مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

الجميلي أحمد يكتب:المهندس عصام بشارة يعيد رسم القصيدة بلغة الهندسة

2026-08-06 06:38 PM  - 
الجميلي أحمد يكتب:المهندس عصام بشارة يعيد رسم القصيدة بلغة الهندسة
الجميلي أحمد
إعلان بنك saib

من النادر أن ينجذب كاتب إلى كتاب هندسي منذ عنوانه لكن هذا ما حدث معي تماما وبرغم أنني كاتب وليس لي في الهندسة شيء فإن عنوان كتاب الدرة الثمينة في هندسة الكلمة ومعمارية الأنماط أخذني إليه بقوة وجعلني أفتحه بدافع الفضول ثم لم يلبث هذا الفضول أن تحول إلى شغف وأنا أتصفح صفحاته وكأنني لا أقرأ كتابا وإنما أرى المهندس عصام حسن بشارة يرسم أفكاره أمامي ويضع كل فكرة في مكانها كما يضع المهندس حجره الأول ثم الثاني حتى يكتمل البناء ولم أكن أمام كتاب يشرح نظريات هندسية بقدر ما كنت أمام عقل يحاول أن يمنح الكلمة شكلا جديدا وأن يقنع القارئ بأن الشعر يمكن أن يكون بناء وأن الإيقاع يمكن أن يصبح معمارا وأن الحرف يحمل في داخله نظاما لا يقل دقة عن أي نظام هندسي
ومنذ الصفحات الأولى يتضح أن المؤلف لا يقدم كتابا تقليديا في الهندسة ولا دراسة مألوفة في العروض وإنما يخوض مغامرة فكرية نادرة يحاول فيها أن يلتقي بعبقرية الخليل بن أحمد الفراهيدي وأن يعبر بها إلى زمن البرمجة والذكاء الرقمي في رحلة يلتقي فيها التراث بالعلم وتتصافح فيها القصيدة مع الرياضيات وتتحول التفعيلات إلى قيم عددية والموسيقى إلى أشكال هندسية والمربع والمكعب والمصفوفة إلى لغة جديدة لقراءة الإيقاع
ولا تكمن أهمية الكتاب في نتائجه وحدها وإنما في السؤال الكبير الذي يطرحه فالمؤلف لا يكتفي بشرح بحور الشعر ولا يعيد تقديم علم العروض كما عرفناه وإنما يبحث عن العلاقات الخفية التي تربط بين الصوت والرقم وبين الحرف والهندسة وبين الإيقاع والبناء وكأنه يريد أن يقول إن الجمال الذي اكتشفه الخليل قبل قرون لم يكن جمالا سمعيا فقط بل كان نظاما رياضيا بالغ الدقة ينتظر من يعيد اكتشافه بأدوات العصر
ويختار المؤلف بحر الوافر ليكون نقطة الانطلاق فيجرده من صورته التقليدية ويعيد بناءه من جديد عبر حساب الجمل والمصفوفات والمربعات والمكعبات ليقدم رؤية ترى أن القصيدة ليست كلمات متجاورة وإنما بناء متوازن يمكن أن يقرأ بالعين كما يقرأ بالأذن ويمكن أن يتحول إلى نموذج بصري يترجم الإيقاع إلى صورة والهندسة إلى لغة والجمال إلى معادلة
وربما يختلف المتخصصون في الرياضيات أو الهندسة حول بعض التطبيقات أو النتائج لكن أحدا لا يستطيع أن ينكر شجاعة هذا المشروع الفكري فالإبداع الحقيقي يبدأ دائما من الجرأة على طرح الأسئلة والمهندس عصام بشارة يمتلك هذه الجرأة وهو يقتحم منطقة قلما اقترب منها أحد فيحاول أن يزيل الحواجز بين الأدب والهندسة وبين البرمجة والشعر وبين الفكر العربي القديم والتكنولوجيا الحديثة حتى تبدو هذه العلوم جميعها وكأنها تنتمي إلى لغة واحدة تختلف مفرداتها وتتحد روحها
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الكتاب أن صاحبه لا ينظر إلى التراث باعتباره ماضيا ساكنا وإنما يراه طاقة قادرة على إنتاج معرفة جديدة ولذلك يعود إلى الخليل بن أحمد لا ليقف عند حدوده وإنما ليواصل الطريق من بعده في محاولة تؤكد أن العقل العربي القديم كان يحمل في داخله منطق الرياضيات حتى وهو يصوغ موسيقى الشعر وأن ما نراه اليوم من برمجة وخوارزميات ليس بعيدا تماما عن ذلك العقل الذي اكتشف النظام الكامن في اللغة قبل أكثر من ألف عام
وفي أثناء القراءة شعرت أن المؤلف لا يكتب بعقل مهندس فقط بل بروح شاعر أيضا لأن لغته لا تخلو من الخيال ولا من الصور الأدبية وهو يتحدث عن الأرقام كما لو كانت كائنات حية ويتعامل مع المصفوفات كما لو كانت قصائد صامتة تتحرك في فضاء من الضوء ويمنح الهندسة بعدا جماليا يجعل القارئ يشعر أن العلم نفسه يمكن أن يكون فنا إذا امتلك صاحبه الخيال والقدرة على الرؤية
إن الدرة الثمينة في هندسة الكلمة ومعمارية الأنماط والذي يصدر خلال أيام عن دار وعد للنشر والتوزيع بمصر ليس كتابا يكتفي بشرح فكرة ولا بحثا يسعى إلى إثبات معادلة بقدر ما هو مشروع ثقافي وفكري يدعو إلى إعادة النظر في العلاقة بين الكلمة والرقم وبين التراث والحداثة وبين الشعر والهندسة وهو عمل يثير الأسئلة أكثر مما يقدم الإجابات ويمنح القارئ متعة التفكير بقدر ما يمنحه متعة القراءة ولهذا فإن قيمة الكتاب الحقيقية لا تكمن فقط فيما يقدمه من معادلات أو تطبيقات وإنما فيما يفتحه من آفاق جديدة تؤكد أن المعرفة لا تعرف الحدود وأن الإبداع يولد دائما حين يلتقي عالمان كان الناس يظنون أنهما لا يلتقيان أبدا

مساحة إعلانية