مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

الشاعر الدكتور مصطفي رجب يكتب:الفكاهة في شعر محمد مصطفى حمام

2026-10-29 11:29 PM  - 
الشاعر الدكتور مصطفي رجب يكتب:الفكاهة في شعر محمد مصطفى حمام
الشاعر الدكتور مصطفي رجب

كان الشاعر محمد مصطفى حمام ( 1906-1964م ) نمطاً فريداً بين شعراء عصره لما كانت تتميز به شخصيته من تفرد لم يعرفه معاصروه في شاعر غيره ؛ فقد كان مثالاً نادراً يجمع بين السلوك القويم ، والخلق الحسن ، وخفة الظل ، والثقافة الرفيعة .
وقد ولد شاعرنا في مدينة فارسكور بمحافظة دمياط عام 1906م وفقد أباه وهو في الرابعة من عمره فكفله جده لأمه وألحقه بالتعليم الديني في الكُتَّاب فحفظ القرآن الكريم ثم انتقل إلى التعليم الابتدائي في بلده ومنه إلى المدرسة الخديوية الثانوية بالقاهرة . ولم يستمر فيها طويلاً حيث اندلعت ثورة 1919م وأضرب تلاميذُ المدارس وخرج شاعرنا من مدرسته محمولاً على أكتاف زملائه وهو يقود المظاهرات المؤيدة للثورة ويفْتنُّ في ابتكار صيغ الهتاف بصوت رخيم قوي ، ويُلهب مشاعر الجماهير بحماسته وتدفقه وحسن إلقائه .
ثم انتهت المظاهرات وانتهى معها أمل شاعرنا في التعليم مرة أخرى فاتصل ببعض الصحف والمجلات ينشر فيها أشعاره وأزجاله ، وتتعاقب عليه السنون في العاصمة ويسطع نجمه في المحافل الأدبية ، شاعراً ظريفاً ، وراوية فكِهاً ويحفظ الطرائف والأوابد من الشعر ، وفي مصر حينئذ كبراء ووزراء يسمعون ويتذوقون الشعر ويطربون له ففتحوا له الطريق إلى العمل في دواوين الحكومة وأتاحت له وظيفته الصغيرة ما يسد الرمق وتلبية احتياجاته الأساسية ولكنه كان مزواجاً تزوج ثلاثاً وأنجب عشرة من الأبناء مما زاد أعباءه وفقره ، بيد أنه كان يُرَوِّضُ الفقر ترويضاً – كما يقول عنه صديقه الشاعر طاهر أبو فاشا رحمه الله في كتابه عن الذين أدركتهم حرفة الأدب – وكان يعايش الفقر راضياً ما دام في يديه القليل واتخذ من شعره وسيلة للتكسب والرزق ، فكلما مسته الحاجة نظم البيتين أو الأبيات يُضّمِنها حاجته ، ويوجهها إلى مَنْ يقصده من هؤلاء فتكون طرافة الطلب خليقة بتحقيق المطلوب .
وكانت فيه أريحيّة وخصال هي خصال المؤمنين فقد كان مأمون الغيب لا يذكر أحداً بسوء حتى أهل السوء ، فلم يكن ساخطاً أو ناقماً أو مغروراً حتى في أحلك أوقات الضنك وكان كما قال في قصيدة له :  
            علمتني الحياة أن أتلقّى ............     كل ألوانها رضاً وقبولاً
            والذي أُلْهِمَ الرضا لا تراه  .........  أبدَ الدهر حاسداً أو عذولا

ويروي الشاعر الناقد كمال النجمي قصة قصيدة فكاهية لحمام تعكس معاناته وكان قد رواها لبعض أصدقائه في جلسة في نادي نقابة الصحفيين بالقاهرة فقال حمام لجلسائه : 
- لم يعد يحز في نفسي شيء من متاعب الدنيا إلا معاملة سائقي التاكسي لي . . . فقد عرفوني جميعاً ، وعرفوا أني أركب التاكسي ثم أعتذر عن دفع الأجرة ، فأصبحوا لا يقفون إذا أشرت إليهم بالوقوف . . . وإذا رأوني مقبلاً إلى موقفهم تحركوا بسياراتهم وهربوا مني . . !! 
ثم ضحك حمام ضحكته التي كانت تصدر عنه صافية ذات رنين ، كأنها صادرة عن قلب خالٍ من الهموم . . وقال : 
- لقد دخل سائقو التاكسي التاريخ ، لأني ذكرتهم في أبيات نظمتها اليوم . . وكانت أبياتاً هزلية يعارض بها قصيدة شوقي الرائعة التي مطلعها : 
               أما العتاب فبالأحبة أخلق   والحب يصلح بالعتاب ويصدق
- قال حمام :

                 أما الفلوس فبالأحبة أخلق  ..........  والقرش أقرب للفؤاد وألصق
                 لم يبق في جيبي سوى تعريفة ............ والله يمنح من يشاء ويرزق

                لما قصدت البنك أطلب سلفة ......  قالوا : ابتعد فالبنك لا يتصدق

                  هل من كريم أرتجيه لورطتي ,,,,,,,,,,  سمح اليدين إلى المكارم يسبق

                   فإذا سألت بريزة من فيضه ............... ألفيت بحر برائز يتدفق

                     شاورت للتاكسي أريد ركوبه  .....  فمضى يبرطع كالحمار وينهق

                       السائقون دروا بإفلاسي فما .........  يقفون لي وأنا أشير وأزعق

ويقول حمام  في قصيدة أخرى وهو يضحك عن القروض وأهميتها لديه . .
       قد درأنا الإفلاس بالتسليف ............  واشترينا به غموس الرغيف
     لا نبالي إذا القروض توالت ............. كبسة الصيف أو هجوم الخريف

وكان له موهبة أخرى فهو يجيد تقليد الأصوات تقليداً متقناً وبارعاً فهو يحاكي الصوت ثم يحاكي لوازم صاحبه عند الكلام ، فيُخيل إلى المستمع أنه يسمع صوت صاحب الصوت نفسه ، وله في ذلك مهارات عجيبة ومقالب طريفة ، جعلت منه الجليس الأنيس فاكهة السامر وريحانة المجالس .
ومما يُروى من مقالبه أنه عندما وقعت خصومة بين الأستاذين العقّاد وتوفيق دياب الصحفي اللامع وصاحب جريدة الجهاد ، اتصل " حمام " هاتفياً بالأستاذ العقاد وبادأهُ بصوت الأستاذ توفيق دياب ولوازمه في كلامه ولاطفه وعاتبه ومازال به حتى أبرأ صدره من الغضب وضرب له موعداً للقاء ، ثم اتصل هاتفياً بالأستاذ توفيق دياب وبادأه بصوت العقاد وبلوازمه في كلامه فعاتبه ومازال به حتى صفّى ما بنفسه وضرب له موعداً للقاء ، ويكون اللقاء ويأتي الحديث عن الكلمات المتبادلة بينهما هاتفياً ، فينكر كل منهما أنه اتصل بالآخر وينكشف " المقلب " ويعرفان أنه من محمد مصطفى حمام .
وقد روى أنيس منصور في كتابه عن صالون العقاد موقفاً طريفاً يدل على خفة ظل شاعرنا وسرعة بديهته ، ففي إحدى ندوات الأستاذ العقاد طُلب منه أن يُقلد طه حسين في طرقه حديثه : فأخرج نظارة سوداء ووضعها على عينيه ومال إلى الأمام ثم قال : 
إذا كنتُ راكباً حماراً ، فأنا راكبٌ والحمار مركوب ، ولما كان المركوب هو الذي نلبسه في القدم ولما كان الحمار لا يلبس في القدم ، فالحمار ليس مركوباً ، ولما كنتُ راكباً ، ولم يكن الحمار مركوباً فلا أنا راكبٌ ولا الحمارُ مركوب ، ولا عرف أبو العلاء هذا النوع من المراكيب …إذا فأيُّ الأنواع كانت شائعة على أيام أبي العلاء ؟؟!!.
ويُلاحظ هنا لوازم طه حسين في أسلوبه فهو يميل إلى التكرار ولا يَملُّ من ذكر أبي العلاء المعريّ ، وفي نفس المجلس طُلب منه أن يُقلد العقاد في طريقة حديثه فاعتدل وجلس جِلسةَ العقاد ثم قال : 
" فرأس الشيوعي مثل القوالب الخشبية التي يضعونها في الأحذية لتجعل الحذاء مشدوداً فإذا أصبحت مشدودة أخرجوا منها القوالب ووضع الشيوعيون رؤوسهم فيها ، وليس غريباً أن الشيوعي "تر وتسكي" عندما ألقوا القبض عليه أمسك حذاء في يده وهددهم ، إنه لم يهددهم إنما الحذاء أحد الشعارات الشيوعية ، ولما كان الشيوعيون يمشون على رؤوسهم أي على عقولهم أي على أفكارهم فرؤوسهم تحت وأرجلهم فوق ،ولما كان الشيوعيون حريصين على رأس الفكر وليس رأس المال فإنهم يضعون رؤوسهم في أحذية فلسفية " .
ويُلاحظ هنا براعته في اختيار موضوع تقليده للعقاد حيث اختار الشيوعية كمذهب ضال تنبأ العقاد بسقوطه ودكّ أركانه بفكر ثاقب وبصيرة نافذة .
وفن الهجاء مظهر من مظاهر الفكاهة في شعرنا العربي ، ولكنه عند محمد مصطفى حمام نلاحظ أن ما كتبه في الهجاء أقرب إلى المداعبة والمعابثة منه إلى سوء القول وفُحشه ، فقد كان له صديق يسمى " نجاتي " وكان أديباً ومطرباً ولكن شاعرنا كان يستنكر صوته ولا يعترف به مطرباً فقال يهجوه : 
             ألا قبحاً لصوتك يا نجاتي....... لحقٌّ أنت إحدى المزعجات

            فلو أني استعنت على عدوٍ...... بصوتك لاسترحت من العداة

             ولو غنّيْتَ في عرس بهيج............ لصيّرتَ الرواقص لاطمات

وتنعكس ثقافة حمام الدينية على إبداعه الفني ، فهو يتخذ من بعض أحكام الشريعة الخاصة 
بـ ( الصوت ) وسيلة للنكير على صديقه ذاك صاحب الصوت المزعج ، فيقول هازئاً به إنه لو اختير مؤذناً يدعو الناس إلى الصلاة لكان نكران صوته أكبر وسيلة للتنفير لا للدعوة . ولو مكث بجوار المسجد الحرام بمكة يدعو الناس إلى الحج ، لأعرض المسلمون عن الحج تحاشياً لصوته المنكر ، يقول حمام :
ولو أذّنت للصلوات يوما ........... رددت المسلمين عن الصلاة

 ولو جاورت بيت الله تشدو........... بصوتك في البقاع الطاهرات

لقلنا الحج ليس بمستطاع ............. فأبطلتَ الفريضة يا نجاتي !!

وشاعرنا حمام لديه طاقة هائلة في السخرية تجعله يرسم صورة لا تنسى لمن يسخر منهم ، وسخريته من النوع الذي يمتزج فيه الجد بالهزل امتزاجاً لطيفاً لا يكاد يبين . 
فمن ذلك قصيدته التي أسماها ( مناجاة ) وهي غير موجودة في ديوانه ولكننا عثرنا عليها في جريدة الوادي العدد الصادر يوم 31أكتوبر عام 1934م ، وهي مناجاة بين الوزير والكرسي ، يسخر فيها من أولئك الوزراء الذين ألقت بهم أقدارهم على كرسي الوزارة فانكبوا على كراسيهم تلك يوسعونها حباً وتقبيلاً يكاد يصل إلى درجة العبادة ، وشاعرنا يشخص الكرسي ويخاطبه على لسان الوزير قائلاً :
تقبلتني – بالرغم منك – نزيلا .... فلا ترجُ مني – الدهر – عنك رحيلا

ولستُ أبالي كنتُ ضيفاً محببا ............ لنفسك ، أو ضيفاً عليك ثقيلا

  ويمضي الوزير في رحلة توسل طويل يناشد كرسي الوزارة ألا يتخلى عنه ويبحث عن سواه 
[ ومن الجدير بالإشارة هنا أن تلك الحقبة كانت حقبة تغييرات وزارية ودستورية متسارعة في مصر ] ويضرع الوزير إلى الكرسي ألا يُشمت خصومه السياسيين الذين يشفي غليلهم أن يروه خارج الوزارة : 
نشدتك يا كرسيُّ إلا صحبتني ........ طويلاً ولم تخطب سوايَ خليلا

 ولم تتبرم بالذي أنت حاملُ ..........   فإني لأخشى أن تكون ملولا

وإني لأخشى أن يُفَرَقَ بيننا ............... فتورثني حزناً عليك طويلا

وتشمت بي خصماً يُروِّي نفوسَهم............ هواني ويشفي للصدور غليلا

ويشتط الخيال بالوزير وهو يناجي كرسيه ، وما إن يصل إلى هذه اللحظة التي يتخيل فيها خروجه ، حتى تنساب في نفسه خيالات مخيفة لا تقف عند حد أولئك الخصم الذين سيسعدهم خروجه ، وإنما سيمتد اثر خروجه إلى حياته الخاصة فتنهار صروح المنى التي رتع فيها زمناً قصيراً ، وينفض عنه أولئك الذين نعموا بعطاياه إبان عزه وجاهه . وتقلب له الدنيا ظهر المجنّ فتلقي به في مزبلة التاريخ ليجاور أسلافه من المتسلقين المتملقين : 
            ويرتد ما شيَّدتُ من صرح عِزَّتي....... كثيباً كما يهوى العداةُ مهيلا

            وينفضُّ من حولي أناس تفيأوا........... ظلالي وأُعْطُوا من ندايَ جزيلا

           فيومئذ أبكي لجاه مُضيع ............ وجيش من الأعوان صار فلولا

            ودنيا حسبناها علينا مقيمة............ فزالت وما أجدت علىّ فتيلا

 وهناك قصيدة فكاهية أخرى لشاعرنا محمد مصطفى حمام لم يتضمنها ديوانه الذي نشر بعد وفاته ، وعثرنا عليها في مجلة  "الاثنين و  الدنيا " العدد 1168 الصادر في 29 أكتوبر 1956م ، وهي بعنوان ( كن صريحاً ) سلك فيها مسلك الشعراء الحلمنتيشيين أمثال بيرم التونسي وحسين شفيق المصري ، الذي كانت عادتهم معارضة قصيدة مشهورة ، مع ذكر مطلعها منسوباً لقائلها ، ثم النسج على منوالها في أغراض جديدة تمزج الفكاهة بالجد ن وقد اختار شاعرنا لقصيدته مطلع قصيدة عمر بن الوردي الشهيرة : 
اعتزل ذكر الأغاني والغزلْ
   واترك اللهو وجانبْ من هزلْ

وهو يخاطب بهذه القصيدة المتحدثين باسم الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة العربية ، وبصفة خاصة في مصر ، ويبدو من تاريخ نشر القصيدة أنها كانت خلال الحملة الإعلامية الضخمة التي شنتها الدول الغربية على مصر في أعقاب قرار تأميم شركة قناة السويس المصرية في 26 يوليو 1956م تلك الحملة الشرسة التي انتهت بعدوان ثلاثي عسكري مباشر من فرنسا وبريطانيا و إسرائيل على مدينة بور سعيد ، ودعم سياسي أمريكي . وقد بدأت عمليات العدوان في يوم
 29 / 10/ 1956م  - نفس اليوم الذي نشرت فيه القصيدة - في مجلة ( الاثنين والدنيا ) 
والنموذج الذي يخاطبه شاعرنا هو نموذج ذلك الرجل السياسي المنافق حمال الأوجه الذي يحذو حذو أمريكا في غموض سياستها آنذاك فهو يستحلفه بجورج واشنطن الرئيس الأمريكي الأسبق الذي يعتبره الأمريكيون وحلفاؤهم مثالاً للبطل الوطني المعطاء . يستحلف شاعرنا النموذج الذي يخاطبه بهذا البطل الشهير ويسأله أن يكون واضحاً صريحاً حاسماً قاطعاً في تصريحاته وأقواله ، وألا يتذرع بالدبلوماسية ويتخذ منها وسيلة للمراوغة والتضليل ، يقول حمام :

                      أيها الناطق عن أمريكةٍ ....  أنت قد هددت عقلي بالخلل

                   أنا في عرض وشنطون الذي ....  هو في تاريخكم نعم البطل

                     قل لنا قولاً صريحاً مرة ......... أنت حيرت شعوباً ودول

                   كل حين لك لون يا فتى  ........  كل يوم لك رأي مرتجل

                      أعلينا أنت ؟ أم أنت لنا ؟.........    أسروراً تتمنى أم زعل؟

مساحة إعلانية