مساحة إعلانية
كتب : عاطف طلب
يشهد سوق التأمين على الطاقة تحولات عميقة ومتسارعة، مدفوعة بتشابك العوامل الجيوسياسية مع تسارع التحول العالمي نحو مصادر الطاقة النظيفة. فبعد سنوات من الاستقرار النسبي، أصبح أمن الطاقة رهينة للتقلبات السياسية والاقتصادية، ما ألقى بظلاله على استقرار الإمدادات والأسواق. وفي خضم هذا المشهد المتغير، يبرز قطاع التأمين كأحد الأدوات الحيوية لإدارة المخاطر ودعم استدامة الاستثمارات في الطاقة، سواء التقليدية أو المتجددة.
أعادت التوترات الجيوسياسية رسم خريطة الطاقة العالمية، لتتحول من منظومة قائمة على الأسواق الحرة إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح السياسية والاقتصادية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على صناعة التأمين. وفي الوقت ذاته، يتسارع التحول نحو الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والشبكات الذكية، مدفوعًا برغبة الدول في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وتعزيز أمنها الطاقي.
هذا التحول لم يخلق فقط فرصًا استثمارية واعدة، بل أفرز أيضًا أنماطًا جديدة من المخاطر، مثل المخاطر السيبرانية التي تستهدف البنية التحتية الحيوية للطاقة، إلى جانب التحديات التقنية المرتبطة بالتشغيل والتصميم، والمخاطر البيئية الناتجة عن التغيرات المناخية. وفي هذا السياق، تشير التقديرات إلى نمو سوق التأمين العالمي للطاقة والكهرباء من نحو 11.66 مليار دولار في عام 2026 إلى 23.33 مليار دولار بحلول عام 2035، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 8%، ما يعكس حجم الفرص الكامنة في هذا القطاع.
وتقود أوروبا هذا النمو بحصة تتراوح بين 35% و40%، مدفوعة بالتوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، تليها أمريكا الشمالية، فيما تشهد الأسواق الناشئة في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا نموًا متسارعًا، نتيجة زيادة الاستثمارات في البنية التحتية للطاقة.
وفي مواجهة هذه التطورات، تتجه شركات التأمين إلى تطوير حلول مبتكرة لإدارة المخاطر، مثل التأمين ضد المخاطر السيبرانية والبيئية، والتأمين البارامتري، إلى جانب الاعتماد على التحول الرقمي وتحليلات البيانات لتحسين دقة الاكتتاب وتسوية المطالبات. كما أصبحت وثائق التأمين أكثر تخصصًا، لتشمل تغطيات مثل تأمين جميع أخطار المقاولين، وأخطار التركيب، وتأمين الممتلكات، والمسؤوليات، وانقطاع الأعمال، والأعطال الميكانيكية، بما يتناسب مع طبيعة كل مشروع في قطاع الطاقة.
ورغم هذه الفرص، تواجه صناعة التأمين تحديات متزايدة، أبرزها التضخم، وندرة البيانات التاريخية للمخاطر الجديدة، وارتفاع وتيرة الكوارث الطبيعية، فضلًا عن تعقيدات البيئة التنظيمية وتزايد الضغوط البيئية. وقد أدى ذلك إلى تشديد شروط التغطية وارتفاع الأقساط وزيادة حجم الأخطار المحتفظ بها.
وفي المقابل، يفتح التحول نحو الطاقة النظيفة آفاقًا واسعة للنمو، خاصة مع التوسع في مشاريع الطاقة الشمسية ومزارع الرياح والهيدروجين الأخضر، والتي تتطلب حلولًا تأمينية متطورة تتعامل مع مخاطر التشغيل والتقلبات المناخية والأعطال التقنية. كما يبرز دور التكنولوجيا، لا سيما الذكاء الاصطناعي وتقنيات البلوك تشين، في تحسين إدارة المخاطر وتعزيز الشفافية والكفاءة في سوق التأمين.
وفي هذا الإطار، يؤكد اتحاد شركات التأمين المصرية أهمية تطوير القدرات الفنية بالسوق المحلي، وتصميم منتجات تأمينية متخصصة، وتعزيز استخدام التكنولوجيا الحديثة، إلى جانب توسيع نطاق التعاون مع قطاع الطاقة، بما يسهم في دعم بيئة الاستثمار وتحقيق التكامل بين الأطراف المختلفة.
في ظل التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الطاقة عالميًا، لم يعد التأمين مجرد أداة للحماية، بل أصبح شريكًا استراتيجيًا في إدارة المخاطر ودعم التحول نحو مستقبل أكثر استدامة. وبينما تفرض التحديات واقعًا معقدًا، فإنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام فرص غير مسبوقة لشركات التأمين لإعادة ابتكار دورها، وتعزيز مساهمتها في دعم الاقتصاد الأخضر وتحقيق أمن الطاقة.