مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

الشاعر حسن غريب يكتب : الفيسبوك... جمهورية الضجيج الكبرى

2026-07-17 03:38 PM  - 
الشاعر حسن غريب يكتب : الفيسبوك... جمهورية الضجيج الكبرى
الشاعر حسن غريب أحمد - العريش

في كل صباح، يفتح ملايين الناس أبواب "فيسبوك" كما لو أنهم يدخلون مدينة افتراضية لا تنام.

غير أن هذه المدينة لم تعد تشبه تلك التي وُلدت من أجل التواصل الإنساني، بل تحولت – عند قطاع واسع من مستخدميها – إلى جمهورية للضجيج، لا يُسمع فيها صوت العقل إلا خافتًا بين جلبة الصراخ.

هنا تتجاور منصات الإبداع مع ساحات الشتائم، وتختلط الحكمة بالهبد، والرأي بالافتراء، والنقد بالتشهير، حتى يصعب أحيانًا التمييز بين صاحب الفكر وصاحب الضوضاء.

يكفي أن يكتب أحدهم رأيًا حتى تنهال عليه قوافل الاتهامات، ويخرج من بين الصفوف خبراء في كل شيء: في السياسة، والأدب، والدين، والطب، والاقتصاد، وكأن الجامعات أغلقت أبوابها، وقررت أن تمنح شهاداتها من خلال لوحة المفاتيح.

أما ثقافة الحوار، فقد أصبحت ضيفًا ثقيلًا لا يرحب به أحد.

فالغاية لم تعد الوصول إلى الحقيقة، وإنما الانتصار للنفس، ولو كان الثمن تشويه الآخرين، وليّ أعناق الوقائع، واختلاق الاكاذيب، وتحويل صفحات التواصل إلى ساحات لتصفية الحسابات.

وللأسف، فإن بعض المستخدمين يعيشون على وهم البطولة الرقمية؛ يظنون أن ارتفاع أصواتهم دليل على ارتفاع مكانتهم، وأن كثرة التعليقات تعني عمق الفكرة، بينما الحقيقة أن الضجيج لا يصنع قيمة، كما أن النفخة الكاذبة لا تحول القزم إلى عملاق.

لقد أصبح الوقت هو الضحية الكبرى. ساعات طويلة تُهدر في معارك إلكترونية عقيمة، لا منتصر فيها إلا شركات التقنية، التي تزداد أرباحها كلما ازداد انشغال الناس بالجدال، بينما يخسر الإنسان من عمره وهدوئه وعلاقاته أكثر مما يتصور.

والأخطر من ذلك كله أن الكلمة المكتوبة لا تموت، وأن ما يكتبه الإنسان اليوم قد يجده غدًا شاهدًا عليه، فكم من سمعة هُدمت بمنشور كاذب، وكم من قلب انكسر بسبب تعليق ساخر، وكم من خصومة اشتعلت لأن صاحبها لم يزن كلماته قبل نشرها.

ليس "فيسبوك" هو المذنب، فهو مجرد أداة؛ وإنما المذنب هو من جعل منه منبرًا للغيبة، ومصنعًا للشائعات، ومسرحًا للغرور، وميدانًا للتشهير. فالمنصة لا تكتب، وإنما نحن من نكتب، وهي لا تسيء، وإنما نحن من نسيء.

إن أخلاق الإنسان لا تُقاس بما يقوله في حضور الناس، بل بما يكتبه وهو يظن أن الشاشة تخفيه. غير أن الشاشات قد تخدع البشر، لكنها لا تخدع الضمير، ولا تُسقط المسؤولية، ولا تُلغي الحساب.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه طويلًا: كم منشورًا كتبناه يستحق أن نلقى الله به؟

 وكم كلمة أطلقناها لمجرد الانتصار في معركة وهمية، فخسرنا بها احترام الناس وربما رضا الله؟

إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الصراخ، بل إلى كلمة صادقة، وعقل متزن، وقلب يعرف أن الكلمة أمانة، وأن احترام الإنسان للإنسان هو أول معايير الرقي الحضاري، سواء كان اللقاء وجهًا لوجه، أم عبر شاشة صغيرة اسمها "فيسبوك".

مساحة إعلانية