم يفضحه المرضى، فهل المشكلة في ادعائه أم في المنظومة التي منحته هذه المساحة من الثقة دون تدقيق؟
بالطبع، لا يمكن أن يتحول النجاح في الخداع إلى دليل براءة، ولا يجوز أن تصبح القدرة على التمثيل شهادة اعتماد. فالتزوير يظل تزويرًا مهما طالت مدته، وانتحال الصفة يظل جريمة حتى لو صدقها الجميع. لكن القضية تكشف في الوقت نفسه خللًا يستحق التوقف أمامه؛ لأن السؤال الحقيقي ليس كيف زور شخص صفته، بل كيف استطاع أن يفعل ذلك كل هذه السنوات دون أن يراجعه أحد أو يتحقق من أوراقه أو يختبر حقيقة ما يدعيه.
إن ما يدعو إلى التقدير في هذه الواقعة هو الدور الذي قامت به الجهات المختصة عندما تعاملت مع الشك المهني باعتباره واجبًا وظيفيًا لا إساءة لأحد. فالتدقيق في البيانات ومراجعة المستندات ليست تعنتًا، بل جزء أساسي من حماية المجتمع والمؤسسات والمهن من العبث والتلاعب.
فالقصة في جوهرها لا تتعلق برجل ادعى أنه أستاذ جراحة قلب فقط، وإنما تتعلق بأهمية أن تبقى الحقائق أقوى من المظاهر، وأن تظل الوثائق أقوى من الادعاءات، وأن يبقى القانون هو الفيصل بين الحقيقة والوهم.
وفي النهاية، إذا كان شخص واحد استطاع أن يقنع الجميع بما ليس فيه لعشر سنوات، فالمطلوب ليس التصفيق لقدراته في التنكر، بل مراجعة الثغرات التي سمحت له بالاستمرار كل هذه المدة. لأن المجتمعات لا تُقاس بقدرة المحتال على الخداع، وإنما بقدرتها على اكتشاف الخداع ومنعه قبل أن يتحول إلى واقع يصدقه الجميع.