2026-08-06 22:48:24
مساحة إعلانية
من النادر أن ينجذب كاتب إلى كتاب هندسي منذ عنوانه لكن هذا ما حدث معي تماما وبرغم أنني كاتب وليس لي في الهندسة شيء فإن عنوان كتاب الدرة الثمينة في هندسة الكلمة ومعمارية الأنماط أخذني إليه بقوة وجعلني أفتحه بدافع الفضول ثم لم يلبث هذا الفضول أن تحول إلى شغف وأنا أتصفح صفحاته وكأنني لا أقرأ كتابا وإنما أرى المهندس عصام حسن بشارة يرسم أفكاره أمامي ويضع كل فكرة في مكانها كما يضع المهندس حجره الأول ثم الثاني حتى يكتمل البناء ولم أكن أمام كتاب يشرح نظريات هندسية بقدر ما كنت أمام عقل يحاول أن يمنح الكلمة شكلا جديدا وأن يقنع القارئ بأن الشعر يمكن أن يكون بناء وأن الإيقاع يمكن أن يصبح معمارا وأن الحرف يحمل في داخله نظاما لا يقل دقة عن أي نظام هندسي
ومنذ الصفحات الأولى يتضح أن المؤلف لا يقدم كتابا تقليديا في الهندسة ولا دراسة مألوفة في العروض وإنما يخوض مغامرة فكرية نادرة يحاول فيها أن يلتقي بعبقرية الخليل بن أحمد الفراهيدي وأن يعبر بها إلى زمن البرمجة والذكاء الرقمي في رحلة يلتقي فيها التراث بالعلم وتتصافح فيها القصيدة مع الرياضيات وتتحول التفعيلات إلى قيم عددية والموسيقى إلى أشكال هندسية والمربع والمكعب والمصفوفة إلى لغة جديدة لقراءة الإيقاع
ولا تكمن أهمية الكتاب في نتائجه وحدها وإنما في السؤال الكبير الذي يطرحه فالمؤلف لا يكتفي بشرح بحور الشعر ولا يعيد تقديم علم العروض كما عرفناه وإنما يبحث عن العلاقات الخفية التي تربط بين الصوت والرقم وبين الحرف والهندسة وبين الإيقاع والبناء وكأنه يريد أن يقول إن الجمال الذي اكتشفه الخليل قبل قرون لم يكن جمالا سمعيا فقط بل كان نظاما رياضيا بالغ الدقة ينتظر من يعيد اكتشافه بأدوات العصر
ويختار المؤلف بحر الوافر ليكون نقطة الانطلاق فيجرده من صورته التقليدية ويعيد بناءه من جديد عبر حساب الجمل والمصفوفات والمربعات والمكعبات ليقدم رؤية ترى أن القصيدة ليست كلمات متجاورة وإنما بناء متوازن يمكن أن يقرأ بالعين كما يقرأ بالأذن ويمكن أن يتحول إلى نموذج بصري يترجم الإيقاع إلى صورة والهندسة إلى لغة والجمال إلى معادلة
وربما يختلف المتخصصون في الرياضيات أو الهندسة حول بعض التطبيقات أو النتائج لكن أحدا لا يستطيع أن ينكر شجاعة هذا المشروع الفكري فالإبداع الحقيقي يبدأ دائما من الجرأة على طرح الأسئلة والمهندس عصام بشارة يمتلك هذه الجرأة وهو يقتحم منطقة قلما اقترب منها أحد فيحاول أن يزيل الحواجز بين الأدب والهندسة وبين البرمجة والشعر وبين الفكر العربي القديم والتكنولوجيا الحديثة حتى تبدو هذه العلوم جميعها وكأنها تنتمي إلى لغة واحدة تختلف مفرداتها وتتحد روحها
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الكتاب أن صاحبه لا ينظر إلى التراث باعتباره ماضيا ساكنا وإنما يراه طاقة قادرة على إنتاج معرفة جديدة ولذلك يعود إلى الخليل بن أحمد لا ليقف عند حدوده وإنما ليواصل الطريق من بعده في محاولة تؤكد أن العقل العربي القديم كان يحمل في داخله منطق الرياضيات حتى وهو يصوغ موسيقى الشعر وأن ما نراه اليوم من برمجة وخوارزميات ليس بعيدا تماما عن ذلك العقل الذي اكتشف النظام الكامن في اللغة قبل أكثر من ألف عام
وفي أثناء القراءة شعرت أن المؤلف لا يكتب بعقل مهندس فقط بل بروح شاعر أيضا لأن لغته لا تخلو من الخيال ولا من الصور الأدبية وهو يتحدث عن الأرقام كما لو كانت كائنات حية ويتعامل مع المصفوفات كما لو كانت قصائد صامتة تتحرك في فضاء من الضوء ويمنح الهندسة بعدا جماليا يجعل القارئ يشعر أن العلم نفسه يمكن أن يكون فنا إذا امتلك صاحبه الخيال والقدرة على الرؤية
إن الدرة الثمينة في هندسة الكلمة ومعمارية الأنماط والذي يصدر خلال أيام عن دار وعد للنشر والتوزيع بمصر ليس كتابا يكتفي بشرح فكرة ولا بحثا يسعى إلى إثبات معادلة بقدر ما هو مشروع ثقافي وفكري يدعو إلى إعادة النظر في العلاقة بين الكلمة والرقم وبين التراث والحداثة وبين الشعر والهندسة وهو عمل يثير الأسئلة أكثر مما يقدم الإجابات ويمنح القارئ متعة التفكير بقدر ما يمنحه متعة القراءة ولهذا فإن قيمة الكتاب الحقيقية لا تكمن فقط فيما يقدمه من معادلات أو تطبيقات وإنما فيما يفتحه من آفاق جديدة تؤكد أن المعرفة لا تعرف الحدود وأن الإبداع يولد دائما حين يلتقي عالمان كان الناس يظنون أنهما لا يلتقيان أبدا