مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

الحكاية التي لم تكتمل بعد .. بقلم شحاته زكريا

2026-08-06 01:57 PM  - 
الحكاية التي لم تكتمل بعد .. بقلم شحاته زكريا
شحاته زكريا
إعلان بنك saib

ليست أخطر الحكايات تلك التي انتهت بل تلك التي يظن أصحابها أنها انتهت بينما هي لم تبدأ بعد. فالتاريخ لا يضع نقطة في آخر السطر بل يفتح صفحة جديدة ويترك للأمم أن تختار: هل تكتبها بالحكمة أم بالأخطاء؟ الأوطان لا تعرف النهاية. كل إنجاز فيها بداية لا خاتمة وكل نجاح امتحان جديد وكل جيل يتسلم الراية لا ليحتفل بما أنجزه السابقون بل ليضيف سطرا جديدا في كتاب الوطن.. لهذا تبدو الحكاية دائما ناقصة... ليس لأنها فشلت ولكن لأنها لم تكتمل بعد.
كم من دول امتلكت المال ثم خسرت الإنسان فسقطت وهي تظن أنها قوية. وكم من شعوب ضاقت بها الإمكانات لكنها امتلكت الإرادة فصنعت من الحلم حقيقة ومن الصعاب طريقا إلي المستقبل. فالقوة لم تكن يوما فيما نملك بل فيما نصنع وفي قدرتنا علي تحويل التحديات إلي فرص.
الحكاية الحقيقية ليست طريقا جديدا ولا مدينة حديثة ولا مصنعا يرتفع في الأفق. إنها عقل يتعلم وضمير يستيقظ ويد تعمل بإخلاص. فكل حجر يمكن أن يُبني لكن الإنسان لا يُبني إلا بالعلم، والأخلاق، والوعي.. لقد أثبت التاريخ أن الحضارات لا تنهار حين تقل مواردها وإنما حين تضعف قيمها. فالانهيار يبدأ عندما يصبح الكذب أمرا عاديا والإهمال سلوكا مقبولا والأنانية ثقافة ويظن كل فرد أن المسؤولية تقع علي غيره.
ومن هنا تبدأ المعركة الحقيقية... معركة بناء الإنسان.
فالمعلم الذي يوقظ عقلا والطبيب الذي يخفف ألما والعامل الذي يؤدي عمله بضمير والأم التي تربي أبناءها علي الصدق كلهم يكتبون تاريخا لا تذكره العناوين لكنه يبقي حاضرا في قوة المجتمع واستقراره.. الأوطان لا يصنعها المشهورون وحدهم بل يبنيها أيضا أولئك الذين يعملون في صمت ويؤمنون بأن الإخلاص قيمة وأن إتقان العمل صورة من صور الانتماء.. وفي عالم يتغير بسرعة مذهلة لم يعد السؤال: ماذا حققنا؟ بل كيف نحافظ علي ما تحقق؟ وكيف نصنع ما هو أفضل؟ فالتوقف في زمن الحركة تراجع والاكتفاء بما مضي بداية لفقدان ما هو آت. ويبقي الإنسان هو الفصل الأهم في كل الحكايات. فإن صلح استقامت الحكاية وإن فسد ضاعت كل العناوين البراقة مهما كانت الإنجازات كبيرة.
لهذا فإن الحكاية التي لم تكتمل بعد ليست حكاية وطن فقط بل حكاية كل واحد منا. فكل كلمة صادقة وكل عمل مخلص وكل ضمير حي يضيف سطرا جديدا في كتاب المستقبل.
فالتاريخ لا يخلد من عاشوا طويلا... بل يخلد من جعلوا حياة الآخرين أفضل. وتلك هي الحكاية الوحيدة التي لا تنتهي. 

مساحة إعلانية